صخب الموانئ ( 9 ) .م. زياد صيدم

0

استجمع احمد أفكاره سريعا، أعاد ترتيبها بعد نداء أم سعد للعشاء ..بعد أن هدأت  أفكاره المتزاحمة وقلّ طنينها في أذنيه ..لكن ارتباكه بعد قراره بمواجهه ابنته البكر ما يزال باديا على ملامحه.. تؤرقه الفكرة وتقلقه ردة فعلها.. وما ستحدثه المفاجأة من صدمة متوقعة و وتداعياتها غير المحسوبة… وصل متأخرا على غير عادته، حيث اعتاد أن يكون أول الجالسين على المائدة، يحث ويستعجل  أطفاله حتى لا يتأخروا  ما يضطر أم سعد إعادة تسخين الطعام، فقد كان يرفق بحالها ويرأف لما آلت إليه صحتها، فهي تعيل أسرة كبيرة، تقطعت بها سبل العيش لموت زوجها باكرا.. وسعيها الجاد في توفير  لقمة عيش لأولادها.

 

 كان الأمر صعبا عليه، فهو مضطر الآن لمواجه ابنته سلوى بحقيقة مرض أمها.. مر زمن طويل وهو يخفى حقيقتها، وقد نجح في هذا على مدار ثمانية شهور، استطاع بكل جهده وحنانه تعويض أولاده غياب الأم، وان يزرع فيهم الأمل بانتظار جميل، وأخبار سارة عن نجوى ، كان يختلقها حين  يلحون عليه وتحاصره أسئلتهم.. بينما كان الحزن يخيم على  قلبه، إلا انه بكل الحب وعاطفة الأبوة،  نجح في معظم الأحيان في  زرع الابتسامة  على شفاه أطفاله…

 

– سلوى حبيبتي، بعد انتهائك من نقل الأطباق، وتنظيف السفرة، ارغب في حديث معك على انفراد.. حدثها وهو يتجه صوب غرفته…

– نعم يا أبى سأكون فور انتهائي، سألحق بك وأجهز قهوتك بنفسي،  تاركة ابتسامة رقيقة  قبل أن تتجه حاملة أطباق وأواني العشاء ناحية المطبخ، حيث سبقتها أم سعد ..

 

مرت نصف ساعة قبل أن تقرع الباب مستأذنه بالدخول..

– أهلا ابنتي  ..ما شاء الله عليك حبيبتي، تكبرين بسرعة فائقة، ها قد أصبحتِ  عروسا يا سلوى، كم أتمنى من الله وأدعوه  متضرعا أن يمنحكم السعادة والهناء.. لا تنسى وعدك لي بأن تصبحي مهندسة معمارية .. ابتسمت سلوى مكررة وعدها، بينما كانت تصب القهوة في فنجان خزفي تعود أن يشرب به  قهوته دوما.. ولطالما نهت إخوتها الصغار من استخدامه قائلة: فنجان أبى الخاص لا احد يعبث به.. جلست ترقب أبيها بينما أشعل سيجارته، وارتشف أول رشفة .. نظر إليها بكل عطف وحب وحنان…

 

– سلوى، اعلم أنك واعية لما سأقوله لك..اعلم بأنك تستطيعي أن تتفهمي وتعذري تصرفي في إخفاء حقيقة لها شهور طويلة عليكم جميعا.. من أجلكم فقط فعلت هذا! لكن بنيتي جاءت لحظة الحقيقة، أنت صغيرتي الكبيرة، المتفوقة والمدركة و…. قاطعته والحيرة التهمت وجنتيها حمرة فتورد خديها كالجمر،وجحظت عينيها ..أبى ماذا حدث ؟ بدأت أطرافي ترتجف.. أنا خائفة يا أبى،  ما الأمر؟ هل حدث شيء لأمي في غربتها؟ ماذا يا أبى؟ أخبرني  .. انهمرت دموعها وارتمت في أحضان أبيها وهى تبكى بحرقة ..

– لا لا أبدا يا سلوى، أمك بخير، لم يحدث لها شيء.. ليس هكذا الأمر حبيبتي..

– إذا هناك شيء تخفيه! أنا أحس بهذا الآن، قل لي  كل شيء، أريد الحقيقة، فان كانت أمي بخير ما الذي تخفيه عنا ؟  لماذا لم تسال علينا؟وأين هي .. أريد الحقيقة.. وراحت تبكى وتهدج صوتها ..تمسح دموعها بمنديل ورقى ذاب بين أناملها الغضة الرقيقة.. تحاول لملمة كلماتها المبعثرة.. يسرع احمد في احتضانها.. يربت على ظهرها وكتفيها محاولا بث السكينة في نفسها .. مكررا أن أمها بخير .. يقسم لها..يكرر قسمه.. حتى بدأت في السكون ولكن بحذر !…

ساد صمت لم يدم طويلا.. قطعه احمد :سلوى ماما ليست في الجامعة ! وليس هناك منحة دراسية،  ماما في مصحة نفسية تخصصية هنا في داخل بلدنا.. وغدا طلب الأطباء بان نزورها جميعا.. قال جملته الأخيرة سريعا، دون أن يترك لها مجالا للانفعال والمقاطعة .. بينما كان يرى الذهول على وجهها، ويقرأ في عينيها حزن وألم وحسرة.. نظرت حولها .. زاغ بصرها..تكورت في ركن الغرفة  البعيد ،تضع كفيها على وجهها  تنوح ببكاء يقطع نياط القلوب.. كانت تكرر: ماما..ماما..حرام عليكم .. حرام .. ماذا حدث لك؟ كيف لم أرك  وأنت هنا !..تكرر كلماتها  ، بصوت متهدج وقد تاهت معالم وجهها تماما ببحر من الدموع والنحيب والذهول.. وقد احتبست الدماء في مقلتيها كيف يا أبى؟ لماذا لم تأخذني طوال هذه الفترة إليها كيف تفعل هذا؟كيف هنت  عليك يا أغلا الناس على قلبي.. وكيف لم تطلب أمي  رؤيتي  وإخوتي كيف؟؟ حرام ..حرام ما فعلتموه..  تتأوه، تلتاع حزنا.. تقطع قلب أحمد.. يتماسك..يحاول أن يتماسك ..ينجح لابد وان ينجح في هذا الموقف العصيب..وإلا فتداعيات الصدمة ستكون معقدة على ابنته…

– اهدأى بنيتي، سأشرح لك كل الحكاية الآن..

 

انتهت أم سعد من ترتيب المطبخ، أعدت الحليب للأطفال كعادتها في كل ليلة قبل نومهم، تتأكد بنفسها من تناولهم له ، فكم مرة وثقت بكلامهم وتركته، لتأخذه في الصباح كما تركته مصبوبا لم يلمسه احد.. حدث هذا  في الأيام الأولى من قدومها، بعد مغادرة نجوى إلى المصحة، حيث عرفت شقاوتهم.. لهذا ترافقهم حتى يذهبوا في نوم ملائكي.. ثم تنسحب متسللة من غرفتهما إلى احمد حيث تكرر سؤالها اليومي عليه، إن كان يريد شيئا قبل أن تخلد للنوم…

 

قرعت الباب على احمد، وهى تعلم بوجود سلوى عنده في أمر تعلمه مسبقا، فعلى ما يبدو أن ساعة الحقيقة قد حان ميعادها.. كانت تحدث نفسها عندما قرعت الباب بدقاتها المعروفة..

دخلت أم سعد، وقد اغرورقت عيناها بالدموع عندما رأت سلوى في وضع لا يحسد عليه، فهذه الشمعة المضيئة ، والوردة الندية قد احترقت وذبلت ..

ارتمت سلوى  في أحضان أم سعد وعادت لتبكى .. كان بكاءها اخف حدة، بدأت تعاتبها  هي أيضا لإخفائها الحقيقة عنها.. وهنا توجه احمد بالحديث لام سعد:لقد طالبني الطبيب المعالج بان نتوجه جميعا بزيارة عاجلة إلى  نجوى  غدا.. وقد بحت بالحقيقة لسلوى كاملة.. وبحمد لله تفهمت لأنها ابنتي الواعية والمثقفة ..

– اااه يا ابنتي سلوى سارد على سؤالك، لقد اخفي والدك عليكم القصة، لأنه كان يتأمل شفائها عاجلا، وعودتها وكأن شيء لم يكن.. كان لمصلحتكم ابنتي، ولم يقصر في واجبكم أبدا.. وأنا الم أكن لك الأم والصديقة ؟ .

– نعم تيتا لم أحس أبدا بغياب أمي ..لكن…

– استأذنكم الآن، وسأجهز الأطفال غدا ليكونوا على أهبة الاستعداد ..

– اعلمي بأننا على منتصف النهار يجب أن نكون هناك..

– نعم فهمت، إن شاء الله.. أغلقت الباب وراءها وهى تخرج تكرر قولها:  لا حول ولا قوة إلا بالله يا رب الصبر، والرحمة بعبادك.. وألطف بهم غدا يا الله.

خرجت سلوى من غرفة أبيها، وقد جففت دموعها واستسلمت للأمر الواقع.. بعد أن  تفهمت كل شيء، وعرفت ماذا ستقول لإخوتها الصغار غدا، كما أوصاها والدها.. استأذنت أبيها وقبلت يده  ..فقبلها في خديها وجبهتها، وضمها بقوة وحنان إليه.. أغلقت باب الغرفة ومضت…

 

 القي بجسده منهكا على السرير.. أشعل سيجارته ونظر إلى ساعة الحائط، فقد قاربت على العاشرة والنصف.. نهض من سريره بعد أن استفاق من مشاهد كأنها فيلم اكشن دارت أحداثه على الطبيعة أمامه قبل قليل.. ارتشف ما تبقى من فنجان قهوته.. توجه إلى حاسوبه حيث كانت حنان في انتظاره …

– ااااه حنان، حبيبتي..  كم أنا محتاج إليك الليلة..بدأ حديثه فورا إليها.

– حبيبي احمد يا أغلا من حياتي.. كلى لك يا غلاي.. ما بك يا مهجة الروح ..ما هذا الحزن  في قلبك..لا لا تبكى.. دموعك غالية على حنانك، ماذا حدث؟ هل واجهت سلوى بالحقيقة؟..

– نعم، وراح يقص عليها وقائع كانت قبل لحظات.. وهى تستمع إليه ..تهدئ من روعه.. تعطيه أملا.. تشير وتشور عليه بخطوات تطابقت بما كان يفكر فيه..

 

وهنا يقف أحمد مذهولا! كونها الحبيبة وترأف به وبأسرته وبزوجته.. يقف محتارا.. فالموقف يدعو للتأمل حقا.. لكنه ليس بالخيال، فحنان حقا امرأة عاشقة لأحمد بكل ذرات كيانها..تريد له الخير ولأسرته السعادة !طيبة القلب،واعية ومدركة لكل الظروف، محبة حد الثمالة له،.. يشعر على أثر محادثتها بهدوء يجتاحه،براحة بال تتلبسه، بأمن وأمان يسرى في كيانه..  فيصمت..  لتتوالى بنفسها الأحداث تباعا…

 

– يتبع –

إلى اللقاء. 

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.