إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

“بالألوان الطبيعية”.. مشاهد جنسية بلا مبرر وصدمة الحوار مع الله

Alwan(1)

يصطدم فيلم "بالألوان الطبيعية" مع إرادة اجتماعية راسخة، لهذا لم يكن غريبًا أن يثير كل هذا الجدل على الساحتين المصرية والعربية؛ إذ لا يناقش -كما يبدو ظاهريًّا – قضية "الموديل" العاري في كلية الفنون الجميلة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، عندما يتناول قضية التحريم بأساليب فنية صادمة، تبدأ بمشهد جنسي فج، وتمر بحوارات لبطله مع الله تعالى، وتنتهي بحيرة شديدة تصيبه من الجميع!

 
لقد كان التعامل مع الموديل العاري في "الفنون الجميلة" مثل التعامل مع تشريح الجثث بكلية الطب، باعتباره أحد المقررات الرئيسة في التدريس، لكن مع تنامي التيار الديني نهاية السبعينيات من القرن الماضي في مصر أصدر الرئيس الراحل "السادات" قرارًا بإلغاء الموديل، ومنعه من الدخول للكلية، وظل هذا القرار ساريًا منذ نحو 30 عامًا، وحتى الآن.
 
على خلفية هذا الأمر يبدو الوضوح شديدا بالفيلم في نقد ذهنية تحريم "الموديل العاري"، بشكل مباشر يصل إلى درجة الفجاجة أحيانًا في توصيل الأفكار؛ إذ كان من الممكن اختصار بعض المشاهد التي قدمت العلاقات العاطفية بين الأبطال بدلًا من التمادي فيها.
 
وهذا الانتقاد من منظور فني وليس أخلاقيا لأن اللقطة تمنح معلومة للمشاهد، وما دامت أن المعلومة وصلت فما الداعي لاستمرارها!
 
 
نسخة من "بحب السيما"
بالعودة إلى "بالألوان الطبيعية" يستطيع المرء أن يعتبره الجزء الثاني من فيلم "بحب السيما"، فهو للكاتب نفسه "هاني فوزي"، والمخرج "أسامة فوزي"، الذي عرض قبل نحو 5 سنوات، وكان المأزق الذي وضع فيه الفيلم تلك العائلة المسيحية، والطفل "نعيم" الذي كان يتضرع إلى الله لكي يدخله مع الفنانين إلى النار إذا كان مصيرهم جهنم، فهو يريد من الله ألا يفرقه أبدًا عن هؤلاء الذين عشقهم!
 
لقد كان من الممكن أن نرى "بحب السيما" بتلك الزاوية البعيدة عن سطوة ديانة بعينها فهو لم يكن يعنيه أن يتناول دينا محددا في علاقته بالفن، ولا حتى في علاقته بمتاع الحياة الدنيا إلا أن الكنيسة المصرية الأرثوذكسية أعلنت وقتها شجبها للفيلم، فضاعت رسالته بين غضب الكنيسة وغضب مماثل أيضًا في العديد من قطاعات المجتمع!
 
أصبح الكاتب "هاني فوزي" يدرك إذن أن الديانة أدت دورًا سلبيًّا في تلقي الفيلم بقدر من الحساسية لدى الأقباط في مصر، لهذا قدم هذه المرة في "بالألوان الطبيعية" الطفل في عائلة مسلمة، وشاهدناه وقد صار شابًّا اسمه "يوسف" في اللقطة الأولى، وهو يتضرع إلى الله أن يلحقه بكلية الفنون الجميلة.
 
انفصام أصاب الجميع
في البداية يقدم لنا الفيلم "الأم" مثل عشرات الأمهات؛ تتمنى أن يصبح ابنها طبيبا أو مهندسا بينما أرسل هو أوراقه إلى مكتب التنسيق منتظرا أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة، وعندما تظهر النتيجة تكتشف أنه صار طالبًا في كلية الفنون، فيبدأ الجيران في تقديم واجب العزاء للأم المكلومة ويواسونها -في مبالغة واضحة-، قائلين "إنه من الممكن أن يصبح "نقاشًا" قد الدنيا".
 
وفي الكلية يكتشف يوسف تلك الثنائية التي تصل إلى حد الانفصام بين أفكار الطلبة التي يتنازعها التحرر الذي يتيحه الفن والقيود الصارمة المحملين بها من البيت بل والأساتذة أيضًا، الذين يعانون أيضا من هذا الانفصام الذاتي بين أفكارهم الخاصة، وما يفرضه المجتمع عليهم بقواعده الصارمة.
 
لقد أسند المخرج "أسامة فوزي" أدوار البطولة إلى مجموعة من الوجوه الجديدة؛ منهم كريم قاسم ويسرا اللوزي، فكريم سبق له أن شارك في بطولة فيلم "أوقات فراغ" قبل نحو أربع سنوات.
 
لكن "كريم" لا يملك هذا الإشعاع الداخلي الذي يتيح له التواصل مع الكاميرا، و"يسرا اللوزي" -التي سبق أن اكتشفها "يوسف شاهين" في فيلمه "إسكندرية-نيويورك" قبل ست سنوات- نكتشف في جانب من الشخصية التي تؤديها تطور المجتمع في علاقته بالمرأة، وأيضًا ما حدث في المرأة نفسها من تغييرات في شخصيتها وملامحها وسلوكها.
 
ويعتمد "بالألوان الطبيعية" في حواره على أكثر من مشهد؛ منها على المونولوج الدرامي، أي أن البطل يجري حوارات منفردة مع نفسه أو مع الله، وذلك في لحظات الحيرة التي تتنازعه.
 
السيناريو في الفيلم يقدم شرائح عدة من الطلبة في علاقتهم بالأساتذة، وأيضًا يحرص على التأكيد على تباين مواقفهم الشخصية.
 
أين الإبداع التمثيلي؟
هذه يسرا اللوزي نراها في بداية الفيلم تمارس الجنس مع حبيبها "كريم قاسم"، ثم تعيش مشاعر الإحساس بالذنب، وتتحجب ثم تنتقب وتعتبر أن مجرد السلام بالأيدي خطيئة كبرى.
 
لقد كانت الشخصية بحاجة إلى إبداع تمثيلي أكثر بكثير مما قدمته "يسرا اللوزي"، وهي -بالمناسبة- تظل مسؤولية المخرج الذي لم يستطع قيادة بطليه.
 
وبالمثل هناك المعيدة التي أدت دورها الوجه الجديد "فريال يوسف"، كنموذج للمرأة التي تبيع نفسها من أجل أن تحقق أهدافها لتصل إلى مقعد في السلك الجامعي، وتسطو على جهد غيرها.
 
وهناك الصراع بين الطلبة المحافظين والمنفتحين، والذي عُبر عنه بمشهد نرى فيه الطلبة وهم يرسمون صورا لفتيات مثيرة، بينما نرى طالبين مسلم وآخر مسيحي كلاهما يرتل تراتيل دينية إسلامية ومسيحية في اللحظة نفسها.
 
أيضًا قدم الفيلم الطالبة ذات الجذور الأوروبية المصرية المزدوجة التي أدت دورها "فرح يوسف"، والطالب "رمزي لينر" في أول تجربة له أمام الكاميرا، وحرص المخرج هنا على إضفاء لمسة كاريكاتيرية للشخصيات.
 
الأساتذة في الكلية: كل منهم لديه لمحة تتجاوز المنطق مثل "حسن كامي"، و"تامر حبيب"، و"أحمد اللوزي"، وغيرهم.. كل منهم لديه "لازمة" تبعث على السخرية.
 
ولم يغفل السيناريو الدعاة الجدد الذين توغلوا في الحياة، وصاروا مؤثرين على الشباب، وقدم تماثلا واضحا بين ملامح الممثل الذي يؤدي دور رجل الدين العصري، و"عمرو خالد" الذي يرتدي البدلة والكرافت، كما امتلأ الفيلم بالعديد من تلك الجسور التي تحاول أن تربط الماضي بالحاضر مثل الموديل العجوز الذي أدى دوره "سعيد صالح" بحساسية شديدة؛ إذ شاهدناه وهو محبط يتذكر كيف كان طموحه قبل نصف قرن بأن يصبح فنانًا عالميًّا ثم انتهى به الأمر إلى أن صار مجرد ذكرى لكل هذه الأحلام، وشاهد إثبات على عدم تحقيقها.
 
وينتهي الفيلم بأن نرى الشاب "كريم قاسم"، وهو يقف بين كل هذه القوى التي تؤثر عليه؛ الشيخ العصري الذي يمثل الإعلام، والفتاة الموديل "منى هلا"، والموديل القديم "سعيد صالح"، فهذا هو المصير الذي ينتظره، ثم الأم التي تعبر عن كل القيم القديمة بسيطرتها الشديدة على مجتمعه.. الحيرة الشديدة إذن هي نهاية الفيلم!
 
غير أن في الفيلم عناصر جيدة، منها الممثلون "فرح يوسف"، و"رمزي لينر"، و"منى هلا"، وتفوق مدير التصوير "طارق التلمساني"، ومهندس الديكور "صلاح مرعي"، والموسيقى "تامر كروان".
 
أخيرا؛ كان في الفيلم قليل من الشجن والمشاعر، وكثير من الصراخ المزعج أكثر مما ينبغي، وأكثر أيضًا مما نحتمل!
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد