إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

بوادر “تنويرية” في المؤسسة الدينية

Saudi(20)حبيب طرابلسي

بدأ السجال التقليدي بين الليبراليين والإسلاميين حول بعض القضايا الاجتماعية، مثل الاختلاط و قيادة المرأة للسيارة، ينتقل إلى ‏المؤسسة الدينية ذاتها في المملكة العربية السعودية التي شهدت في الصيف الماضي جدلاً حادا حول السماح بالعروض السينمائية ‏حسمته وزارة الداخلية بإلغاء المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، موجهة بذلك ضربة لآمال الإصلاحيين في تخفيف سيطرة ‏التيار المحافظ في المجتمع السعودي.‏
الاختلاط جائز
‏وكان الدكتور أحمد بن قاسم الغامدي المدير العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة، قد أحدث ‏زوبعة في الأوساط السعودية بتصريحات في ديسمبر الماضي لصحيفة "عكاظ"، أجاز فيها الاختلاط بين الرجال والنساء.‏
فقد قال إن: "مصطلح الاختلاط الذي أثار الجدل بعد تدشين جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لم يُعرف عند المتقدمين من أهل ‏العلم، لأنه لم يكن موضوع مسألة لحكم شرعي كغيره من مسائل الفقه، بل كان أمرا طبيعيا في حياة الأمة ومجتمعاتها".‏
‏ واعتبر الغامدي، الذي يعد أحد كبار قياديي جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن "الممانعين له يعيشونه واقعا في ‏بيوتهم، التي تمتلئ بالخدم من النساء اللواتي يخدمن فيها، وهي مليئة بالرجال الغرباء، وهذا من التناقض المذموم شرعا"، واصفا ‏القائلين بتحريم الاختلاط بأنهم "قلة لم يتأملوا أدلة جوازه (…) فالاختلاط لم يكن من منهيات التشريع مطلقا، بل كان واقعا في ‏حياة الصحابة".‏
‏ وقد أثنى العديد من الكتاب الليبراليين على الشيخ الغامدي. واعتبر الكاتب الصحفي حمود أبو طالب هذه التصريحات "تحولا ‏جذريا في قضية الاختلاط التي خلقت أزمة وجدلا مستمرا أضاع الكثير من الوقت". أما الكاتب محمد آل الشيخ فقد بين كيف أن ‏قضية منع الاختلاط "تسببت في كثير من التعطيل وجعلت كفاءات نسائية عالية التأهيل إما لا تعمل أو تعمل بحذر في جو ‏مشحون بالتوجس وألغام الريبة".‏
في المقابل، انتقد آخرون تصريحات الشيخ الغامدي و فندوا الأدلة التي ساقها في تبيان مشروعية الاختلاط. إذ إعتبرها الشيخ ‏محمد المنجد "مسألة خطيرة وافتراء وتجني على الشريعة"، مستشهدا بأقوال المفتي السابق للمملكة الشيخ عبد الله بن باز. و اعتبر ‏الداعية عبد الرحمن الأطرم, أن توقيتها "غير مناسب نظرا لما تمر به البلاد من أحداث جسام مثل قتال الحوثيين وكارثة جدة".‏‎ ‎
وامتد الجدل خارج المملكة بإصدار علماء ودعاة كويتيين بيانًا ينتقد فتواه بشدة ويصفها بالشاذة. وأفادت مصادر داخل الرئاسة ‏العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن الرئيس العام للهيئة، الشيخ عبدالعزيز بن حمين الحمين، أصدر قرارا بإعفاء ‏احمد الغامدي من منصبه وتعيين الشيخ عبدالرحمن الجهني , رئيس هيئة الطائف , مكانه. ‏
أحمد بن باز يتمرد على والده ويفتي بأحقية المرأة في قيادة السيارة
و يوم الخميس 14 يناير، نشر الشيخ أحمد بن باز، بن المفتي السابق، مقالاً في صحيفة "الوطن"‏ بعنوان "قيادة المرأة السيارة قضية حقوق لا قضية أولوية"،حيث يعتبر أن "قضية القيادة هي قضية حقوقية بالدرجة الأولى تُشبه ‏الكثير من قضايا المرأة لدينا، والحديث فيها ينطلق من حقوق الإنسان التي أعطاه إياها الإسلام كحق التملك وحرية التنقل وهي ‏مبدأ من مبادئ الحرية الأصلية – غير المكتسبة، والحقوق ليست ترفاً ولا تمنح ولا يمكن التصويت عليها". وأضاف الباز: "أما ‏من منع قيادة المرأة السيارة من مشايخنا الفضلاء في السابق فهو لاعتبارات لا أظنها موجودة الآن أو يمكن مناقشتها وإعادة النظر ‏فيها".‏
و في تصريح لقناة "العربية" مساء الاثنين 18 يناير، قال الباز، وهو باحث في الشؤون الإسلامية، أن فتوى والده القديمة في هذا ‏الأمر "رأي اجتهادي قابل للنقاش لأنها مسألة في دائرة المباحات، ولا دليل شرعي عليها".‏
و قد أثار المقال المئات من التعليقات والتي جاءت في أغلبها مؤيدة للشيخ الباز ومطالبة بسن "قرار رسمي يعدل هذا الوضع ‏الغريب". ‏‎ ‎
وقالت غادة إبراهيم: "يوجد في السعودية أكثر من مليون سائق أجنبي بحسب إحصائية وزارة العمل. أليس الأولى ترحيل هؤلاء ‏الأجانب وتسليم دفة القيادة للمرأة التي أثبتت جدارتها في الطب والتمريض والتدريس؟".‏
وتشاطرها الرأي نوف خالد مشيرة إلى "الرقم الفلكي المليوني لجيوش السواق البنغال و الباكستانيون و الفلبينيون، و الذي تبلغ ‏تحويلاتهم النقدية لبلدانهم مليارات الريالات تستنزف من الاقتصاد للوطني، بحجة خصوصية المجتمع السعودي المفرطة و باسم ‏حرمة المرأة و ستر عورتها".‏
‏فيجيب أبو ياسر: "القضية واضحة ولا تحتاج لإقناع. عندنا عقول مغلقة لا تقبل التغيير"، مضيفا: "قيادة السيارة لا محالة منها ‏وسيصدر الأمر بها. المسالة مسألة وقت".‏
‏"الحرية أثمرت"
وفي مقال نشر بصحيفة "الحياة" يوم الأحد 17 يناير، بعنوان "من الغامدي إلى الباز"‏، يعتبر داود الشريان، وهو من الكتاب الصحفيين المتمرسين، أن الحرية التي أُتيحت للصحف خلال السنوات الخمس الماضية ‏في تناول مثل هذه القضايا أثمرت، وأدخلت النقاش إلى ساحة المؤسسة الدينية ذاتها".‏
و يضف الكاتب أنها "المرة الأولى التي يجرى تناولها من أشخاص محسوبين على المؤسسة الدينية. فالشيخ أحمد بن باز هو نجل ‏مفتي السعودية السابق (….) الذي كان له رأي معروف في تحريم قيادة المرأة السيارة. أما الدكتور احمد الغامدي، فهو يعمل في ‏أكثر المؤسسات الدينية تشدداً في البلد، بل إن أساس عملها اليومي هو منع الاختلاط ومحاربة مظاهره بشتى الطرق".‏
هذا يعني أن النقاش في القضايا الاجتماعية التي تتقاطع مع الدين دخل مرحلة مهمة في السعودية (…) وهو أمر جوهري، ‏وسيكون له تأثير إيجابي على تطور المجتمع".‏
لكن أحد القراء يجيبه متسائلا: "ما هذه الانتقائية؟ . الاحتفاء بآراء أحمد الغامدي دون غيره من رجال الهيئة، هل يرجع إلى أنه ما ‏يريده الليبراليون" ؟
‏"معركة السينما" تنذر بفشل "النبضات التنويرية" ‏
ورغم أن التيار الليبرالي، الذي يمثله مثقفون ورجال أعمال وصحفيون، سجل بعض النقاط في حربه ضد المؤسسة الدينية، أحد ‏أعمدة النظام والتي تمثلها أساسا "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، منذ وصول الملك عبد الله إلى سدة الحكم في 2005 ‏و الذي يسهر على تقديم السعودية كدولة متفتحة ومتسامحة، إلا أن التيار المتشدد، المساند من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ‏ووزير الداخلية، الأمير نايف بن عبد العزيز، كان له دائما الكلمة الأخيرة.‏
و قد تجلى ذلك بوضوح في "معركة السينما" التي يقود جزءا منها الأمير الوليد بن طلال، احد أثرى أثرياء العالم وقريب الملك ‏عبد الله. فبعد العرض التاريخي لفيلم "مناحي"، وسط إقبال جماهيري كبير و معارضة شديدة من المتشددين الذين يعتبرون السينما ‏والموسيقى وكل الأشكال الأخرى للتسلية مسيئة للإسلام، حسم الأمير نايف المعركة بإلغائه المهرجان السينمائي الذي كان من ‏المقرر افتتاحه بعد ساعات قليلة في جدة.‏
‏ وقد فجر القرار سيلا من المديح ل"النائب الثاني" ووابلا من التنديد ب"أصحاب الفكر الضال العلماني" على مواقع مقربة من ‏‏"التيار الإسلاموي المتشدد"، فيما التزمت الصحف المحسوبة على "التيار التنويري" الصمت وخلت من أي مقال عن أسباب منع ‏تنظيم المهرجان، و لم يجرأ أحد على انتقاد القرار، بعد أن تطرقت للحدث الأبرز طوال أسبوع وأفردت له الزوايا، وتحدثت عن ‏بعض الأسماء المشاركة بإسهاب
 
http://www.saudiwave.com/index.php?option=com_content&view=article&id=5197:2010-01-20-12-19-32&catid=50:2008-12-02-08-52-24&Itemid=115
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد