إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

بيان الشخصيات والاسطوانة المشروخة

  BTE1661                                              

خالد حسنين

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
للعلم فقط فإن مصطلح "الاسطوانة المشروخة" يعود إلى عصر الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كانت الأغاني تسجل على الاسطوانات (الكبيرة)، ومن كثرة الاستخدام تتعرض الاسطوانة لشروخ تنعكس كأصوات نشاز على صوت الأغنية، وكان الأفضل لحكومتنا الفتية (أو حكومة الديجيتال) أن تستخدم مصطلح "السي دي المضروب" في وصف بيان الشخصيات الثمانية والسبعين التي انتقدت (بأدب جم) مشاركة الأردن في أعمال حربية هجومية خارج حدود المملكة، والتعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية (لا يحبها الأردنيون كثيرا) وبشكل سرّي دون علم مؤسسة البرلمان (الذي زوّرت الحكومة نتائجه وقامت بحلّه بعد ذلك).
 
سأفترض جدلا أن الشخصيات الموقعة على البيان لا تمثل إلا نفسها، وأنها أصوات معزولة عن صوت الحق المجلجل الذي تمثله الحكومة وبعض أعيانها ورؤساء تحرير بعض صحفها، وبعض الصحفين المؤيدين لمواقفها (والملتزمين بمدونة السلوك تماما)، سأفترض أن هؤلاء النفر من الأردنيين رأوا رأيا مخالفا لرأي الحكومة العتيدة، فما العيب من إبداء رأيهم بصورة حضارية، عبر بيان مقتضب، أكدوا فيه على هوية الأردن وانتمائه العربي والإسلامي (وهذا موافق لرأي الحكومة المعلن) وخالفوها في قرار ملاحقة (الإرهابيين) خارج حدود المملكة، واعتبروا أن السياسات الأردنية تحتاج إلى مراجعة، وأن معاهدة وادي عربة أساس البلاء، وأكدوا على ضرورة احترام إرادة المواطنين (وأنا شخصيا أطالب ابتداء بأن تعترف الحكومة بوجود الشعب الأردني).
 
وتمضى (الفئة المعزولة) في بيانها بمطالبات مشروخة أخرى تتعلق بوقف التعاون مع أجهزة الاسخبارات الصهيونية والأميركية، وسحب القوات الأردنية من "أفغانستان، ومن أي موقع اخر يستفيد منه العدو الصهيوني وأعداء الأمة". حسب نص البيان المشروخ، والذي وقعه مراقب عام الاخوان المسلمين السابق واللاحق، وأمناء الأحزاب، ونقباء النقابات، وخبراء دستوريون، ونواب سابقون وأسبق من السابقين، وممثلو مؤسسسات (مشروخة) أخرى يضيق حجم المقال عن تعدادها.
 
إنني أنتقد بشدة الأسلوب الجديد للحكومة في الرد على بيانات المعارضة، واستعارة لغة الخمسينسات من القرن الماضي، وكأن كاتب البيان حزبي عتيق لفظه حزبه فأراد الانتقام، وورّط الحكومة بمخالفات قانونية خطيرة، فقد وصف بيان الحكومة الشخصيات الموقعة على البيان المشروخ بأنهم: "زاودوا على الوطن باتهامات باطلة ومشبوهة، وقدموا أكاذيب ومعلومات مضللة، والتي لا يريدون بها خير الوطن" كما قال بيان الحكومة: لقد "صدم الأردنيون إزاء وقوف بعض أبناء الوطن ضد الثوابت الوطنية، وتباكيهم على أعداء الوطن من الإرهابيين" والسؤال هنا: هل موقعو البيان ليسو أردنيين؟ وهل الحكومة تمثل فعلا صوت الأردنيين المصدومين ببيان الشخصيات؟
وأجمل ما في بيان الحكومة فقرته الأخيرة التي تقول: "والغريب في أمر هؤلاء أنهم يتباكون على حرية التعبير، متناسين أن بطولاتهم الدونكوشوتية على الفضائيات وعبر البيانات، تتناقض مع زعمهم بعدم وجود حرية تعبير في البلاد". وهنا لن أعلق على كلمة دونكوشوتية (ففهمكم كفاية) ولكن كان الأولى بالحكومة أن تستخدم اسم الإشارة (أولئك) بدلا من (هؤلاء) لأن الموقعين على البيان بعيدون عن الحكومة واسطواناتها وأفلامها (غير المشروخة بالمطلق).
وختاما أتوقع من الشخصيات الموقعة على البيان (المشروخ) أو بعضها أن ترفع دعوى على الحكومة بسبب البيان العرمرمي الذي قامت بإبداعه، ثم ليقل القضاء كلمته في مدى حق الحكومة وسلطتها في توزيع صفات الوطنية والانتماء على فئة من المواطنيين وحرمان فئة أخرى منها!!
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد