إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تراجع شعبية عباس جدد المعركة خلف الأبواب.. خليفة عرفات الحقيقي من يكون؟

Abbas n' Arafat

على الرغم من أنه بدا أن انتقال القيادة تم بطريقة سلسة داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية وحركة فتح من خلال انتخاب محمود عباس في يناير 2005 عقب وفاة ياسر عرفات، إلا أن عددا كبيرا من الفلسطينيين لا يزالون يعتبرون ما تم مجرد حل مؤقت. فمعركة الخلافة داخل فتح مستمرة خلف الأبواب، وهي طفت على السطح اخيرا بسبب تراجع شرعية عباس وشعبيته.

لا يزال الاعتقاد سائدا بأن من يقود حركة فتح سوف يقود منظمة التحرير الفلسطينية ويُنتخب رئيسا للسلطة. لكن قيادة منظمة التحرير قد لا يعني قيادة السلطة أيضا. وإذا حصل القادة التكنوقراطيين على تأييد فتح ومنظمة التحرير والجهاز الأمني، فقد يسمح لهم ذلك بان يصبحوا قادة جدد للسلطة.
ظهرت هذه المعركة للعيان في المؤتمر الذي عقدته فتح في بيت لحم في أغسطس 2009، وتم خلاله انتخاب المجلس القيادي للحركة (21 عضوا) ومجلس الثورة (123 عضوا). وكانت تلك الانتخابات الأولى من نوعها التي تجرى طوال جيل بكامله.
 
الأوائل ليسوا منافسين
فاجأ الرئيس عباس المراقبين بقدرته الواضحة على ترسيخ قيادته في المؤتمر على طريقة عرفات، أو بحسب المصطلح المستخدم في العلوم السياسية، كقائد وراثي جديد (نيو- باتريمونيالي). فقد خلق وضعا حيث سيضطر الطامحون المتعددون للقيادة إلى التنافس بينما يبقى هو فوق الشجار ومسيطرا تماما على الأمور.
لكن، يمكن أن تكون المظاهر مضللة. وقد أظهرت قضية تقرير غولدستون– التي شجب فيها الفلسطينيون عباس على نطاق واسع– أن الأخير هو قائد ضعيف نسبيا. فهو يفتقر إلى الكاريزما والقاعدة الجماهيرية، ولا يستطيع التصرف بالأموال الخارجية الضرورية لممارسة السيطرة كما كان عرفات يفعل من قبل. عندما اتضح أن زمن عباس بدأ ينتهي، انطلقت المنافسة على منصب الخليفة الحقيقي لعرفات. ولسخرية القدر، فان الشخصين اللذين نالا العدد الأكبر من الأصوات في مؤتمر بيت لحم ليسا المنافسين الحقيقيين. فقد حصل القيادي المتقدم في السن، أبو ماهر غنيم (يعيش في الخارج) على 1368 صوتا، وحصل محافظ نابلس السابق محمود العلول على 1102 صوت. حتى مروان البرغوثي، الناشط الفتحاوي الذي حل في المرتبة الثالثة (1063 صوتا)، والذي يتقدم باستمرار على القياديين الآخرين في استطلاعات الرأي العام، فهو في وضع غير مؤات إلى حد كبير داخل التنظيم. إذ أن عدم تمكن أي من أنصاره من الفوز بمقاعد في المجلس المركزي– مقابل وصول العديد من خصومه إلى المجلس– يشير إلى أن من هم داخل فتح يكتفون بدعم الإفراج عنه في العلن بينما يتفقون في السر مع إسرائيل على إبقائه خلف القضبان.
 
دحلان مرشح واشنطن
يأتي على رأس قائمة المنافسين الفعليين محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة. وعلى الرغم من أن هذا الأخير احتل المرتبة العاشرة في السباق إلى المجلس المركزي (853 صوتا)، إلا أنه اعتب.ر الفائز الكبير في مؤتمر بيت لحم لأنه أعاد تأهيل نفسه داخل فتح بعد فشله في إطاحة حكومة حماس المنتخبة في غزة في 2006/2007. وقد اعتبر مراقبون عودته مذهلة، وفوجئوا بفرضه وجوده خلال المؤتمر. وقد كان دحلان من الأوائل الذين وجهوا انتقادات لاذعة إلى الطريقة التي تعاطى بها عباس مع تقرير غولدستون.
ويعتبر الفلسطينيون دحلان- سواء كان ذلك دقيقا أم لا- مرشح واشنطن الأساسي داخل فتح، نظرا إلى الروابط التي طورها مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. أي) منذ تسعينات القرن الماضي. صحيح أن دحلان لم يعد يتول منصبا رسميا في أي من الأجهزة الأمنية، لكن يبدو أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور ويعمل من خلف الكواليس، ويشغل على ما يبدو مكتبا مستقلا في وزارته السابقة (الشؤون المدنية) في رام الله. العائق الرئيسي الذي يواجهه دحلان كمرشح محتمل للرئاسة هو عدم شعبيته خارج فتح، لاسيما في الضفة الغربية، حيث لا تتجاوز نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي 2%.
 
جبريل من دون شعبية
المنافس الآخر هو جبريل رجوب، نظير دحلان في الضفة الغربية في منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي، وتجمعه أيضا روابط وثيقة مع «السي. آي. أي».
وعلى غرار دحلان، لم يعد رجوب يشغل منصبا رسميا في المجال الأمني، وهو يتمتع ببعض الدعم في الضفة الغربية، لاسيما في مسقط رأسه في الخليل. وقد تمكن من زيادة شعبيته في مختلف أنحاء الضفة خلال الأعوام الأخيرة بعد توليه رئاسة اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. كما حصل على مجموع أصوات أعلى من ذاك الذي حصل عليه دحلان في مؤتمر بيت لحم (908 أصوات)، لكن نسب التأييد له في الرأي العام ليست أفضل من نسب دحلان.
توفيق الطيراوي، الرئيس السابق للمخابرات العامة في الضفة الغربية، حل مباشرة بعد رجوب (903 أصوات). وعلى الرغم من أن الطيراوي لم يعد يشغل منصبا رسميا، إلا أنه يبدو أنه لا يزال يؤدي دورا مهما في تقديم المشورة إلى عباس. بيد أنه أقل شعبية لدى الرأي العام من دحلان ورجوب، وتعترض عليه إسرائيل وحماس بشدة.
آخر طامح للقيادة في القطاع الأمني هو حسين الشيخ، خصم البرغوثي، وقد حل في المرتبة الثالثة عشرة مع 726 صوتا. وفي حين يرى المراقبون أنه الوريث المسجون لعباس، يواجه البرغوثي في الواقع منافسة قوية من أربعة أشخاص على الأقل داخل فتح.
 
الفرصة لمسؤولي الامن
لكن، أيا كان الفائز في نهاية المطاف، فقد سلط مؤتمر بيت لحم الضوء على اتجاه مثير للإهتمام: الشخصيات الأمنية في فتح هي التي ستسيطر على مستقبل الحركة، وبالتالي على مستقبل السياسة الفلسطينية. ولا يملك سياسيون- دبلوماسيون ماهرون على غرار ناصر القدوة (وزير الخارجية السابق، ومندوب منظمة التحرير لدى الأمم المتحدة، وابن شقيقة عرفات)، وكبير المفاوضين صائب عريقات، ورئيس الوزراء السابق أحمد قريع– ناهيك عن تكنوقراطيين أكفياء من خارج فتح، مثل رئيس الوزراء سلام فياض– فرصة كبيرة بالمقارنة مع من يسيطرون على القوى الأمنية التابعة لفتح. حتى القادة الكاريزميون على غرار مروان البرغوثي الذي يملك قاعدة جماهيرية كبيرة لكنه عاجز عن التحرك بحرية في الوقت الحالي، لا يستطيعون المنافسة. وسوف تعمد حركة فتح إلى استعمال أسمائهم من دون منحهم دورا في عملية صنع القرارات.
 
خليفة عرفات الحقيقي
الاتجاه المهم الآخر هو سيطرة التأثير الأميركي على السياسة الفلسطينية، سواء في السلطة أم داخل فتح. ويمارس هذا التأثير في شكل أساسي من خلال القطاع الأمني، حيث، وخلافا لما هو عليه الحال في باقي القطاعات، لم يطبق فياض الشفافية ويفرض السيطرة المدنية على الأموال التي تحصل عليها السلطة.
وعلى العكس، لا تزال دفعات نقدية كبيرة ترسل إلى الأجهزة الأمنية الأساسية (الأمن الوقائي والأمن العام). ولا يقوض هذا الواقع دور القيادة المدنية وحسب، إنما أيضا أي فرصة للتحول الديموقراطي. ويدعم بدلا من ذلك استمرار المنظومة الوراثية الجديدة داخل فتح والسلطة، وهي منظومة أكثر اعتمادا على الريع السياسي المدفوع من الخارج مما كانت عليه في زمن عرفات.
لذلك، فان القيادي الأمني الفتحاوي الذي يتمتع بامتيازات خاصة في الوصول إلى الولايات المتحدة ويتحلى بالمهارات السياسية لممارسة اللعبة الوراثية الجديدة هو الذي يملك الفرصة الأفضل ليصبح خليفة عرفات الحقيقي. والإحتمال الآخر هو ان يوائم القيادي الأمني الفتحاوي نفسه مع تكنوقراطيين قادرين مثل فياض (سياسي مستقل) لتعويض نقص الشعبية المحلية والدولية، ولرفع فرص نجاح محاولة قيادة السلطة الوطنية.
 
أستاذة علوم سياسية في جامعة بير زيت في فلسطين
عن كارنيغي
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد