إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قلعجي وسط مدارات الحياة، أوجاعها وأوضارها

3346 1375

علي الصراف

 لن ارتدي ثياب "الناقد" الأدبي. فمع إنصاف قلعجي لا ينفع "النقد".
أولا، لديها من الجرأة ما يكفي لكي تصفع النقد على وجهه، وتلقنه درسا في قبول المواجهة.
وثانيا، لانها تعرف أنها سوف تجد سبيلا لتترفع عليه بقدرتها على تحويل العالم الواقعي إلى فن من فنون الرسم باللغة؛ الرسم بالمعنى.
في هذه القفزة، تخطط إنصاف حدود مشهدها القصصي بألوانها الخاصة.
ولهذا السبب، ربما، اختارت أن تضع على الغلاف الأخير لمجموعتها القصصية الأخيرة: "ثرثرة في مدار السرطان"، نصا نبشته من القرن التاسع عشر لفيودوروفيتش أودويفسكي يقول: "أفّ من هؤلاء القصاصين! ليتهم يكتبون شيئا نافعا مريحا ممتعا، ولكنهم ينبشون كل ما في الأرض من أوضار! بودي لو أمنعهم من الكتابة! فأي شيء هذا: تقرأ وتجد نفسك تفكر دون أن تدري، وتتوارد على ذهنك كل ضروب التفاهات….".
وفي الواقع، فقد كانت هذه هي كل القضية بالضبط: أن تنبش كل ما في الأرض من أوضار، من أجل أن تجد نفسك تفكر دون أن تدري.
انصاف، تدري!
الكشف عن "أوضار الحياة"، والنفس البشرية، هي من أولى وظائف الأدب، هذا إذا كانت له أي "وظائف" أصلا. و"المتعة" الوحيدة التي يمكن اقتفاء أثرها فيه هي أن تكتشف وجوها في الحياة، هي وجوهك الأخرى، وعوالمَ لم تطأها قدماك ولكنك دائما ما كنت تقف، على حافتها، تنظرإلى ما يجري في وديانها ودروبها، قبل أن تنزلق في واحد من وجوهها تلك.
تتجول قلعجي في وجوه حياة مختلفة. و… "تثرثر"، من أجل أن تأخذك الى مدارات أبعد مما تجلب الإنطباعات الأولى.
أكانت، بالفعل، ثرثرة؟
إذا نظرت إلى ذلك الشعور الخفي بالانسحاق والمرارة التي لا تجلب الحياة غيرها، فإن الثرثرة هي محاولةٌ للتغلب. فنحن في النهاية ما نقول، أكثر بكثير مما نفعل. ولا يمكننا أن نقف على سدة ما يرتكبه الآخرون من جحيم، إلا بتعالي الثرثرة؛ بتعالي القدرة على تقديم وصف ثري، جميل، لأعمالهم القبيحة!
أما إذا نظرت إلى المدارات التي تدور فيها وجوه الحياة تلك، فلن تجد نفسك دائرا في الفراغ، بل في نوع من فلسفة الموقف المناهض لفلسفة العبث التي تدور دواليبها على أجسادنا.
ولم تُخفِ إنصاف شيئا. كانت تكشف عن نفسها في تلك المدارات؛ عن وجوه من حيوات كانت تحياها هي، بنفسها، أو تحياها مع آخرين، أو تتمثل نفسها بهم.
وهذا ما يفعله الأدب.
لا توجد هنا تمثلات متعالية لأديب أرستقراطي ينحت شخصيات ويعطيها أبعادا واقعية.
ما يحصل في هذه المجموعة هو العكس: الأبعاد الواقعية هي التي "تنحت" الشخصية. ولا "فن" في ما ينحته الواقع. فالكثير منه، بما يترك من آلام ومرارات، لا يترك النفس إلا معذبة ومقهورة وضائعة. وليس في ذلك أي فن. إنه الحياة بعينها. أوضارها بالأحرى التي تتقلب علينا.
السؤال الذي شغلني (وعرفت فيما بعد أنه شغل غيري أيضا) هو لماذا لم تكتب إنصاف رواية، بدلا من مجموعة القصص تلك التي ظل رابطها البيئي واضحا؟
المسألة تتعلق بك أحيانا؛ بالطريقة التي تقرأ بها هذه المجموعة.
إنها رواية.
وجوه مختلفة لحياة واحدة؟ ربما. ولكن فقط إذا رأيت أننا نحن "الشخصيات" التي يكتبها راوي الحياة؛ خالقها؛ أقدارها ومرارتها.
وإنصاف تسخر كما لم يفعل كاتب آخر. تضع المرارة أمامك وتغرز فيها قلما أقرب إلى السكين.
ولكنها باسلة أيضا. التحدي هو ما يصنع هذه المرأة. (اخترت عبارتي جيدا).
لانها لا تتصنع، لم تُخفِ إنصاف أن مداراتها مدارات امرأة. الزوايا التي تنظر منها إلى العالم المحيط أنثوية بوضوح. ولكن كن على حذر. فأنت لن تجد نفسك أمام "أدب نسائي" بالمرة.
لا تسقط هذه الفكرة من عليائها، بكل ما ساقت من نقاشات قديمة، كما تسقط بين يدي إنصاف.
لا تدور المجموعة في مدار يقصد تقديم رؤية أنثوية للعالم.
القضية ليست ما يسحق المرأة. بل ما يسحق الجميع . المرأة هي التي تلبس تاج الشوك ، ربما، ولكنها لا تحمله لأنها امرأة. إنها ممر الشقاء الأول الذي "يحمل السلم بالعرض"؛ إنها الحياة بعينها، والعالم بأسره، (ومعظم الشخوص القصصية) ولكن من دون أن تكون "قضية".
وترسم قلعجي صورا. بعضها يبدو سورياليا ، ولكنه شديد الصلة بفوضى الحياة وفوضى الأحاسيس التي تتركها على "اللوحة".
للحظة ، بدا لي أنها ترسم كتابةً. تكتب الصورة في عينيها أولا. وهذا ما يجعل اللغة أعمق كثيرا من مدلول العبارة التي تقدم نفسها بها. والعبارة هي ما تأتي به الخلجة. لا شيء مصنوعا. واللغة لم تُقتف كهدف جمالي قائم بذاته. إنصاف توظف اللغة من أجل أن تقول بها ما لا يقال بغيرها.
وفي ظني، فهذا ما يصنع من الكاتب كاتبا.
أن تتقن صنعة اللغة خير من أن تجعل اللغة تتقنك، أو تتفنن فيك وعلى غيرك!
عندما تتصنع، تضيع، ويضيع المعنى (الأدبي، الجمالي) الذي من أجله تستخدم اللغة.
اللغة الرشيقة تصنع حكمتها من دون تكلف. المعنى الجميل أفضل مليون مرة من النص "الجميل". وجمال العبارة من جمال المعنى. لا العكس. هذا هو الفرق الذي لم يدركه آلاف الكتاب العرب، نقاد الأدب منهم خاصة.
أمنيتي أن لا يكتب النقاد عن إنصاف قلعجي.
ثمة ثراء طبيعي ينبغي أن لا يتعرض لـ"التحليل" اللغوي او "اللخبصة" النصوصية التي تشكل الشاغل الأكثر إزعاجا للمشاغل النقدية العربية. سيكون الأمر ثرثرة حقيقية، لا تليق بالثرثرة على مدار السرطان.
ثمة امرأة تطوف بأوجاعنا، حاملة مرارات الحياة التي تدمي أصابعها.
وثمة أدب، يقلب أوضار الحياة على رؤوسنا، ليجعلنا (الله لا يعطيها) "نفكر دون أن ندري".
إنصاف قلعجي، كتبت وجها مما نراه ، ليمر وكأننا لم نقرأ القصة!
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد