إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هل باتت أسرائيل موضوعا مقلقا عربيا وأسلاميا

1 738029 1 23

دكتور ناجى صادق شراب

عندما نطرح تساؤل مقالة اليوم ، ينبغى ان نتسائل فى الوقت ذاته وهل ما زالت القضية الفلسطينية تشكل أولوية فى ألأجندات السياسية للدول العربية وألأسلامية .لقد أعتدنا لعقود طويلةأن نؤكد أن أسرائيل هى الخطر الذى يتهدد ألأمن القومى العربى ، وأن القضية الفلسطينية هى قضية كل العرب والمسلمين جميعا ، لكن يبدو أن هذه المقولة لم تعد قائمه فى الوقت الحاضر ، ونلاحظ تراجعا واضحا فى المفاهيم وألأولويات السياسية سواء على مستوى النظام ألأقليمى العربى وألأسلامى ، وأن مظاهر هذا التراجع واضحة فى سياسات الدول العربية وألأسلامية ، وهنا وقبل الحديث عن هذه المظاهر وألأرهاصات التى تؤكد ان أسرائيل لم تعد تقلق الدول العربية وختى ألأسلامية ، وانها لم تعد تشكل المصدر ألأساس لتهديد أمنها القومى والوطنى ، أن نؤكد على حقيقة أساسية وهى تراجع كل احتمالات حرب أسرائيلية شامله ، وخصوصا بعد خروج مصر من هذه المعادلة ، بمعاهدة السلام الموقعة مع أسرائيل ، بإعتبارها أكبر دولة عربية عسكريا ، ولا يمكن تصور حرب بدونها ، ومما يؤكد على مصداقية هذه المقولة ايضا ان ألأرد و هى الدولة العربية الثانية التى لها علاقات ديبلوماسية مع أسرائيل وصاحبة اطول حدود مع فلسطين ، وتشكل بموقعها أيضا أقليما حاجزا بين اسرائيل وبقية الدول العربية فى الجناح ألأسيوى . وبالتالى هاتان الدولتان هما اللتان تحددان خيار الحرب من عدمه . ومن بعد حرب 1974 كحرب عربية أسرائيلية لم تقم اى حرب ، بهذا المعنى ، حتى سوريا وهى الدولة العربية الوحيده التى مازالت أرضها محتله منذ 1967 لم تلجأ لهذا الخيار العسكرى بل تبحث عن خيار التفاوض . ولم يتوقف ألأمر عند هذا الحد بل أن مفهوم الدولة القطرية والذى قويت جذوره مع حرب العراق على الكويت ، والتى قد شكلت ضربة قاصمة لمفهوم ألأمن القومى العربى ، ومصادر تهديده ، فتلك الحرب أوجدت حقيقة مقلوبة ان التهديد قد يكون عربيا ، وليس أسرائيليا. والتى على أثرها تراجعت بشكل واضح القضية الفلسطينية من أولويات سياسات الدول العربية ،ولا شك كان للموقف الذى أتخذته منظمة التحرير الفلسطينية وقتها ، والذى فسر بالوقوف مع العراق ، كانت له تداعيات كبيرة فى الأنسلاخ التدريجى من مسؤولية القضية الفلسطينية ، ومن تداعيات هذا الحرب أيضا الدخول فى عملية سلام ومفاوضات ما زالت قائمه لتنتهى بإعتراف فلسطينى بإسرائيل ، وقيام السلطة الفلسطينية على جزء من ألأرض الفلسطينية ، ليعنى أولا تحمل الفلسطينيون مسؤولية قضيتهم بشكل مباشر ، وثانيا التأكيد على الخيار السلمى والتفاوضى كخيار أحادى لتسوية الصراع العربى ألأسرائيلى . ومما زاد ألأمور تعقيدا وسوءا ، فشل خيار الدولة القطرية وتحولها النى نماذج من الدول الفاشلة والضعيفة ،وتراجع واضح على مستوى النظام ألأقليمى العربى ، الذى تغلغلت فى شرايينه تدخلات القوى ألأقليمية المجاورة ، فالتدخل ألأيرانى وتغلغله ومد النفوذ الشيعى واضحا إما بشكل مباشر أو من خلا ل عدد من الحركات ألأسلامية كحزب الله أو حركة حماس ، والتدخل التركى فى العراق وفى الشأن الفلسطينى ، وحتى فى رعاية تركيا للمفاوضات السورية ألأسرائيلية على الرغم من العلاقات ألأستراتيجية بين تركيا وأسرائيل ، وصارت تركيا الدولة ألأكثر قبولا وأنغماسا فى النظام العربى ، ولا ننسى التدخل ألأثيوبى فى الصومال، أما التخل ألأسرائيلى لا يحتاج الى تأكيد فمظاهره متعدده ومتنوعة سواء على صعيد العلاقات الأقتصادية أو التجارية ،أو فى صور الزيارات التى يقوم بها العديد من المسؤوليين ألأسرائيليين العلنية منها أو السرية . أضف الى ذلك أعتراف كل الدول العربية بإسرائيل أعترافا ضمنيا كدولة ، ولا توجد دولة عربية تفكر بإنهائها بإستثناء أيران . ، ناهيك عن التدخل الدولى الواضح على كافة مستوياته السياسية وألأقتصادية ، وألعسكرية وألأمنية ، وهو ما يعنى ان الدول العربية على المستوى القطرى أو ألأقليمى تتعرض لتأثير المؤثرات الخارجية وهى أكبر من قدرة هذه الدول على أمتصاص وأحتواء تأثيراتها المناقضة للمصلحة العربية . ولقد تحولت المنطقة العربية الى منطقة مشكلات ، ومنطقة تدخلات خارجية ، ومنطقة صراع بين القوى ألأقليمية الطامحة كإيران وتركيا ، والولايات المتحده ألأمريكية ، ومنطقة تنامى للأتجاهات المتشددة ، ولعل ألأخطر من ذلك أعتبار المنطقة منطقة تفريخ للإرهاب والعنف دون ان يكون لهذه الدول دورا مباشرا فى هذه التحولات السياسية التى تتهدد الخريطة السياسية للمنطقة ، فأى أتفاق أيرانى أمريكى محتمل سيكون بلا شك على حسا ب الدول العربية والقضية الفلسطينية ، ولحساب أسرائيل . فالمنطقة وهذا مؤكد فى العديد من التقارير ألأسرائيلية والغربية أن المنطقة يخطط لأعادة رسم خريطتها السياسية بما يسمح ببروز دول وكيانات سياسية جديده وبما يسمح بتصفية القضية الفلسطينية وتذويبها فى كيانات أقليمية أوسع ، وبتعميق حالة ألأنقسام الفلسطينية . والذى حول القضية الفلسطينية ألى قضية أنسانية اكثر منها قضية سياسية و مظاهر ألأنسانية وأضحة فى قوافل المساعدات على أهميتها وقت الحصار .
أعود ثانية ألى فشل الدولة القطرية العربية ، وأنغماس كل منها فى مشكلاته التى لا تدع مجالا للتفكير فى أسرائيل أو القضية الفلسطينية ، فهذه الدول العربية تتعرض لتحديات كثيرة ومعقده تهدد مستقبلها السياسى كله ، فهناك المشاكل الأقتصادية والأزمة المالية العالمية التى قد ألتهمت كل ألأموال العربية ، والمشاكل السياسية المتعلقة بمشاكل الحكم وتداول السلطة ، وضعف الديموقراطية ودور المواطن ، وضعف معارضته السياسية ، وتنامى النزعة ألأستبدادية التسلطية ، وتنامى دور الحركات ألأسلامية ومحاولتها ملء الفراغ الذى تعجز أنظمة الحكم على الوصول أليه مجتمعيا . واليوم تواجه معظم الدول العربية مشاكل خطيرة تهدد أمنها الداخلى : اليمن وحركة الحوثيين ومحاولة أنفصال الجنوب ، والسودان ومشاكله فى الجنوب ودارفور ، ورئيسه مطلوب أعتقاله دوليا ، والنزعات التوسعية ألأيرانية فى تمسكها بجزر ألأمارات الثلاث طنب الصغرى والكبرى وأبوموسى والتى تحتلها منذ بداية السبعينات من القرن الماضى وتمسكها بالبحرين كمحافظة أيرانية ، حتى بعض الدول العربية المستقرة مهدده ومعرضة لمثل هذه المحاولات ألأنفصالية كالسعودية العربية مثلا ، ناهيك عن مشاكل الحكم ومستقبله . والعراق نموذجا واضحا لمحاولات تفكيك الدول العربية الى دويلات اخرى مستقله ، كدولة كردية أصبحت قائمه على ألأرض ، وعلاقاتها بإسرائيل لا تخفى على أحد . أما فلسطين نفسها فاصحاب القضية الفلسطينية يتناحرون ويتنازعون على حكم ودولة قبل أن تقوم فى ظل ألأحتلال . والمغرب العربى لم ينجو من هذه المشكلات والخلافات : الجزائر والمغرب ، ومشكلة الصحراء ، ومحاولات ألأنفصال هناك واضحه . أما مشكلات ألقليت والطائفية فحدث ولا حرج وخطورتها فى أمتدادتها الدولية . هذه المشكلات والتحديات التى تواجهها الدولة العربية القطرية الضعيفة بآلياتها ومؤسساتها لم يعد يقلقها وجود أسرائايل من عدمه والتى على أستعداد للدخول معها فى علاقات قد يمنعها عنها بقاء قدر من الحياء السياسى والخوف من تمردات وتحركات شعبية . هذا فى الوقت الذى فيه أسرائيل تتمدد ، وتزداد قوة وتثبيتا لوجودها عبر سلسلة من التحالفات الدولية وتنمية قدراتها العسكرية ، وقد يكون من الضرورى التذكير هنا : هل سمعنا عن دولة عربية تصنع طائرات بدون طيار وتصدرها للخارج ، وهل سمعنا عن تقدم للجامعات العربية ومنافستها للجامعات ألأسرائيلية على جدول الجامعات العالمية ، وهل سمعنا عن دولة عربية تصدر السلاح لدول أخرى . هذه مجرد مقارنة سريعة ،تؤكد لنا أن القلق الذى بات يتهدد الدول العربية يأتى من داخلها ، وهكذا لم تعد هذه الدول تفكر فى حرب ، أو تفكر فى أسرائيل كدولة ، ولعل المبادرة العربية خير دليل على ذلك . وإذا باتت أسرائيل لم تعد موضوعا مقلقا للدول العربية وألأسلامية ، فالقضية الفلسطينية أيضا لم تعد قضية أولوية عربية وهذا ما ينبغى أن يدركه الفلسطينيون قبل فوات ألأوان .
دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد