رهان مع الشيطان 2 . م. زياد صيدم

0

انتصبت واقفة كشاهد لتاريخ ممتد عبر أزمان الماضي الغابر، إلى الحاضر بفجوره وعبثيته وضغائنه المتجسدة عبر هذا الغريب، برقصاته البهلوانية أمامها، بدوران وقفزات في الهواء يرتعب من هولها صناديد الرجال.. مما ولد في جسدها الهزيل طاقة، وقوة في قلبها غريبتين على التحدي فاقت توقعاته، مما زاد من فضوله لمعرفة واكتشاف ما جاءت تحمل إليه من أنباء وأحداث.. فلم تمهله كثيرا في الغرق في تحليلاته فبادرته القول:

– أيها الغريب، أنت شيطان، لن تكون آدمي تنتمي لجنس بني البشر.. عرفتك منذ وطأت أقدامك القرية، لنبرم رهانا إن كنت قادرا على رهان امرأة عجوز مثلى، جاءت تتحداك في عقر دارك!

 – ماذا ؟ أيتها الشمطاء الخرفة، كيف تنعتيني بالشيطان؟ وكيف تتحد رجل فرض احترامه ومهابته على الجميع؟ أيتها الوقحة .

– لا داعي للإنكار، والاختباء وراء كلمات لن تسعفك بعد الآن، لتقر بحقيقتك.. فقناعاتي ويقيني أنك تعلم باني املك الدليل على كونك لا تنتمي لنا كبشر، وإنما إلى عالم الشياطين من جنسك.. فهل كشفت ذيلك في مؤخرتك القذرة ؟ الذي تخفيه داخل طيات سروالك، وعن قرنيك أسفل قبعتك؟

استشاط غضبا، وراح يفرغ شحنات قهره بحركات دائرية متواصلة حول نفسه، تناغمت سرعتها في الدوران، حتى شكلت زوبعة أشبه بقمع مقلوب، قاعدته في علياء السماء، وبدايته تخرج من منتصف رأسه.

 تراجعت أم فاطمة إلى الخلف قليلا، مدت عكازها أمامها، تمسكه بقوة بيدها اليمنى، بينما أيسرها يقبض على منديلها الذي كاد أن يطير في الهواء.. تماسكت بصعوبة وهى تردد على مسمعه آيات مختارة من القران الكريم، وكثير من التعويذات التي أخذتها عن أمها الحاجة  فاطمة منذ عقود مضت، تلك الحاجة التي كانت مزارا للناس من جميع القرى والبلدات، لقدراتها الخارقة ومعجزاتها المباركة. فجأة، أخرجت من جيبها زجاجة ماء، لوحت بها أمام عينيه اللتان كانتا  تقدحان شررا مستطيرا، ما أن رآها حتى امتثل لرغبتها في التوقف وعدم المس بها ..وهنا كشف عن حقيقته فابرز ذيله، واظهر قرنيه بشكل سافر قائلا:

– ليكون اللعب بيننا على المكشوف أيتها الشمطاء بعد الآن .

– ليكن لديك علما، باني هنا من اجل عقد صفقة ورهان !

قهقه طويلا، بزئير ممتد زلزل الأرض، ورج الهواء، فتطايرت الطيور من على الأشجار فزعه، وتزاحمت الخراف من حول البيت  في جلبة وفزع واضطراب، وصهل حصان بالجوار، ونبحت الكلاب المرافقة لقطيع الأغنام،ثم صمت فجأة..و بنظرات حارقة وصوت الواثق أجابها:

– قولي رهانك أيتها الشمطاء، وأنا موافق عليه قبل سماعه؟ فقد تعودت النصر على بني ادم دوما، انه مسكين ضعيف، موسوس متوجس، بالرغم من امتلاكه عقل لم يمنحه الخالق لأحد من خلائقه، ومع ذلك يقف مستسلما أمام همساتي في أذنيه.. منقادا مسلوب الإرادة، ينصاع لغوايتي له صاغرا بلا تفكير أو منطق، وهو نفسه من اخترع المنطق! يقهقه من جديد.. بضحكات الغرور واليقين بالنصر المظفر، كانت ضحكات تشبه صهيل الخيل وزئير السباع، ثم تحولت إلى عواء كالذئاب الجائعة.. صمت فجأة .. رمقها بعينين كالجمر وقال: أسمعك أيتها الخرفة الشقية.. أفصحى عن رهانك أيتها الخاسرة.

– اعلم قدرتك الفائقة على زرع بذور الشر بين الناس، وتفريقك بين الزوج وزوجته، بين الأخ وأخيه، وانك أحلت القرية إلى ظلال وأشباح و ضغائن وأحقاد، لم تكتف ولم تقنع، بل ما زلت تنشرها  إلى باقي القرى والبلدات، لكن قدراتك محددة ؟ ذات طابع واحد هو الشر، و رهاني معك باختصار عكس هذا تماما ؟

– كيف؟ أوضح كلامك، واختصري حديثك معي، ولا تراوغي كثيرا فقد ضاق صدري، ويكاد صبري ينفذ، وحينها سأصب حمم لعناتي عليك إن لم تقنعيني بما جئت من اجله.

-اسمعن للنهاية ولا يضق صدرك، فمعي من القول ما يسرك !

– يسرني أيتها الشمطاء! يقهقه، ثم يصمت : أكملي، لن أقاطعك حتى تنتهي، وإياك أن تتلاعبي فلا تقنعينني.. فالويل والثبور.

– تعلم جيدا الشيخ حسان  تاجر الأقمشة، تعرفه جيدا وتشترى منه أفخم القماش.. وقد فشلت معه أنت في الإيقاع بينه وبين زوجته، وخابت قدراتك وانهزمت أمامه، ولذت بأذيال الخيبة والقهر، وحزنت كثيرا، وما زلت تتألم من فشلك الذريع.

– هذا صحيح أيتها الخرقاء، أكملي ..

– كيف تكرر صفة الخرقاء على مسامعي إذا! وأنا من أوقع الخلاف بينهما، وقد طلق زوجته وهى الآن في بيت أهلها، بعد عشرين سنة من زواجهما،كانا يعيشان بسعادة وهناء، وأولاد ونعيم، في عيشة رغده، يملؤها الحب والوئام، والعفة والشرف .

– اللعنة ..أأنت فعلتي هذا ؟ ونجحتى حيث فشلت أنا! ثم انفجر كالبركان يزمجر ويهذى بكلمات غير مفهومة، لكنه طرب لخبر طالما أرق منامه وما يزال.. وكم مرة حاول دون فائدة، ليعود إلى بيته في كل مرة يجر ذيل الخيبة والفشل، مقهورا ذليلا لكنه استدرك قائلا:

– ما الفرق بيني وبينك إذا أيتها الداهية؟ فلنعمل معا، فنحن على طريق واحده، وأهداف مشتركة، يقهقه عاليا من جديد، يزعج الطير والحيوان، يلوث الهواء برائحته الكريهة المنبعثة كلما ضحك.

– صحيح ما تقوله يا سيد الشياطين، فقد برهنت لك على قدراتي الشريرة، والتي عجزت أنت على فعلها.

 يحس بضعف أمامها، وانحسار ومحدودية لقدراته الخبيثة، وعدم تميزه أمام بني ادم. ابتسمت أم فاطمة  فقد استطاعت استفزازه، وقد نجحت في ضمان قبوله للرهان وتبعاته، نتيجة لشعوره بعدم التميز عن بني البشر.. فها هم يفعلون الشر وينجحون، حيث فشل هو بذاته وعظمته.

 

لقد اهتدت أم فاطمة، تلك المرأة الحكيمة المجربة والخبيرة، بذكائها وقدرتها على استفزاز الشيطان للرضوخ لرهانها عن قناعة، بل وعن زرع التحدي لها في عقله.. فهي تعلم بان شرط الرهان هو أصل التحدي ؟ وسبب مجيئها إليه بأقدامها، وهى تعلم أنها في حالة فشلها في إقناعه سيكون حتفها لا محالة، وستوقع نهايتها المحزنة بيدها.. فالخاسر من الرهان، سيترتب عليه أمور عظيمة، وعواقب فادحة على سكان القرى جميعهم، وعلى قريتها على وجه الخصوص، سواء بالنفع أو الضرر.

– اتفقنا إذا أيتها الداهية، ولكن ما هدفك من هذا؟ وماذا تريدين؟

– اعلم أنك ذكى وماكر، و أدركت لا شك بان ما وراء الرهان أمر محدد، انه شرط وحيد لا غير، يسرى علينا الاثنان معا على السواء.

– انطق رهانك أيتها الداهية الماكرة في الحال، والشرط الذي يتبعه وإلا…

– لا لا تستشط غضبا، إليك الرهان وشرطه: من يستطع الإصلاح والتوفيق بين الشيخ حسان وزوجته المصون، الشريفة بنقاء الشاش الأبيض، ويجعله يعيدها إلى ذمته، والى بيتها وأولادها يكون قد كسب الرهان.. وأما شرطه الوحيد: يتمثل في أن المهزوم يغادر فورا القرية، وعليه أن لا يسكن في أي قرية أخرى، ولا يجاور الناس، بل يذهب إلى الجبال حتى آخر عمره، يبقى وحيدا هناك حتى يموت.

صمت برهة.. ثم راح يطلق ضحكاته المتتالية المزلزلة والمغرورة، موافقا على الرهان وشرطه….

– يتبع –

 

إلى اللقاء.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.