إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تليفون من الرئيس !!

7669491238496071

دكتور ناجى صادق شراب

                      
فجأة دق تليفون البيت بشده مظهرا رقما غريبا لم أعتاد عليه ، وفى البدء ترددت فى الرد ولم أرد ، لكن هذه المرة عاد الرقم بإصرار يرن من جديد ، عندها أضطررت للرد ، وكانت المفاجأة ألأكبر من قدرة مواطن عادى على التحمل ، أنا الرئيس ، لم اصدق وأغلقت الهاتف بسرعة مرعوبا وخائفا وكاد الجهاز يسقط من يدى ، وتحول الجسد كله ألى حالة من ألأرتجاف ، وعاد الرنين مرة ثانية ، مهدئا من روعى ، ومؤكدا أنه الرئيس ، عندها هدأت قليلا ململما خوفى وتوترى ، وقلت بصوت خافت أهلا ياسيادة الرئيس . وسألت ثانية هل أنت الرئيس فعلا ، قال نعم ، وكيف أصدق ذلك ، عاد وأقسم لى أنه الرئيس  عندها همست بينى وبين نفسى  الرؤساء لا يقسمون ، صرخت بصوت عال  أذن هو الرئيس فتجمع من حولى كل أفراد ألأسرة ، وكانت زغرودة قويه أطلقتها زرجتى من فرحتها . وكان هذا الحوار، وقبل أن أبدأ طلبت ألأمان فيما اقول ، فكان لى ما طلبت .
الرئيس : هل توقعت هذه المكالمة ، ولماذا كل هذه الفرحة ؟
المواطن : الست الرئيس ، انه حلم ان يتصل بنا الرئيس، وكما تعلم ياسيادة الرئيس فى عالمنا العربى صعب أن تتحقق ألأحلام ، فكيف بتليفون من الرئيس .
الرئيس : ولماذا لا يتحقق ، ؟
 المواطن : لأن الحكام لدينا لا يشعرون أنهم مثلنا من البشر ، وهذه مشكلة الحكم لدينا .
الرئيس: هل انت راض عن حكمى ؟
المواطن : دون أجابة ، وحالة من السكوت والتلعثم والخوف ، قاطعها الرئيس بتأكيده على سؤاله .
الحقيقة صعب على أن أقول أننى راض ، لأننى وكمواطن عادى نعانى من مشاكل كثيرة ، ومن نقص كبير فى مستلزمات الحياة ، والظروف المعيشية تتسارع أكبر من قدراتنا المادية ، لدرجة لم نعد قادرين على التحكم حتى فى أولادنا ولجم عنفهم وتشددهم وتطرفهم . وأنا كمواطن عادى اقيس الرضا بمقياس الحياة المعيشية وتوفرها ، فماذا تنتظر من مواطن عادى . ليس من حقه أن يحلم بما هو أكثر من ذلك .
الرئيس : انا معنى بالسؤال ، وألأجابة تعنينيى كثيرا فى الحكم
المواطن : الحقيقة وبعين المواطن العادى المطحون فى توفير قوت أولاده ، الناس يتحدثون كثيرا ، والنقد وعدم الرضا قد لا يكون لشخصك كرئيس ، بقدر ما هو نقد لمن ينتفعون حولك ويبنون الثروات الضخمة ، ويعيشون فى قصور فى الوقت الذى نعيش فيه فى القبور وأعشاش الصفيح .
الرئيس ماذا تقصد بذلك ؟
المواطن : بلغة بسيطة وسلسه ، العدالة ياسيادة الرئيس ، السنا كلنا  مواطنون ، وأليست الدولة وثرواتها ملك لنا جميعا ، التكافؤ فى العدالة مهم للحكم على رضا الناس .
الرئيس : وهل يعقل تحقيق العدالة وتوزيع الثروة والناس فى بيوتهم ؟
المواطن : نعم ، لآ اقصد ذلك لكن القدر أو الحد ألأدنى من مقاييس الحياة مطلوب ، فلا يعقل خمس الناس يحتكرون أكثر من ثلثى الدخل القومى ،
الرئيس : جيد تتكلم بلغة الخبراء
المواطن ، لا ، أنا أسمع هذه العبارات فقط من الخبراء أنفسهم وصدقنى ياسيادة الرئيس  المواطن ثلنا يعيش على ألأحلام مثل أتصالك هذا ، تصور معى عندما نسمع أن هناك من يبنى قصرا بملايين الدولارات ، او ان ثمن شقة فقط تساوى الملايين مما يقال الدولار ألأمريكى ، والذى نسميه العملة الخضراء . هل يعقل ذلك
الرئيس :بس هذا من تعبهم وجدهم ، ومن جد وجد
المواطن: هل هذا يعقل، أن يكون انسان ثروة فى سنيين قليلة ، على أية حال يكفينا ان نعيش فى هذه القصور والشقق عبر المسلسلات والقنوات الفضائية ، وهذا ليس حسد . زادهم الله ثروة وغنى .
الرئيس ماذا تعنى لكم كلمة حكم وحاكم ورئيس ؟
المواطن : أنا لست خبيرا فى الحكم والسياسة ، ، ولكن هناك نظرتان للحكم ، نظرة الحاكم الذى يريد ان يحكم فقط وللأبد ، دون مساءلة ومحاسبة ، وكأن كل الناس رعايا عنده ، وكأن كل الدولة ومواردها ملك له ، والذى يعطي لنفسه حق الحكم دون غيره ، ونظرة المواطنيين العاديين ، الذين يرون فى الحكم مسؤولية وواجب مثل مسؤولية ألأب ، الرئيس  لدينا هو ألأب للجميع ومن  ثم عليه ان يوفر كل  أحتياجات أبنائه وافراد عائلته ، والمشكلة لنا ولا تقتصر على الحاكم فقط ، بل على كل من حوله ، أنهم وبمجرد ان يصلوا للحكم والسلطة يتجردون من أنسانيتهم وآدميتهم ، ويتصرفون وكأنهم من كوكب آخر . أو :انهم من جنس الملائكة .
الرئيس : فهمت ، آدمية وأنسانية الحكم ، وهذا مفهوم جيد أشكرك عليه و مخاطبة فطرة الناس التى ولدوا عليها ، فكلنا سواسية فى هذه الفطرة .
المواطن : أذا شعر الحاكم بشعور المحكوم ، وأذا حكم بمفهوم المحكوم ، تساوى عندها الحاكم مع المحكوم ، وهذا أعلى درجات مثالية اى حكم واى حاكم ، وعندها ليس مهما كم يحكم الحاكم ، وليس مهما أن يأتى بالأنتخاب أو حتى بالتعيين والوراثة . المهم صلاحية الحكم وقدرته وتلاصقه مع مواطنيه .
المواطن ثانية : سيادة الرئيس أنت شخص واحد ، ينظر اليك ملايين ألأعين التى تفتح عيونها عليك ،أما أنت على العكس تملك عينان صادقتان فقط تنظر من خلالهم لكل الناس ، ولا توجد أصدق من عيونك حتى من عيون من حولك ، وعليك ان ترى الناس بعيونك وليس  بعيون من حولك .
الرئيس : وكيف الحل من وجهة نظرك ؟
المواطن : بمزيد من ألأستماع الى من يعطونك حق الحكم ، ومن يشعرونك بأنك حاكم ، وليس فقط بمن يحكمون ويمارسون السلطة مثلك . وأقصد هذا ألأتصال الذى لم يكلفك كثيرا ، لكن مردوده فى الحكم والرضا كثير .
الرئيس : انت محق فى ذلك ، لكن الوقت لايسمح بذلك
المواطن : أعى ذلك تماما ، وأنا لآاقصد ان تجلس وتحادث الناس واحدا تلو ألأخر فأنت حاكم وعليك مسؤوليات جسام ، ولكن يكفى مثلا مواطن مثلى ، لأننا  كمواطنيين كلنا واحد وستسمع منا نفس الكلام ، عكس ألآخرين . الذين يتكلون بلغات مختلفه ، لأنها لغة المصلحة والتملق والنفاق .
الرئيس : أريد ان اسألك سؤالا شخصيا هل تحبنى كرئيس أو كشخص ؟
المواطن :ألأثنان معا ، نحن جميعا كمواطنين نحبك ، ونرى فيك القدوة والنموذج ، ولا شئ أسمه كره أو حقد ،ما  ننتقده السياسة ،وبعض ألأفعال ، وحقيقة نحن نقدر كل ما تقوم به من أنجازات ، لكن المشكلة طالما أنت رئيس وحاكم ، الناس لا تعرف ألا ماذ تقدم من جديد ، الناس تريد كل شئ ، وكان الله فى عونك ، مهما قدمت من أنجاز يبقى قليل فى أنتظار الجديد .
الرئيس :  كيف تتصور الرئيس ؟ وبأى صورة تريدونه ؟
الموطن : أسمح لى ياسيادة الرئيس أن أذكر هذا الموقف الذى سمعته من صديق زار لندن ، وهو أنه كان مقلا لأحدى الحافلات وإذا بموكب الملكة يمر ، وإذا بكل الناس يصرخون بصوت واحد : كويين ، وتساءلت لماذا ، فاجاب بإختصار ، لأن الملكة قدمت وتنازلت للشعب عن حكمها ، وأنت هنا يمكن ان تستفيد من هذا الدرس ، وليس المقصود التنازل بقدر المقصود التلاحم والتلاصق وعناق المحكومين ، وكانك تنازلت لهم عن الحكم .
الرئيس : أنت ورغم أنك مواطن عادى ترسى مفاهيم جديده فى الحكم ، كانت غائبه عنى .
المواطن : لن الحكم الصحيح ينبع من الحياة وليس من النظريات  
الرئيس : هل تقبل دعوتى لك بالغذاء ؟
المواطن : هذا شرف عظيم لى ، ولكن أخشى أن أعتاد على أصناف الطعام المقدمة .
الرئيس " أشعر احيانا كثيرة بالملل والسأم وألأحباط ، الست بشرا مثلكم ، رغم أن كل شئ متوفر ، أو كما يقال أطلب لبن العصفور يكون بين أيديك .
المواطن : هذا صحيح ، لأنك ترى نفس الوجوه من حولك ، وتسمع نفس الكلام ، وتعرف نفاق من حولك ، وتملقهم ، ولو حاولت البحث عن التغيير والصدق فى مواطنيك ستجده ، وأسمح لى أن أتساءل كيف هو شعورك كحاكم وأنت تتحدث معى كمواطن ، اكيد ستشعر بقدر من الراحة .
الرئيس :هذا صحيح يبدو ان دواء الحاكم فى مواطنيه .
المواطن : سيدى الرئيس ، قاطعنى بلاش كلمة سيدى ، لم أعرف أنك بكل هذا التواضع والود ، والكرم ، والحنان ، لقد لمست فيك أنسانا كبيرا ولو لمسه كل مواطن ستكون أسعد الحكام ، لأن هناك حاكم سعيد وحاكم غير سعيد . وأتمنى أن تكون من النموذج ألأول .
أنتهت المكالمة ، لأفيق من حلم طويل ، تمنيت أن يطول ولو قليلا، ولم أصدق نفسى ان الرئيس قد اتصل بى ، ويبقى هذا مجرد حلم فى حياة كل مواطن عادى ينتظر أن يتحقق .
دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد