إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قلوب دافئة

قلوب دافئة بقلم سهام البيايضة أوقف الخال عادل سيارته أمام البيت ثم ترجل مسرعا ليحتضن أخته التي أقلقته بهاتفها المستعجل!! عادل : ماذا هناك هيا تكلمي لقد أفزعتني ..هل حدث لوعد مكروه !! الأم: تفضل بالدخول ألان..ولا يوجد عندنا حدث يذكر- الحمدلله- .إنها وعد.. لقد أخبرتها بأنك ستزورنا ، وهي الآن تنتظرك بجانب الموقد وقد أعدت لك مجلسك هناك، وأحضرت كومة من الحطب لتشعلها لك في الموقد ..اذهب إليها وسأحضر لك قهوتك التي تحبها! أسرع الخال الى صالة المعيشة ، كانت وعد تضع قطعة الخشب داخل الموقد الحجري لتحتفظ بالسنة اللهب مشتعلة،تحاكي من بعيد، كاهنة معبد غارقة في بحر تأملات لا تعرف منتهاه. كم كانت فرحتها بخالها كبيرة ، ركضت إليه لتستقبله ولتمسك بيده وتجلسه باهتمام وفرح فوق المقعد المريح ، أمام السنة النار التي تتراقص كحورية جميلة القد، انتشت على صوت طقطقات الحطب المشتعل معلنة اقترابها من الجمر الأحمر، وسكون الدف في زاوية الغرفة الأنيقة. وعد مرحبةً بخالها: لقد أعددتُ كومة من الحطب ..سنشعلها ونحن نتحدث .. عل وجودك يحرق خوفي وقلقي..اعلم أن والدتي أخبرتك أنني لست على ما يرام؟ الخال عادل: نعم أخبرتني .. تعلمين أن والدتك شديدة الحساسية وتفهم بالباراسيكولوجي (علم التخاطر عن بعد) والحاسة السادسة عندها..تعمل كالاستشعار عن بعد ..!! ابتسمت وعد ابتسامة باهتة ، وانطلقت من خالها ضحكة مدوية ملأت أرجاء الغرفة بالفرح والبهجة. دخلت ام وعد على وقع سيرتها وهي تحمل إبريق القهوة ،مستبشرةً بحضور أخيها وأثره الايجابي الجميل على ابنتها الوحيدة : الحمد لله انك زرتنا حتى أرى الابتسامة من جديد في بيتنا..لا اعرف من أين جاء هذا البخل لابنة أختك!!..لتحرمنا من ابتساماتها وضحكاتها لحين زيارتك لنا!! وعد: أمي أنت دائمة القلق!..ردت الأم: نعم يا حبيبتي .. فهذا واجبي .!! توجهت الأم بالحديث الى أخيها : اسمح لي أن اذهب لبعض الأعمال المنزلية ..لن أغيب طويلا!! بنظرة واحده من خالها بدأت وعد الحديث مقتربةً من مقعده،لتجلس قرب الموقد وقد اتكأت على وسادة طرزتها بخيوط حريرية ملونة : خالي عادل..اشعر هذه الأيام أنني غير محبوبة..هناك من يكرهني بشده ..ولا اعلم السبب !! ناولت وعد هاتفها الخلوي الى خالها : انظر الى هذه الرسائل ..إنها مؤذيه جدا ..فيها كلاما يغضب وجه الله..لا اعرف من أين تأتيني فالرقم غير ظاهر..ولا اعرف أحدا لديه هاتف برقم مخفي..كل الذين اعرفهم، املك أرقامهم وأسماءهم وحتى عناوينهم الالكترونية ولا أتوقع أن احد منهم يحمل لي هذه البغضاء وهذا الحقد !! الخال عادل وهو يتابع الرسائل واحدة تلو الأخرى: يا الله..ما هذا ؟.. بعض الناس، هذه الأيام أصبح بشعا..انه بحق شرير..لقد فصل حياتك تفصيلا ..ولم يتوان عن إقلاق أرواح الإحياء والأموات بغير ضمير ولا رقيب..كم هذا بشع والله!! نظر الخال عادل الى ابنة أخته، فوجدها تغرق بدموعها وقد اختنقت أنفاسها من شدة التأثر: حتى والدي رحمه الله وصلته الشتيمة في قبره !! الخال عادل: جميع الرسائل الموجودة من شخص واحد..يعرفك تماما ويعرف العائلة ويعرف من أنت وبكل التفاصيل..لهذا تجدين انه يتحدث عن أشياء خاصة في حياتك وتتعلق بأسرتنا..انه احد الأقرباء والمقربين بدون شك!! وعد وهي تحاول أن تجمع شتات تفكيرها: لماذا هذا الكره وهذا البغض؟؟أنا لم افعل شيئا في حياتي حتى يغضب مني احد لهذه الدرجة..لا اذكر أني أسأت لأحد ..ولا حتى التفكير بسوء لأحد .. أنا اهتم بشؤوني وبعملي..ولا استطيع أن اعرف من هو هذا العدو اللدود.. ولا أجد لكرهه حل أو نهاية لأنني لا اعرفه ..لا بد أنني أشكل له مشكلة كبيره وأنا لا ادري.. لا بد أنني احتل كل تفكيره !! الخال عادل: طبعا .. عزيزتي!!..هؤلاء الناس، لا يملكون شيئا مهماً في حياتهم لينشغلوا به. شغلهم الشاغل الآخرين، وهم في الغالب من الفاشلين والمنبوذين في حياتهم.. واراهن لك بمليون دينار، لو عرفته ستشفقين عليه “..ضحكت وعد من طريقة إقناعه لها، فهو لا يبخل عليها بشيء من اجل أن يرى الابتسامة على وجهها..ثم استمر شارحاً: معظمهم يعانون من الفراغ العاطفي والإنساني.. يجب أن لا تهتمي أبدا لهذا الموضوع، وتغيير رقم الهاتف لا يعطي فائدة..أنت إنسانه ناجحة في عملك وفي حياتك ومن السهولة الحصول على رقمك أو الوصول إليك..عكس ذلك الخفاش المختفي خلف الرسائل بجبن! ..يجب أن لا تهتمي ابدا وان تستمري بحياتك ..وان لا تعيري الموضوع أي اهتمام..طالما لا يجرؤ على المواجهة الحقيقية ..فمعظمهم جبناء وفيهم خسة! وعد وقد هدأت قليلا : ولكن يا خال.. كيف تستطيع مواجهة الحقد والكراهية ؟ نهض الخال عادل من مكانه ليضع قطعة خشب كبيرة فوق الجمر الأحمر لتعود السنة النار لتتراقص من جديد…ثم عاد لمقعدة : ” افترضي أنك ستسافرين إلى مكان بعيد وليس بإمكانك حمل إلا حقيبتك الشخصية الصغيرة.. الحقيبة لا تتسع إلا لعدد قليل من الأشياء الضرورية، لذلك عليك استبعاد كل الأشياء الغير مفيدة والغير ثمينة والغير جميلة، صح؟ وعد بكل اهتمام : صح!!..أكمل خالها: ستكونين حريصة على اصطحاب الأشياء المهمة والجميلة _كما اتفقنا _ والقلب أو الفؤاد يا عزيزتي.. هو أشبه بحقيبة صغيرة لسفرة طويلة هي سفرة الحياة..فلماذا أصطحب معي أشياء الآخرين الوسخة؟ وعد في حيرتها من جديد: ولكن يا خال..ماذا ستفعل إذا ما ظهر لك أثناء سفرك وفي اماكن متعددة؟ قال خالها ضاحكاَ: سأضربهم !! ضحكت وعد مستغربة كلام خالها الذي اعتادت حنانه ورأفته بالناس وتعامله اللطيف: هل حقا ستضربهم إذا واجهتهم؟؟ الخال عادل يداعب استهجانها : أنت لم تشاهدي قوة قبضتي؟.. ،وقد ضم قبضتيه أمامها محاولا أن يقلد لاعبي الملاكمة بخفة دمه ودماثة خلقه !! لكنه تدارك الموقف قائلا: فقط سأحاول تجنبهم واتقاء شرورهم فهم لن يتوقفواُ عن كرههم حتى لو ضربوا بالسياط.. فهذا حقد وحسد لا يستطيعون التوقف عنه..انه طبع لا يزول .طالما أنا أتقدم عليهم بنجاحي وانجازاتي.. ولولا ذلك ما طاردوني..وتصيدوني في كل الأماكن والأحوال!!…لكن لن أتوقف عندهم..سأمضي لأواصل الطريق! وعد وقد اعتصرها الحزن: كم هو صعب أن تشعر أن هناك من يكرهك وبدون سبب.. انه شعور مختلط بالحزن والشفقة. لم أتعود مثل هذا الشعور ولا استطيع مقاومته!! الخال عادل وقد ظهرت عليه علامات الحزم والإصرار: لو قررنا أن نتوقف في كل محطة فيها مثل هؤلاء لما سرنا ولما واصلنا.. دعيهم خلفك يلهثون ويقذفون الحجارة….سينال منهم التعب بينما أنت تستمرين في المسير للأمام!! وعد مستسلمة لنصيحة خالها: إنه شعور صعب ومتعب لم اعتد عليه! أجابها : هذا صحيح…كل الناس تعاني من هذا الشعور..وأنا منهم..لكن لا أنسى أن المحبين هم أكثر من الكارهين..ولا أنسى صفات المجتمعات العربية وضغائنها التي ظلت سببا من أسباب تخلف هذه المجتمعات…أي أنني أنظر بموضوعية للظاهرة! وعد وقد عادت لذاتها الجميلة في ظل قلب خالها الدافئ : صحيح أن فاقد الشيء لا يعطيه ..وفي المقابل الجميل يرى كل شيء جميلاً..الآن بدأت احزن على هذه الفئة من الناس..يريدون للغير أن يكونوا بمثل فشلهم ونظرتهم السوداوية للحياة وهذا مخالف للدين والأخلاق..أنا لا أتخيل ابدآ أنهم عاشوا لحظة فرح أو سعادة.. ولا أظن من حولهم إلا تعساء، إذا لم يكونُ غارقين في مستنقع من سوء الطبع والحال!! وقف الخال عادل ضاحكا.. وقد اخذ وضعية لاعب الملاكمة واخذ يدفع بقبضتيه في الهواء وهو يقفز حولها محاولا أن يلكمها.. راداً قبضته قبل أن تصل إليها..وقد انطلقت ضحكاتهما التي سمعتها ام وعد في الغرفة المجاورة ..رافعةً يديها بالدعاء لأخيها جابر الخاطر ولكل القلوب الدافئة ،ناشرين الفرح والكلمة الطيبة: اللهم اجبر خاطر كل من جبر خاطرنا..اللهم أنت كفيلنا بمن أساء إلينا..آآميين!!

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد