إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ميثاق التعايش الطائفي .. بقلم د. عائض القرني

3aed(2)

 
أقترح على مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، أن يصوغ (ميثاق التعايش الطائفي) لتعيش طوائف الإسلام بسلام، وتخرج من نفق الفرقة والسب والشتم، وتنهي ملف التحرش والاستعداء والكراهية. وهذا الميثاق ينص على منع التعرض للرموز الدينية بالسب والشتم، بداية من أصحاب الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، ونهايةً برموز السنة والشيعة وغيرهم من الطوائف المعاصرة. وبذلك نكون أنجزنا مشروعاً مباركاً يقضي على الفتنة في مهدها ويطفئ نار العداوة قبل اشتعالها.
 
 
 وميثاق التعايش الطائفي وثيقة ينشرها الإعلام والدعاة والخطباء والمفكرون والكتّاب بكل وسيلة، ليفهمها مثيرو الشغب وعشاق الإثارة الذين لا يفكرون في العواقب، آن لطوائف الإسلام أن تعلم أن السب والشتم والقذف، نفق مظلم، وعقبة كأداء، ولن نصل بهذا الأسلوب إلى نتيجة مرضية، أو دواء شافٍ لخلافنا وتفرقنا. وهذا الميثاق لا يعارض بيان الحق وعرض الأدلة، فتقديم المنهج الصحيح ليس معناه سب المخالف ولعنه وتجريمه وتجريحه، ففي القرآن والسنة بيان للحق، وتوضيح للمنهج السليم، ودعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والذين يسبون الرموز يشغلون أنفسهم عن رسالتهم، ويدخلون المجتمع في دوامة من اللغط والضوضاء والقيل والقال، ويبدأ الأتباع من كل طائفة بالانتصار لرموزهم، فيتعطل مشروع الخير والإصلاح والعلم والعمل، وتتحول الأمة إلى أحزاب وفرق متعصبة متشنجة متناحرة متقاتلة!!
 
 
 لماذا لا نستفيد من أغلاط من سبقنا في القرون السابقة يوم اقتتلت الطوائف واختلفت وتفرقت، فذهبت قوة الإسلام، وهيبة الأمة، وضاعت مواهبها، واستولى عليها عدوها من التتار والصليبيين، إن السفهاء من كل طائفة يعجبهم الصوت العالي بلا حجة، والكلمة الفظة الغليظة بلا برهان، والتصرف الأهوج بلا حكمة، فهم حطب لنار تلظى من الفتنة والعداوة والكراهة.
 
 
 تصالحت أمم الأرض على مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة، إلا أمة الإسلام، فكل فريق يرى أن معنى إثبات وجوده إلغاء للآخر، وأنه لا يمكن أن يعيش بلا معارك مفتعلة، هل رأيتم ضالاً اهتدى باللعن والتجريح والتشهير؟ هل سمعتم أن مخالفاً اقتنع بالتهديد والتنديد والوعيد؟
 
 
ماذا لو دخل موسى -عليه السلام- فقال لفرعون الطاغية: يا كافر يا فاجر يا لعين قل: لا إله إلا الله، سوف يُقتل موسى في الحال وتنتهي رسالته، ولكن الله قال لموسى وهارون: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).
 
 
 ثم إن هذه الرموز من كل طائفة وراءها ألوف بل ملايين من الأتباع، لا يرون إلا ما ترى هذه الرموز، فهل من العقل أن نأتي إلى رمز مهما اختلفنا معه فنحقّره ونهجم عليه بحجة انتصارنا لمنهجنا، ونعد ذلك بطولة وشجاعة؟ إن ميثاق التعايش الطائفي لابد أن يصوغه علماء ومفكرون ورموز من كل الطوائف، يُنهي حالة الاحتقان والبغضاء، وتبدأ معه مرحلة الحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن واللين والرفق، حينها سوف يبقى كلٌ في داره إن لم يؤمن بفكرة غيره فلا أقل من أن يكف شره ويسلم من شر سواه، وبهذا نلتفت إلى القضايا الكبرى التي أُمرنا بالقيام بها من تجميل صورة الإسلام للعالم ودعوة البشرية للإيمان، وتصحيح العقيدة، وإصلاح الأخلاق، وعمارة الأرض، وإرساء العدل، وحفظ حقوق الإنسان، وتشجيع المواهب، وإطلاق القدرات في الإنتاج والإبداع، والخروج من زنزانة التّخلف والتبعية والتعصب والتقليد. وينص ميثاق التعايش الطائفي على مناقشة الخلاف بين الطوائف في دوائر مغلقة بين العلماء وحملة الفكر، بعيداً عن العامة والغوغاء، وتُعقد لقاءات للتباحث والتشاور بين رموز هذه الطوائف تحت مظلة التفاهم والحوار وسماع الحجة وطلب الإنصاف والبحث عن الحقيقة، ولسنا مكلفين ولا غيرنا بجر المخالف بسلاسل الحديد ولا ضربه بالسوط ليعلن موافقته لنا، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) .
 
 
 
د. عائض القرني
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد