رهان مع الشيطان 3 . م. زياد صيدم

0

وافقها الشيطان على ما جاءت ساعية من اجله.. على أن يلتقيا  في نهاية الشهر في نفس هذا المكان.. ضمت إلى صدرها اتفاقية الرهان بينهما، الممهورة بقسم لا يستطيع معه الفكاك أو الانسحاب لاحقا.. كانت الغبطة تملأ قلبها عندما عادت أم فاطمة أدراجها، تطوى بأقدامها طرقات زراعية ممتدة ومتلوية بين الحقول كثعبان الأساطير، حتى اختفى بين الأشجار بيته،عندها ضحكت مع نفسها مزهوة بأولى خطوات النصر.. فطالما كتمت ضحكاتها أمامه، بينما كان يقهقه  في كل وقت، دون أن يستطيع استفزازها بقهقهاته المتتالية، استهزاء وغرورا…

 

مع إشراقة خيوط الشمس الأولى، كان الغريب بهيبته المعهودة، وشخصيته النافذة بين عقول مغيبه  تائهة من أهل القرية، قد وصل قاصدا ديوان المختار، مطالبا إياه بعقد اجتماع عاجل مع أعيان وكبار رجالات القرية، فكان له ما أراد.. فكلماته دوما مستجابة ومسموعة، لا يرد له طلبا أو أمنية حتى تلبى له في الحال.. وهذا ما دعاه إلى قبول الرهان وشرطه، مستخفا بأم فاطمة وسذاجتها !.

عندما انفض الجميع بعد استماعهم للراوي، بقيت مجموعة المدعوين المختارة، والمنتقاة بعناية ممن كانوا أصحاب الشيخ حسان أو من اللذين تربطهم به مصالح تجارية، اتجهوا جميعا إلى مضافة المختار الخاصة، للاستماع إلى دعوة الغريب العاجلة، وما أرادهم من اجله، استهل حديثه  قائلا:

 

– أيها الجمع الكريم، أعيان القرية الكرام، هدفنا كما تعلمون هو الخير والإصلاح أولا وأخيرا في هذه الدنيا الفانية ! ثم أردف: بصحبة المختار، سنتوجه غدا بعد صلاة العصر إلى منزل حبيبنا الشيخ حسان، فقد بلغنا انه طرد زوجته بلا أسباب معروفة، وأهمل تجارته، واقفل دكانه، حيث يقبع الآن مريضا في بيته.. سأسبقكم إلى هناك، حيث سأكون منتظركم جوار النخلة الواقعة قرب بيت الشيخ، فعندي مصلحة خاصة لابد من قضائها بشكل عاجل،لهذا لن أتمكن من أداء الصلاة معكم .. كان يحاول الالتفاف بان لا يصطحبوه للمسجد معهم! فحتى الآن لم يتساءل احد ، لماذا لم يروه ساجدا في يوم من الأيام؟ لكن بصائرهم المغيبة، لم تجعلهم في وضع يسمح لهم بالسؤال .

 

في الميعاد المحدد، تقابل الجميع جوار تلك النخلة.. كان يتقدمهم المختار عندما وصلوا  بيت الشيخ ..قاصدين الإصلاح والتوفيق وفعل الخير، إلا واحد منهم، كانت نواياه على غير مقصد.

– من بالباب؟ 

 بدت نبراته ضعيفة، فقد أتعبه المكوث في البيت طويلا، مما زاد من أوجاعه وهزاله الذي لم يكن في حقيقة الأمر مرضا عاديا، وإنما هواجس تملكت عقله، واضطرابات نفسية سيطرت عليه، فاردته في براثن الشك القاتل، وعدم الرغبة في فعل اى شيء ..فكلما فكر في خيانة زوجته له! وتشتت أسرته، وكساد تجارته، تفاقمت أحواله سوءً يوما بعد يوم.

– نحن يا شيخ حسان.. مختار القرية وبرفقتي جمع كريم من أصحابك وأعيان القرية.

فتح الباب مرحبا:

– تفضلوا على الرحب والسعة.. يا مرحبا، أهلا وسهلا بالضيوف الكرام، أجابهم.

كان يحاول جاهدا الابتسام وإخفاء  سره في قلبه، فحتى الآن، لم يستطع احد معرفة ماذا حدث، لان الصمت كان عنوان الشيخ الدائم، كلما حاول احدهم فتح الموضوع معه عند زيارته للاطمئنان عليه، كان لسانه ينعقد عن الكلام والنطق.

 

نظر الغريب إلى المختار كأنه يريد الحديث أولا.. فعرف مغزى نظراته وتحفزه للحديث، فهو الذي طلب هذا اللقاء، فسمح له المختار بالتحدث بداية:

 

– يا شيخ.. جئناك في أمر فيه الخير لك ولجميع أهالي القرية، ولا نعتقد بأنك ستُفشل الجاهة الطيبة هذه.. جئناك بأمر يعود بالنفع على أسرتك وعليك شخصيا، أن ترد زوجتك المصون إلى بيتك وأطفالها.. ويعود على الجميع بالخير لأننا نحتاج تجارتك، فلا يعقل أن تغلق دكانك طويلا، فتحرمنا بضاعتك الفاخرة، التي نحتاجها في المناسبات والأفراح .

اعتدل الشيخ حسان كأن سوطا قد لسعه على ظهره، قطب ما بين حاجبيه، وتغيرت معالم وجهه فقال: أرجوكم يا أصدقائي وأحبتي.. مجيئكم عندي شرفني، وقولكم هذا أحييه واقدره كثيرا ..لكنى أقسمت بالله وقد حججت بيت الله هذا العام للمرة الرابعة، بان لا أتحدث ولا استمع لأي كان في هذا الموضوع بالذات.. فالبيوت أسرار، وأستسمحكم الأعذار.

 كانت كلماته حازمة جازمة، لم تجعل للغريب منفذا، أو لأحد آخر من التدخل بالحديث، فصمت الجميع.. واكفهر وجه الغريب حتى ازرق، فعاد للونه الطبيعي دون اكتراث أو انتباه من الحاضرين؟ قطع الهرج الحاصل بين الضيوف، داخلا الابن الأكبر للشيخ ومعه صينية الضيافة، كانت تعج بفواكه كثيرة من كل صنف.. وعصير التمر والقصب، ثم شراب التوت.. أكلوا وشربوا، ثم انصرفوا، وتفرقوا كل إلى بيته…

 

لم يستسلم الشيطان بسهولة، لم يرفع بعد رايته البيضاء، فقبل انقضاء مدة الرهان، حاول جاهدا التوسط عند الشيخ، بإرسال آخرين قريبين على قلب الشيخ، أو بإغرائه بتجارة مشتركة فيما بينهما، وبأموال سيجنونها لا عدد لها ولا حصر .. وعلى قدرته من استحضار الحرير من الهند مباشرة عبر سفن في البحر، تأتيهم خصيصا من تجار كبار هناك ، فيستأثروا بتجارة الحرير لا سواهم .. لكن دون فائدة، بالرغم من كل هذه الإغراءات التي فاقت حدود  الخيال..فالأمر بالنسبة للغريب يتعلق بمسألة مصيرية، يتقرر فيها  بقاءه  أو خسارته للرهان المشفوع بقسم الشياطين؟  وبالتالي في إبعاده واختفاءه نهائيا.. أما بالنسبة للشيخ، فالأمر يتعلق بالشرف والعفة التي لا تقدر بمال، أو تقاس بمقاييس، فأغلق الأبواب أمام  كل الوجوه الساعية عن حسن نية إلى  إصلاح  ذات البين وراب الصدع، بإعادة  زوجته.. ولم ينبس بكلمة واحدة لأي كان، فقد  بقى على صمته المطبق كاتما سره في قرار قلبه؟ لا يعلمه سواه وزوجته، ولم يكن يدرى عن أم فاطمة أنها على علم بكل التفاصيل التي يجهلانها معا حتى الآن ؟.

 

في الميعاد المحدد على آخر الشهر،  وصلت أم فاطمة .. كان بانتظارها مكفهر الوجه، عابسا، وقد اشتدت زرقته حتى تفحم وجهه .. كان الشرر يتطاير من عينيه.. يضرب الأرض بذيله وهو جالس القرفصاء، بينما كانت أم فاطمة واثقة الخطوات، تمشى بثبات وهى تمعن النظر إليه، وتنقر الأرض بعكازها، بإيقاع متناغم مع خطواتها الحثيثة باتجاهه، حتى دنت منه، وأصبحت على بعد ذراع لا غير..عيناها في عينيه، بادرته قائلة:

– فشلت يا سيد الشياطين.. خسرت ورجعت خائبا..  يا لقلة حيلتك وضعف حجتك، ونهاية  قدراتك الخارقة ..والآن جاء دوري أنا.. فحسب الرهان المبرم، لقاؤنا هنا ثانية على انتصاف الشهر، وحين يصبح البدر مكتملا في السماء.

– نعم أيتها الداهية الماكرة، لنر ماذا أنت فاعلة.؟ فلا نستبق الأحداث، فالشيخ حسان لن يكون سهلا حيث فشل الجميع.. وهل يتساهل معك أنت؟ ..أنت يا خرقاء!!

– هل عدت لوصفي بالخرقاء؟ قهقهت أم فاطمة بحضرته لأول مرة، ثم رمقته بنظرة تحد: سنرى لاحقا العجوز الخرقاء كما تدعى  ما هي فاعلة؟.. ثم أدارت ظهرها وهى تنقر بعكازها الأرض، بدبيب كأنها تنقر في أذنيه، مما جعلته يغمض عيناه واضعا أصابعه فيها، أملا في التخلص من نقر عكازها الذي تحول إلى  أجراس تقرع في رأسه، من شدة حنقه وقهره وخيبته .

 

 بينما كانت تبتعد أم فاطمة وتختفي بين أشجار الحقول، سمع صدى ضحكاتها تجلجل الفضاء المتسع، فانكب على الأرض باكيا، صارخا، يتخبط بذيله ذات اليمين وذات الشمال…

– يتبع –

إلى اللقاء في الحلقة الأخيرة.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.