إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

غربة الوطن

7669491238496071(2)

دكتور ناجى صادق شراب

                                              
يلازمنى شعور غريب يؤرقنى ويسبب لى قلقا وأرقا وهو الرغبة الجارفة فى الهجرة والبحث عن أرض أخرى ، ولا أقول وطن بديل ، لعلى أجد نفسى فيه أو اجد السعادة وألأطمئنان، وهذا ألأحساس بالانفصال وألأغتراب رغم الأرض التى ولدت عليها ومنحتنى هويتى وشخصيتى ، وهذا ألأحساس وهذا هو المؤلم لا يقتصر على وحدى فقط ، بل ينسحب على الجميع ، الكل يبحث عن لجؤ ، او أرض بديله . ولعل أصعب شئ فى حياة ألأنسان أن يكتشف أن ألأرض التى يعيش عليها باتت طارده لأبنائها ، لعجزها عن توفير السعادة الوطنية لهم . والمفارقة أننا نتحدث عن أرض الرباط والجهاد ، وألأرض المقدسة ، ولا خلا ف على ذلك ، لكن أبناء هذه ألأرض ولأسباب كثيرة كلها تتعلق بالأوضاع السياسية وألأقتصادية الداخلية لم يعودوا يشعرون بوطنيتهم وأنتمائهم . وهذه قضية لا تقل خطورة عن قضية أنهاء ألأحتلال الأسرائيلى .
لهذا السبب رأيت ان أكتب فى هذا الموضوع ، مؤكدا أن ما أهدف اليه هو أجلاء الحقيقة ، والبحث عن إجابة لعلها تهدأ من هذه الرغبة الجارفة بالهجرة القسرية عن الوطن ، وأبدأ بهذه الملاحظات : وأول هذه الملاحظات أن هذه الرغبة ليست فردية ، بل وجدتها لدى عدد كبير ممن أقابلهم وأتحدث أليهم ، والكارثة هنا أن هذه الرغبة تسيطر على عقول الشباب الذين يمثلون قوة ألأمة ، وبدونهم تعيش عالة على غيرها وتدخل مرحلة الشيخوخة بالفهم الخلدونى قبل آوانها . وألأمر ألأخر ألأكثر سوداوية إن هذه الرغبة قد زحفت حتى لدى المواطن العادى الذى ضاق به الوطن ، وضاقت به سبل العيش ، وعندما توجهت بالسؤال لماذا ؟ كان الرد أننا نشعر أننا غرباء فى هذه ألأرض التى لنا حق فيها مثل الجميع .
وقادتنى هذه الرغبة ثانيا الى استرجاع أول دروس التربية الوطنية فى مرحلة الطفولة ، وكيف كان مدرس التاريخ يزرع فينا حب الوطن ، والتضحية من اجله ، وتذكرت كم كان يستفيض فى شرح معانى الولاء وألأنتماء والهوية وحب الوطن والإيثار والمستقبل الواحد واللغة الواحده وألآمال المشتركه ، تذكرت هذه الدروس فى تعلم الوطن والوطنية وشعرت معها بغيوبة قصيرة وبحالة دوران زمنية عميقة ، ذهبت خلالها بمقارنة ما آلت اليه حالنا اليوم من صراع وأقتتال ونزاع وتأصيل لثقافة الحقد والكراهية والأستعلاء  بين ألأخوة وألأشقاء، وتجزأة الوطن ألى أوطان صغيرة محتكره من قبل فئات صغيرة من الأفراد ولحظتها أدركت لماذا يسيطر هذا الشعور بالغربة فى داخل الوطن ، لأن الوطن لم يعد ملكا للجميع ، بل هو ملك وحكر على جماعة صغيره تتصرف به كأنه أحد أملاكها وتحول الناس الى مجرد رعايا أشبه بالقطيع مطلوب منهم  الطاعة العمياء دون رفض أو معارضه .
ترحمت على مدرس التاريخ ، ,اشفقت عليه لأن جهده ضاع هدرا وسط هذا الضباب من ألأنقسام وضياع الوطن فى نفوس أبنائه ، وأنه فشل فى ان يعلمنا درسا فى السعادة الوطنية وحب الوطن وتأصيل قانون المحبة الوطنية.
ولعل السبب المباشر وراء كتابة هذا المقال فى هذا التوقيت بالذات الحال السياسية التى قد وصلنا أليها وتدفع الكل فى البحث عن وطن آمن ، وأرض بديله ، وجواز سفر يضمن له الكرامة ألآدمية وألأنسانية وهى التى يفتقدها المواطن الفلسطينيى فى كل الحواجز والنوافذ البرية والجوية والبحرية التى يقف أمامها بحثا عن سفر أو دخول ، وأمتد هذا الشعور الى داخل الطن ، وهنا تبدو المقارنة مطلوبة ، أسرائيل تبحث عن أبنائها فى كل مكان وتشجعهم على العودة ألى أسرائيل ، وبمجرد ان تطأ قدما أى واحد منهم يمنح الجنسية والهوية ،ونحن نبحث عن هذه الجنسية والمقارنه ألأوسع مع الدول التى يسعى الجميع للهجرة والبحث عن لجؤ فيها ، وتساءلت مع نفسى لماذا ؟ وبماذا تتميز هذه الدول وهل توجد فيها جنة الله على أرضه ؟  هذه الدول ببساطة تتميز بتوافر المواطنه الحقيقية ، وبتعانق الوطن مع المواطن ، فالمواطن غير خائف من عدم عمل ، وغير خائف من خدمة ورعاية صحية ، ومن تعليم متقدم ، والأهم من ذلك يتمتع بحقوق وحريات يصونها الدستور ، ولا يستطيع الحاكم أن يتعدى عليها ، وبالتالى تتساوى للمواطن فى هذه الدول الدول الأخرى ، بل يعتبر وطنه هو ألأفضل ، وألأكثر أمنا ، فلماذا يهاجر ؟ اما نحن فى أوطاننا ، فالحريات ضائعه والخدمات متدنيه ، والحياة تضيق بأبنائها ، وأنظمة حكم أمنية وبوليسية مسيطرة ، وثقافة الحصار تحاصر الناس حتى فى بيوتهم ، والكل فى حرب مع اخيه بالتعبير الهوبزى ، وقد لا يلام هذه ألأنسان الفلسطينيى الذى يبحث عن جواز سفر لا يريد منه ألا أن يضمن أحترام آدميته مثل بقية الشعوب ألأخرى ، ولعل هذا أهم ما كان ينبغى أن يحظى بإهتمام ممن بيدهم زمام أمور الناس فى فلسطين ، هو ضمان المعاملة الوطنية الآدمية لهذا الشعب الذى يعانى فى الداخل والخارج . وهذه المعاناة هى التى تقف وراء البحث عن السعادة الوطنية التى أختزلت فى مجرد جواز سفر يمنح صاحبه هذه ألآدمية . وهنا سيطرت على حالة من اللامواطنه ألأوسع وأقصد هذا ألأنتماء للعروبة ، فكيف لمن يحمل جوازا فلسطينيا أن يعامل بهذه المعاملة البعيده عن الآدمية ،وكيف ان نفس الشخص بجوازه الجديد يعامل بهذه الطريقة ألآدمية ، فهل ألآدمية هى للجواز أم للآنتماء ؟ وإذا كانت المعامله للجواز فتبا لهذا أنتماء ، وهذا ولاء وليرحم الله امتنا العربية ، وكل مدرسى التاريخ. أنها القطرية البغيضه التى أنغرست فى جسد هذه ألأمة وحولتها الى كيانات غريبة حتى على أبنائها . أدركت لحظتها أن آدمية وأنسانية ألأنسان الفلسطينى مستهدفه حتى يظل يبحث عن وطن غريب بعيد عن وطنه ، والكارثة أن تكون هذه ألآدميةمستهدفه من الداخل الفلسطينى .
دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد