إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الخامس والعشرون من يناير استحقاقات وتساؤلات

imagesCAMW4UKJ

د . محمد أيوب
 
مع حلول الخامس والعشرين من يناير بدأت الادعاءات بالشرعية أو القذف بعدم الشرعية تتهاوى، لأن جميع المتناحرين حصلوا على شرعيتهم من الشعب، وعليه فإن من يريد أن يؤكد شرعيته يجب أن يعود إلى الشعب الذي منحه هذه الشرعية، الشعب الذي سئم المناكفات الحزبية التي تجهض مشروعه الوطني، فقد أصبحت القضية الفلسطينية في مهب الريح بعدما حدث في غزة سنة 2007م، فهل كان من الضروري إراقة كل هذه الدماء لتأكيد أو نفي شرعية هذا الطرف أو ذاك، ألم يكن باستطاعة حركة حماس سلوك طريق آخر غير طريق الدم الذي سلكته سنة 2007م لتأكيد شرعيتها التي لا تحتاج إلى تأكيد؟ ألم يكن باستطاعة حركة حماس أن تلجأ إلى الطرق الديمقراطية لتأكيد حقها في ممارسة الحكم، وإذا كانت هناك عقبات وُضِعَت أمام حكومة الوحدة الوطنية كما يقال، فهل استنفذت الحكومة كافة الوسائل لإزاحة هذه العقبات من
طريق عملها بطريقة مقبولة، وإن لم تتمكن من الوصول إلى تحقيق هدفها؛ فقد كان بإمكانها إحراج من تدعي أنهم يضعون العقبات في طريق عملها بأكثر من وسيلة، ومن هذه الوسائل تقديم الحكومة استقالتها إلى الرئيس محمود عباس الذي لن يستطيع تكليف أي شخص من خارج حركة حماس بتشكيل الحكومة العتيدة، لأن هذه الحكومة لن تحصل على ثقة المجلس التشريعي، وبالتالي فإن من يفكرون أو يعملون على عرقلة عمل الحكومة الجديدة سيجدون أنفسهم على المحك الديمقراطي، وقد كان بإمكان حركة حماس أن تتشبث بموقع الفعل بدلا من أن تنتقل إلى مواقع رد الفعل كما هو الحال الآن، وخصوصا بعد أن اتضح أن الغرب سيحاصر مناطق السلطة إن شكلت حركة حماس الحكومة، كان بإمكان حركة حماس أن تطالب الرئيس محمود عباس بتكليف أي شخص من خارج حركتي فتح وحماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية تحظى بقبول جميع الأطراف في المجلس التشريعي المعطل بسبب المناكفات السياسية والحزبية، ومن حقنا أن نتساءل: ألا يستحق الشعب الفلسطيني أن يضحي الجميع من أجله بدلا من التعلق بغواية التفرد بالسلطة؟
 
 
 
كان يوم الخامس والعشرين من يناير يوما مشهودا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد شكل منعطفا خطيرا على طريق ترسيخ نهج ديمقراطي يستند إلى التعددية الحزبية، حيث ساهم أبو مازن في شق طريق الديمقراطية على قاعدة من ضرورة تداول السلطة سلميا، وللحق ، والحق يقال، كان الرجل يناضل في زمن ياسر عرفات من أجل ترسيخ مجتمع مدني يستند إلى عمل المؤسسات الديمقراطية حتى لا يكون هناك مجال لهيمنة فرد أو مجموعة أفراد على مقدرات الشعب الفلسطيني الذي يصعب اختصاره في فرد أو في مجموعة أفراد، وكان هو صاحب الفضل في إيجاد منصب رئيس الوزراء حتى لا تتركز كافة السلطات في يد رجل واحد، وقد كان أبو مازن أول رئيس للوزراء في تاريخ الشعب الفلسطيني وأول من أصر على إجراء الانتخابات التشريعية رغبة منه في إرساء نهج ديمقراطي سليم في بلد لم يتنفس شعبه نسيم الديمقراطية الحقيقية، وقد تعرض الرجل لانتقادات لاذعة من التنظيم
الذي ينتمي إليه بسبب نهجه الديمقراطي.
 
 
 
بعد توقيع اتفاقيات أوسلو أصر الراحل ياسر عرفات على أن يمسك بكل خيوط اللعبة السياسية بيده؛ فأسس سلطة الرجل الواحد الذي لا راد لقضائه ولا مجال للاعتراض على قراراته، ولما سأله أحد مستشاريه وهو الصديق المناضل محمد المسلمي لم لا يعطي بعض الصلاحيات لأبي مازن كان رد أبي عمار سؤالا وجهه لأبي نضال عن سؤال كان قد وجهه أبو نضال للرئيس حافظ الأسد عن سبب توقيعه على المراسيم والقرارات باعتباره القائد العام للقوات المسلحة وليس القائد الأعلى لها، وذكره برد الرئيس حافظ الأسد الذي قال إن أية ترقية في القوات المسلحة لن تمر دون اطلاع القائد العام ودون توقيعه عليها، بينما لا يحتاج الأمر إلى توقيع القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما أضاف إن الرئيس الأسد كان يسيطر على بترول سوريا، وبالتالي فإن من يريد ألا تفلت الأمور من يده عليه أن يفرض سيطرته أجهزة الأمن
ومصادر التمويل" الهيئة العامة للبترول في السلطة".
 
 
 
كسر أبو مازن احتكار السلطة بعد توليه الرئاسة وأمر بإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة في الخامس والعشرين من يناير سنة 2006م، وكلف السيد إسماعيل هنية، بعد الفوز الكاسح الذي حققته حركة حماس، بتشكيل الحكومة، صحيح أن حركة فتح رفضت المشاركة في الحكومة؛ وهذا حقها، كما رفضت الفصائل الأخرى المشاركة في هذه الحكومة انطلاقا من رؤيتها لضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية تستطيع مواجهة المرحلة بمخاطرها واحتمالاتها المفتوحة، ومن ثم تم التوصل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية فيما بعد، ومع ذلك سارت حركة حماس على درب الأخطاء الذي سارت عليه حركة فتح قبلها، فقد وقعت فتح في شرك عدم الفصل بين الحركة والسلطة، وبالتالي تحملت حركة فتح كل أخطاء السلطة الوليدة لأن الشارع لم يفرق بين سلوك فتح وسلوك السلطة؛ فقد لهث أعضاء فتح وراء إغراءات المناصب والرواتب فخسروا فتح وخسروا أنفسهم دون أن يفكروا في وقفة جادة لاستخلاص العبر
في السنوات التي سبقت تولي أبو مازن للرئاسة.
 
 
 
والأغرب من ذلك أن حركة حماس وقعت في المنزلق نفسه حين شكلت الحكومة؛ حيث حاولت حشد كل عناصرها في الوظائف الحكومية استناد إلى تقديم مبدأ الولاء الذي اعتمدته حركة فتح دون الاهتمام بالكفاءات اللازمة لبناء مجتمع المؤسسات على أسس من الكفاءة مع احترام تضحيات من ضحوا في سبيل الوطن بتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم دون أن يشغلوا مناصب إدارية لا يمتلكون مقومات إدارتها، كما كشفت حركة حماس عناصرها السرية كما فعلت فتح سابقا، وكأن الأمور أصبحت على ما يرام وأن الدولة قد تحققت، حتى أن إسرائيل نجحت في تصوير الفلسطينيين على أنهم أنجزوا الاستقلال التام.
 
 
 
ولأول مرة نجد حكومة تنقلب على نفسها وهي في قمة هرم السلطة وتحاصر نفسها في قطاع غزة بعد أن كانت تدير أمور الضفة والقطاع، ظنا منها أنها يمكن أن تفرض شروطها على بقية الأطراف الوطنية، كان الوضع غريبا حقا، فقد كسبت حركة حماس الانتخابات ولكنها خسرت نفسها وكثيرا من مؤيديها بعد سيطرتها بالعنف على غزة، وعندما خرجت إلى الشارع أثناء الأحداث بين 10 – 14 حزيران " يونية 2007م، سئلت عن رأيي فيما يجري من أحداث فتساءلت: وماذا بعد؟ سؤال كان يجب على حماس أن تجيب عليه قبل التفكير في السيطرة على غزة، في عيد الأضحى قبل الماضي زارني ثلاثة أصدقاء من حركة حماس أحدهم عضو في المجلس التشريعي، ودار بيننا حديث متشعب، تطرقت أثناءه إلى اقتحام الشرطة لحرم جامعة الأقصى في خان يونس ومنع الحجاج من السفر، ونصحت صديقي عضو المجلس أن يتركوا الحجاج يسافرون لتأدية فريضة الحج، حتى لا يصبح منعهم نقطة سوداء في تاريخ حركة
حماس، كان ذلك في يوم الأحد مساء وهو ثاني أيام فتح المعبر لسفر الحجاج، وكان يوم الاثنين آخر يوم لفتح المعبر، وقلت لهم إن مصر يمكن أن تمدد فترة فتح المعبر فيما لو راجعت حركة حماس موقفها، وأخيرا سألت ضيوفي: إلى متى ستتخذ حركة حماس من سكان قطاع غزة رهائن في صراعها مع حركة فتح، وقد قلت: لو كنت حمساويا لتوجهت إلى رام الله ووضعت الكرة في ملعب أبي مازن من خلال إعلان موافقتي على الذهاب إلى انتخابات مبكرة تخرجنا من المأزق الذي وقعنا فيه، خصوصا وأن الرجل عبر عن عدم رغبته في ترشيح نفسه للرئاسة أكثر من مرة، لقد عانى قطاع غزة بما فيه الكفاية، ولو فكرت حماس في قراءة نبض الشارع الغزي لكان من واجبها أن تستخلص العبر من تأييد غالبية سكان القطاع لفريق مصر في مباراته مع الجزائر بدلا من ملاحقة مشجعي الفريق المصري في القطاع، إنه تأييد للورقة المصرية ورفض لموقف حماس من هذه الورقة لأن الناس تعبت من الحصار ومن البطالة ومن التسول والبحث عن الكوبونات التي قد تصل إلى المحاسيب ولا تصل للمحتاجين الحقيقيين، إن تأييد مصر في مباراتها مع الجزائر ليس تعبيرا عن كره الشعب الفلسطيني للجزائر حكومة وشعبا، حاشا لله، فنحن
أبناء فلسطين نحب شعبنا الجزائري ونقدر نضاله من أجل الحرية التي نتمنى أن نتنفس عبيرها، وطالما رددنا مع صوت العرب الأناشيد الوطنية التي تشجع النضال الجزائري من أجل الحرية والاستقلال، وطالما عشقنا كتابات إخواننا من الكتاب الجزائريين، علينا أن نستخلص العبر من تجربة الانقسام القاسية قبل أن نخسر ما تبقى من الوطن وقبل أن نخسر أنفسنا خسارة تامة.
 
 
 
علينا أن نتحد وأن نجمع طاقاتنا في جبهة واحدة لخوض الصراع من أجل إقامة دولتنا بشتى الطرق؛ وفي مقدمتها المفاوضات التي يجب أن نخوضها متحدين لا منقسمين مهما كانت المبررات التي تساق لتبرير الانقسام، علينا أن نحتمل بعضنا وأن نتسامح مع بعضنا دون أن نفرط في حقوقنا، فالسياسة كما يقول هيكل هي حرب بالكلمات، والحرب سياسة بالطلقات، ومصير كل حرب أو صراع مسلح هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات استنادا إلى موازين قوى تفرزها المعركة المسلحة أو الصراع المسلح، وعلينا أن ندرك أن موازين القوى في العالم ليست في صالحنا، وبالعقلانية والوحدة الوطنية وبعمقنا العربي والإسلامي يمكن أن أن نقلص الفارق في ميزان القوى بيننا وبين إسرائيل استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية وإلى حقنا الواضح وضوح الشمس، كفانا تمزقا وليكن التوافق على إجراء الانتخابات التشريعية أولى خطواتنا من أجل انتزاع حقوقنا المشروعة التي أقرها
العالم بأسره.                     
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد