إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

النبي.. والأعمى

خالد حسنين

الإنسان بحد ذاته قيمة، بصرف النظر عن مكانته الإجتماعية وحجم أمواله، بل وحتى كونه صحيحا أم معاقا، لأن الإنسان هو خليفة الله، ولم يرسلنا إلى الأرض أغناما لنرعى في مزرعة الأمير الفلاني أو الملك العلاني، وليتفضل علينا بالعلف والماء آناء الليل وأطراف النهار، ويذبح جزءا منا لضيوفة ويفيض بالباقي عطايا لجواريه، وإنما أرسلنا لنكون خلفاء له في أرضه، نعمرها بالعمل الصالح، ووضع لنا نواميس وقواعد تقودنا إلى النجاح في مهمتنا تلك، فإن اتبعناها كنا جنود الله، وإن أعرضنا عنها دخلنا في معيشة ضنكا، وحُشرنا يوم القيامة عميانا من فعل أيدينا، وأصبحت حال أمتنا أشبه بحال الأمة العربية والإسلامية اليوم.

 
يقولون في الدساتير حفظها الله (فوق الرفوف) الأمة مصدر السلطة، وتعني أن الإنسان (الفرد المسكين البسيط) هو من يمنح الحاكم شرعية الحكم، وقوّة السلطة، وقد يغتصبها الحاكم بقوّة العسكر، أو بقوّة خارجية قاهرة، وهنا يأتي دور الإنسان الذي آمن بالله ربا، فيقف في وجه (الرب) البشري ليأمره وينهاه، فإن قتله كان سيد الشهداء.
ذلك هو التوحيد كما فهمه سيّد، وأراد أن يوصل الرسالة لنا أن آمنوا بـ لا إله إلا الله حقا وعندئذ ستحل المشكلة في الأرض كلّها، وبغير ذلك لن يكون لكم قيمة، تلك القيمة التي أثبتها الله واضحة جليّة في سجود الملائكة لآدم، وفي قصة محمّد عليه السلام مع الأعمى التي وردت في سورة "عبس"، فعندما جاء ابن أم مكتوم إلى مجلس النبي عليه السلام وكان منشغلا بدعوة صناديد قريش وكبراؤها (أي أنه يعمل على مصلحة الدعوة) فسأله الأعمى أسئلة في الدين، فأعرض عنه النبي عليه السلام، لأن التقدير السياسي والبشري يجعلان في دعوة الصناديد تلك اللحظة أولوية، ولكن الله سبحانه المبصر للموقف أراد أن يؤكد على قيمة الإنسان بصرف النظر أكان مبصرا أم أعمى، فأنزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة معاتبا النبي (أما من استغنى فأنت له تصدّى، وما عليك ألا يزّكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهّى، كلّا إنها تذكرة..).
بالقطع فإن الأعمى (رضي الله عنه) لم يشاهد إعراض النبي عنه، ولا تغيّر وجهه كما يقول المفسّرون، إلا أن الله الذي أرسل الأعمى ليكون خليفة له في الأرض أبصر وأراد أن يثبّت منهجا يؤكد أن الإنسان قيمة فلا يجوز لنبيّ ولا وليّ أن يبخسها.
إخواننا الشيعة يفسّرون الآية على أن المقصود هو عثمان رضي الله عنه، وينزّهون الرسول عليه السلام عن مثل هذا الفعل (لأنه معصوم)، ولكن إذا نظرنا إلى الإطار الأعم الذي جاء به الدين، وسعيه لإثبات قيمة الإنسان كخليفة لله في الأرض، فسنعلم أن الآية في حق النبي أبلغ، وأنها ليست مخالفة للعصمة، فما فعله النبي اجتهاد لمصلحة الدعوة والجماعة المؤمنة، ولم يكن إعراضا لأجل الإعراض، ومع ذلك جاء العتاب، ليعلّم الأمراء والحكام والسادة في هذا الزمان وغيره من الأزمنة أن الإنسان (بالمطلق) هو سيّدهم الذي عليهم أن يأتمروا بأمره وليس العكس، حتى لو طبقوا حدود الله وصلّوا وصاموا شعبان ورمضان، والأيام البيض، فإنهم لم يدركوا كلمة السر التي تميّز بين المؤمن الموحّد من جهة، وبين العابث بدين الله.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد