إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الجامعة الفاضلة

  
بقلم : د . فهمي خليفة صالح
  
أتعبتني يا هذا ..
 
 
والله العظيم أتعبتني ، وألقيت على صدري همَّاً ثقيلاً ، كأنه اللوعة والألم والشجن والتسابيح .
 
 
أتعبتني وأنت صديقي وعزيزي ، وأنا أحترم كل اندفاعاتك نحو الحكمة والحقيقة والأمل الفسيح الذي ينتاب أفكارك ويعتري تصوراتك المتخيلة مثل بندقة مزروعة في قلب شكولاتة أو عجينة مستطابة تشتهيها في عيد بعيد لم يحضر بعد .
 
 
لكنك أتعبتني – أتعبتني حقاً بأسئلتك الفرارة – الدائرية عن الدولة والوطن والإنسان وعن الفساد والطغاة والأعداء والمنتفخين بالمال الحرام والأكاديميين الفاشلين الذين يسرقون البحوث في ترقياتهم العلمية مثلما يسرقون سيارات الدولة وممتلكاتها الوطنية العامة ، وعن الإرهابيين الجامعيين والكذابين بالجملة لا بالمفرد ، ووكلاء المزارع الشبيهة بقشور الموز والمغرمين برأسمالية الكازينو والقمار والانغمار بالتضليل والتطبيل والمخادعة .. وعن ..
وعن .. وعن العار الحقيقي الذي يغلف بعض الوجوه المريضة ووجوه بعض الأطباء المتاجرين بشرف المهنة الطبية وبدم الفقراء الأبرياء .. .!
 
 
برجوازيون قذرون أولئك الذين يتصورون بأن صابون الديتول يمكن أن ينظف ضمائرهم المتسخة بلوثة الانتهازية والعداوة ، مادامت أياديهم تجيد لعبة المصافحات الأوتوماتيكية الخالية أصلاً من دوافع النبل والفضيلة .
 
 
أسئلتك الضاغطة هزت أعماقي بلفحات الحزن ، وأحنّت كتفي ببطاريات مهملة ، والبعض منها لم يعد مشحونا بالوخزات ، وقد نضب فحمها ومات قطباها السالب والموجب ، والعولمة المفتعلة تبقى جزءاً من المصيدة المنتظمة ، لها حالها الخاص الفارض على أحوالنا العامة البلاء والابتلاء والرشوة والحشيشة والازدواجية وارتداء جلود الثعابين والتماسيح والحيتان وضغط المصالح الانتهازية ، وللعولمة جنتها الغربية العجيبة في البلاد البعيدة ، ولها جنونها الدامي في
صحارينا الشرقية واحتلال جيوشها لديارنا وتخريب مجتمعاتنا .
 
 
إنه عالم التناقضات الذي حل بالعقول والعقليات ، وإستوضع في المطابخ والمتاحف والصالونات والدواوين والمضائف ، ليخرج بالنتيجة مسخا من القيم الهجينة يمضغها البشريون المسطولون المترنحون الهائمون في كل واد وعلى امتداد التضاريس والسراب والخراب والمحنة والعذاب .
 
 
أسئلتك يا أنيسي .. كلها كانت من العيار الثقيل بأقوى من الطلقات والقذائف المدفعية ، وأنت صديقي وعزيزي ، وأزيدك علما بأنني لست مثل سقراط في الإجابة ، وأنت لست مثل أفلاطون في المحاورات ، لكي نعيد كرة الأسئلة في والكلام وفن النقاش ، ونصنع أقمشة مخملية للسمو والمثال في الصمت والنطق والأسرار ، فالدولة أقدم من سقراط وأفلاطون ، والإنسان أقدم من الدولة ، والمأكل والمشرب والملبس والقوت والأمن ، جميعها أسباب دوام البقاء للحفاظ على النوع
الإستراتيجي في كهف الحضارة ، النوع الحائز على ثيمة العقل وخاصية المشي على اثنتين من عكازات الطبيعة الحيوية ، الإنسان الرائع – الفقير – الخطير – الذي يجوع ويعرى ويبكي ويضحك ويتقافز ويضمحل ويحلم بالرضى البعيد والطموح العنيد – ألإنسان الذي هزم الديناصورات والفيلة والجبال والبحار والاستعمار وتضاريس الطبيعة القاسية ، لتتشكل معاناة حقيقية جاعلة من الفضيلة محك الإنسان الأول والأخير وهو يتخوض في حقل عرمرم محفوف بالدناءة والغدر والرذيلة والفحش ، وحتى عندما يكون مغمورا وسط جنائن الدنيا السبع ، فهناك نشيج يسمع وأنَّات
تصهل بالوجع ..!
 
 
فعلى مقربة من القباب الآسرة للقلوب والمساجد التي تؤذن للصلاة : ألله أكبر – الله أكبر ، ثمة طغاة وجبارون وجلاوزة وحاصدو جوائز ومضارطة وعضاريط ولصوص وفاسدون ومزورون وسماسرة وشمبازيون ، خربوا لوحة الحياة بالدماء والعهر والخيانة والقتل والتزوير والأقنعة وسرقة الغلة من البيدر وما تبقى من القوت في الحقل ، وزرعوا في المخيلة والذاكرة والمشاعر نبتة الانحراف والشيطنة ونسيان الرسالة الهادفة للمخلوق المفكر كإنسان حرّ فاعل
الحرارة في قرّ الجمود والثلوج ، ومثالي الهوى زكي العطر في معرض الزهور والخمائل والشفافية .
 
 
ذلك الإنسان الذي يشع بالنور ليس من فصيلة الرماد المعتم ، إلا عندما يصبح وقفاً على الحرائق والدخان والعطن والوضاعة ، وعليك يا صديقي وعزيزي أن تتوقف عن الأسئلة ، وفتش في أوراق الطاغية عن عدد أزواج الأحذية والمطأطئين والمطيعين الذين يجرجرهم تحت رجله وعطساته في الرواح والمجيء ، فتش عن طباع النساء في سلوكيات بعض الرجال وحاول أن تثبت المواءمة خارج فروقات الفسيلوجيا ، فتش عن الغارقين في حوض التغوط ببدلاتهم المستوردة وملامح وجوههم
المطلية بمكياج الأصباغ الاصطناعية ، فتش عن مرتزقة ما يسمى بالعصر السعيد ، عصر الزنوج والأمريكان ، فتش عن الدنيا التي دفعت الكثيرين للالتصاق بمغناطيس الخيانة .
 
 
ثم فتش في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد كما أبداها الكواكبي عن الباشوات الذين تساقطوا في أدنى الحضيض ، فتش عن الأصدقاء الذين لم يقترفوا خيانتك بعد ، واستعد للطعنة القادمة من أصابعهم ومسدساتهم اللئيمة ، فتش عن انتهازية الحواة وهم يسحقون الثمار التي سقطت من المحصول لأنها نضجت قبل غيرها ، فتش عن الأقنعة البوهيمية التي تغطي وجوه مدرسي الدروس الخصوصية في المدارس اليومية ، وهي تفرض منهجية فكرية تستوعب ظاهرة بزنزة العلم والأخلاق ،
فتش عن الجامعات الأهلية – الهجينة – المحتالة ، التي تمنح الرأسماليين والزبائن والأميين ، شهادات ماجستير ودكتوراه على قفا من يشيل .
 
 
فتش عن اللؤم والبخل والعذابات والأنين والأحقاد ،
 
 
فتش عن طامة جهود الإصلاح في محاربة التدخين قبل محاربة الفاسدين .
 
 
فتش عن الدنيا التي صعدت بالقرقوزات والأقزام والطفيليين والدبقين وأشباة التماثيل إلى الطوايق العالية ، وراقب مشهد السقوط الشاقولي في لوحة سوريالية للزجاج لا يعرف لها رسام سوى القدر المبجل .
 
 
فتش عن أصحاب الضمائر التي فقدت كينونتها فأضحت شظايا بلا مرايا وتلافيف دون رفيف ، وعورات دون حسنات ، وأي شي إلاّ أن يكون شيئاً مستساغاً ولو عند الكلاب السائبة .
 
 
فتش عن الصعاليك الذين تسللوا في آخر لحظة ضمن رقعة المصور وهو يأخذ صورة هامشية للماليك المسطولين بالتيجان التي تدحرجت في هبوب الغانيات .
 
 
فتش عن الذات والآخرين الجحيم الذين دسوا أنوفهم بين الأمكنة العشوائية ليتطفلوا على الإشارات والشعارات والملامح ، ليكونوا محامي الشيطان دون أن يجرأوا على رسم خارطة في مساحة الفراغ الذي يملأ قلوبهم بالتبن والروث والبول .
 
 
فتش عن محامي الشيطان ..وصدق بأن الذي أقذر من الشيطان ، هو محامي الشيطان ، وقطعاً ثمة كذابون كثر يقسمون بأنهم صادقون في حفلات تنكرية لأخذ الوعود وتدبيج العهود وعن آخر نظرة غائمة عبر عيني قارئة الفنجان .!
 
 
فتش عن الأصدقاء التنك ، لتعرف كم تبقى من الذهب لديك .
 
 
فتش عن وداع الأحباب الذين مضوا إلى اليباب والسراب دون أمل بحضور أو اقتراب أو عتاب .
 
 
فتش عن الشباب والحشيشة والشراب والعذاب وشهد الخراب والعقارب والذئاب والكلاب واليباب .
 
 
فتش عن طفل غادر المدرسة ليعمل في تنظيف الجامعة .
 
 
فتش عن طفل آخر غادر المدرسة ليعمل على تنظيف ضمائر أساتذة الجامعة ، من فرط الكرامة التي تحملها أمانته وهو يرفض أخذ الإكرامية منهم .
 
 
فتش عن ضابط لم يضبط إيقاع مشيته فهربت عن كتفيه النجوم .
 
 
فتش عن الخبيث – الخنيث ، الذي كان من الواجب تركه في القفص البعيد ، وعدم الإتيان به وبخرابه من جديد .
 
 
فتش عن وضيع يتكلم عن الشخصية والمتانة ، وعوراته الجمة معروضة في قصة فلم كارتوني عبر تلفاز مفتوح فوق رأسه .
 
 
فتش عن آخر مشاركة لمزور أكاديمي مخضرم ، قدم بحثه المسروق من مستلة لم يكن مشرفا على رسالة صاحبها المسكين .
 
 
فتش عن الوزن المتخفي الذي يصهل بإيقاع المعنى ، في قصائد أريد توضحي والمايسترو في حقل القمح ، لكي تأخذ أسرار الغبطة من الفراشات .
 
 
فتش عن الأحبة الشحيحين وعن بريد شاهق لم تصل إليه رسالة من المحسودين الجميلين البعيدين .
 
 
فتش عن المهزلة والجلجلة والجنجلوتية المسترسلة في المزبلة والمرحلة والرحلة في حل المسألة ، وعن العنيد الذي لا يريد أن يخرج من القفص بالرغم من الفرص ، وعن البطة العرجاء حاملة الشنطة – المشتغلة بالاستثمار والرقص وشق الزيق بالدبوس والمنشار والمهزلة .
 
 
فتش عن الكرامة في زوايا الملامة والندامة ، وخذ من شرف الطرطورة وضاعة النفوس المسعورة بالعربات المستذئبة المخمورة بروائح العملة الصعبة والكذبة المستكلبة .
 
 
فتش عن لا شيء لتجد مكانا مؤثثا بالفجيعة والألم والمفارقة .
 
 
فتش عن البريق .
 
 
فتش عن الدليل الجميل – الأصيل – العليل .
 
 
فتش عنك ، عن البديل .
 
 
فنحن لسنا في حقبة قبل الميلاد ، بل في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد ، وعليك أن تحسب الفرق حساباً من نوع خاص مقارب لمنطق الضمير ، قبل منطق النفط والقصدير ، ودع فسحة ممكنة التقدير شئت ذلك أم أبيت للتعلم من منطق الطير والأنعام والحمير ، لأن العصر المعلوماتي الرائع ، قد ضج بحفلة فايروسات الانتهازيين المستثمرين – من أحفاد المستعمرين وعقلية المستعمرين ، وازدحم بأيقونات البلادة والصنمية التي تحجرت من خلالها العقول وتيبست القلوب ،
وبات شأنها متساوياً في كثير من الحالات مع شأن التهروءات التي تصيب الأحذية اللامعة والهراوات الطرية .
 
 
ثم تأتي أخيرا أيها الخطير الأثير بعد أن دوخت رأسي وألهبت مشاعري بالحماسة والأمل لتسألني عن البريق ، عن الدليل الجميل – الأصيل – العليل .
 
 
تسألني بكل بساطة عن ذاتك والبديل ..!
 
 
تسألني – تسألني بكل بساطة عن الجامعة الفاضلة .؟
 
 
لا جامعة فاضلة إلا بفضلاء وأفاضل ، والسبق لذلك دون مفاضلة ، واغسل يديك في تيزاب اليأس من الواقع ، فالمزابل كثيرة ، والمهازل كثيرة ، وكنا نتلمس خارج مقررات تخصص الفلسفة إضاءات كثيرة وجميلة ونادرة من أساتذة كانوا مقيمين بيننا ، تجبرنا معاً إراداتنا النورانية على أن نسمع منهم ، ونأخذ عنهم ، ونتبادل معهم الفهم والمناقشة والجدل حول المثاليين والماديين ، وأمثال أولئك الشيوخ ذهبوا اليوم عن قاعات الدرس والمحاضرات وعن الجامعات ،
وربما ذهبنا معهم نحن أيضا كتلامذة ودارسين .
 
 
 فقد كنا وإياهم نتذوق من صيدلية إين سينا مشروبا ضد النعاس والخلط ، ومن الكندي ما يقوي الإصرار والإرادة ومن الفارابي موسيقى الحاكم المتزن ، ثم نتبحر في قراءات هيجل للشعر والفن والطبيعة والسمو بالدين ، ونشحذ إلى جوار ماركس مدياتنا الضئيلة ، حين حمل الفأس بكل الاتجاهات المعنوية ، ووليم جميس ، الذي تعانق مع الميكافيلية في تعزيز المنفعة للأقوياء من أجل البقاء .
 
 
وأيقنا مع أولئك الأعلام بأن الفضيلة منحوتة أو قيمة تم الاحتيال عليها ، رغم كونها فخمة في المعطى والمعنى والمبنى ، فهي مثل الثورات ، ثمراها يقطفها الآخرون الطارئون ، ودعاتها الحقيقيون يوصمون بشتى أوصاف النكر والغرابة بالضد من قيم الفضيلة ومقتضياتها ، لتصبح الحقيقة عبارة عن لعبة أو مناطحة بين كلام وكلام ، أو رأس ورأس وبالتالي بين بندقية وأخرى ، فيصمت واحد ويمضي الآخر يجعجع كمنتصر ، ويتم نسيان الفضيلة التي انسحقت بسبب
التعامل معها كوسيلة أو غاية في نهاية المطاف .
 
 
الفضيلة التي تحملنا بكل أثقالنا العرضية والزائدة ، ننسى في لحظات الأنانية أنها بوصلتنا العالية التي نرمقها بأقدامنا فنسحق مكانتها ومؤشراتها في غفلة من التقييم والحكم على المعالم المتموجة بالحكمة والنضوج .
 
 
كأنك وأنت تسألني عن الجامعة الفاضلة ، هو ما ينطبق على عين الفضيلة ذاتها ، تسألني عن الحياة والموت والطبيعة والأخلاق والخلود وتفاحة آدم والعيش والبقاء والحرب والطاعون وشهادات سوق مريدي وأنفلونزا المرتشين من دكاترة الكليات والجزئيات وما بين بين .
 
 
كأنك تسألني عن الجباة العراة الذين يثملون في الخميس ويتدينون في الجمعة ، ويحرصون على الصلاة في الخط الأول ، ويحلمون بقشطة الابتزاز ويمضغون روث المواشي والسحت الحرام الذي صبغ جباههم وسيماههم وطبعات أصابعهم وتوقيعات أقلامهم من الوريد إلى الوريد في مكاتبهم ومهاجعهم وعياداتهم وأسلابهم وذكرياتهم .
 
 
كأنك تسألني عن أشياء كثيرة محشورة في زجاجة حارقة صالحة للانفجار والاتجار والفرار والإبحار للولوج إلى بوابات المدارس العلمية الكبرى وصروح المعالم الفكرية التي أسست قوائم الفضيلة في العقل : البصرية والكوفية والبغدادية والمستنصرية والغزالية والنظامية والصالحية والقاهرية والشرابية والقيروانية والمراكشية ، حتى أيامنا الحالية العولمية والشهادات الممسرحة وسيرة الانتساب إلى سانت كليمنت والهولندية والماليزية والموزنبيقية
والصومالية ، وحسب أفخاذ العشائر في الديار والأصقاع الكونية .
 
 
أنت تقول لي : يا أستاذ .. بعد أن غدت جامعاتنا منقادة من قبل أذناب الروؤساء والروؤساء الذين لا وزن لهم وأتباعهم الصغار ، الذين أصبحت صلاحياتهم لا حدود لها ، في الفساد والإفساد والتمتع بالامتيازات والعطايا والمكافئات والسيارات والتلذذ بالمال العام الحرام ، والأمر والنهي دون محاسبة ولا رقيب طولا بعرض ، ودون معرفة بحجمهم الحقيقي الذي تجاوز قدر العلماء والشرفاء والمخلصين من الأساتذة الشرفاء الأتقياء الأنقياء ، حتى أصبح التطاول مذهبا
عند الصغير على الكبير ، وعند اللص على النظيف ، وعند المزور على الشريف ، وعند المنافق على الصادق ، وعند الطارئ على الأصيل ، وعند النكرة على المفكر ، فساء حال العلم في أدنى المراتب ، وتدهور التعليم إلى الخانات المضمحلة مصحوبا بالفضائح والجوائح وامتهان المحظورات في النزاهة والأخلاق ، وهذا من الأمور القاصمة علينا وعلى حياتنا وأجيالنا القادمة عندما تحل الرذيلة محل الفضيلة ، وبخلاف ذلك الجرح الذي يسيل دماً وألماً وصراخاً ، تسألني عن الحل والأمل والدواء والشفاء ، تسألني عن الجامعة الفاضلة .؟
 
 
سؤال غريب يأتي في سوق الحدادين فيتداخل السؤال مع الجواب ويمتزج السائل بالمجيب ، لكن يبقى صوت الجعجعة والضجيج في المقدمة والناصية المشرفة على الانتباه .
 
 
وبالرغم من ذلك لا بد من جواب أو إجابة ينبغي إطلاقها في الهواء حتى لو ذهبت سدى وهباء ،  
 
 
سأقول لك : لقد كنت أتحدث عنها والله ، أتحدث عنها ، أقصد الجامعة الفاضلة المفتقدة ..! وحتى لا تقول عني بخيل وجميل أو حاسد وسعيد ، سأجيبك عما سألت ، ولكن حذار من الجامعة الفاضلة ، فهي النور لا النار ، وهي الدور لا البوار ، وهي البناء لا الهباء ، حاضنة السليقة والوثيقة بالفطرة والفكرة والعبرة ، وهادية الخلقة والخليقة ، وسلة العقل الوضاء المملوءة بالتعليل والأسباب والحلول ، بعيدا عن العلة والأمراض والجرب وعفونة الذوق والذائقة
وزلات اللسان وجنوح الحواس وبعثرة الأنفاس ، وبعيدا عن الشياطين وكل وسواس خناس ، وبعيدا عن جميع الصيارفة والمرابين وأطباء الشعوذة والغبريات والمفلسين الذين اغتنوا من لعبة البوكر والقمار والغش والتدليس والأقنعة بالدراهم العار والسرقة الشنار .
 
 
الجامعة الفاضلة : سنبلة القمح والسيف والرمح والملمح والمطمح والقافلة .. سؤال وحل ومسألة ، حواية الأخيار الأطهار الناس الأوادم أبناء الأصول في الوطن الجميل المثير العبير ، وقل هي تلك الجامعة التي يجتمع عندها المختلفون فلا يتفرقون ولا يتنابذون ولا يتذابحون ولا يتدافعون ولا يتصارعون على شيء تافه من مناصبها وكراسيها وأبهتها الديكورية ، لأن بضاعتهم الفكر والعلم والأدب والأخلاق والشريعة .
 
 
الجامعة الفاضلة هي التي تقدح البحر نارا لكي يضيء الضمير ، ويغدو محسوسا في الحركة والمدركات والحقيقة .! والجامعة الفاضلة هي التي تصلح ما أفسده العطار المهزلة ، وهي الارتقاء نحو تمكين الشكيمة عند هبوط النازلة .
 
 
الجامعة الفاضلة خبز الوطن الناضج الذي يشبع الأفواه بالزبدة والفاكهة والولائم العزيزة بكل هالة الشرف التي يحملها المواطن العملاق في انضباطه الموسيقي أمام شارة المرور وقوانين التنمية الراقية .
 
 
الجامعة الفاضلة هي الجامعة المناضلة في العلم ، الباسلة في التعليم ، المطلة بالخيرات المعرفية على الجميع دون إقصاء ودون انتقاص ودون عوز ، يطال منها الرعاة كلأ القطيع في الفلوات ، وتغدق من مياهها ينابيع العيون فراتها وارتواءها ، وتلقط من حنطتها كل الطيور قوتها وهديلها ، وينطق في معانيها الأخرس بكل بوحه وتوصيلاته في الحاجة والطلب ، ويسمع وقعها الملائكي من غشيه الصمم ليستجيب نحو الاتجاهات بلا خطأ ، ويرى شواهد لؤلئها كفيف النظر ليغذ
السير وسط أشواك المحبة دون أن يجرح قلبه مسمار جحا ، ويهفو إلى نجواه البعيد ذاك المعاق وهو يتوجه ناحية قبلتها دون تأخير في المواعيد .
 
 
الجامعة الفاضلة ، هي قاعة درس وحس وعظمة على عظمة ومدرجات للتصاعد العلمي والمعرفي ، لا قاعة اجتماعات للنكر والتدليس ومطية لركوب كذبة النقاشات المستفيضة والعبارات المسروقة والدسيسة والتقليعات الاستبدادية التي يفرضها متطفل الإقصاء بمنتهى الخسة والرؤية الخسيسة .
 
 
الجامعة الفاضلة ، رئسها فاضل – فاضل بكل معنى الكلام ، لا يعرف التمثيل ولا التدجيل ولا الخيلاء ، ولم يمتهن الفساد خبزا في ضميره ، فهو من أخلص الفضلاء فكرا وسلوكا وأخلاقاً ، لا يكذب ، لا يتلون ، لا يتقافز ، لا يطعن غدرا ، لا يخون ، لا يفسد ، لا يستبد ، لا يقلد ، لا يزور ، عالم وعلمي وعلاّمة وحجة وداعية وعلامة مميزة في الاستقامة والدعامة ، وله مقامه العالي في الفكر والأدب والأثر والتأثير ، لا يفعل شيئاً من المنكرات والمناكير ،
فاضل في كل شيء صمته والكلام ، أي نزيه متنزه عن الخطايا وعن الولوج في خطيئة الضحايا ، وسأضع علامة استفهام ؟ وأتوقف عن الاسترسال في درج الأوصاف ، لأنها غير واقعية وخيالية .. ما رأيكم رغم كوني أنطلق من تحسسات للواقع والواقعية .؟
 
 
الجامعة الفاضلة ، رئيسها مثل الفارابي وابن سينا والغزالي وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون ، ومثل علي الوردي ومحمد عابد الجابري ومدني صالح ومتعب السامرائي وريكان إبراهيم وحسام الآلوسي وموفق الحمداني وعبد الأمير الورد وآخرين على هذه المراتب في الفكر والعطاء ، الذين ينسون هندام المبالغة ويجافون التصنع باسم الحزب أو العشيرة ، وهم يلهثون من أجل البلاد والوطن وراء الأفكار السلسبيلية ، التي تصنع مادة الذهب وتحول التراب إلى تبر من القمح
والأشعة والأنوار ، ينتخبهم أهل الفضيلة بالإجماع ، ولا يعتمد التعيين المنحرف عن الفضيلة في تنصيب رئيسها أبدا ، فذلك أدعى بإصلاح الواقع ، بعد دلائل الفشل الواقعي الذي نجم عن التنصيب بالتعيين على أنغام الأركيلة ومقتضيات التشكيلة .
 
 
أفاضلها طلاب الفضيلة وأكارمها مانحو علوم الفضيلة ، والرابط المحوري فيها أساسا يقوم على الفضيلة ، وما بعد ذلك لا يكون إلا دوت كوم أو فراغ أخلي عن سبيله ، فالرأي الحر وجودة الرأي الحر قدح الجامعة الفاضلة المعلى ، ولا مجال في رحابها المضيء لأقداح مهشمة ولا لحاويات منتفخة على الفراغ ، ولا لبالات مستهلكة بالغسيل والأوراق التي تداخلت أحبارها بأخبارها ، ولا لبراميل من التماثيل والروبوتات والمحنطين الذين يردون على العاطس : صدقت ..! وعلى
المرائي : أحسنت ، وعلى الظالم : عدلت ، وعلى الخائن : أمنت ، كلا – كلا .. فالجامعة الفاضلة قطعة من جنة مشتهاة بالحق والعدل والاستقامة ، وتماثل نموذج جنة من الآخرة عن طريق المحاكاة والأمل والتمنيات التي تمشي على الأرض بطيرانها المتوازن بين أجنحه القلوب .
 
 
الجامعة الفاضلة بوابتها بلا قضبان ولا صدأ ولا حديد ، وبلا شرطة بدوشكات ولا حراس أميين يتطلعون إلى هويات الداخلين بالمقلوب ، وإنما بوابتها من كلمات وجمل مثيرة بالحكمة والسمو وحسن الاستقبال طمعا في عطاء الذهن وترشيق البدن ، ادخلوها بسلام آمنين ..!
 
 
الجامعة الفاضلة ، حديقتها ورد ونرجس وخس وخيار وزيتون وكرفس وبقدونس وتمر برحي وعنب ديس العنز وبابونج ونباتات عطرة تصلح للشفاء من العلل والأمراض ومن نقص الضمير ومن الإصابة بأنفلونزا الغفلة والبلادة والخنازير ولسعات الزنابير .  
 
 
الجامعة الفاضلة لا تعرف الرعاع ولا اللصوص ولا غشاشي اللبن ومزوري الوثائق والشهادات ، ولا تسمح لأشباههم من المرتزقة وأهل الرشوة والفساد ، ومصاصي دم الشعب والمجتمع والمال العام الحرام ، لكي يكونوا من حملة هويتها ومحسوبين على جلالها وعظمة أخلاقياتها .
 
 
الجامعة الفاضلة ، لا تعرف الأوحال ولا الاحتيال ، أمها النزاهة وأبوها الشرف وهي ما بينهما مثل ملاك أبيض يسر الزائرين والناظرين في الثمرات وحلاوة الثمرات والمنتج والنشاط والعمليات والمخرجات ، يجني من وفير عطائها البائس والمحروم وابن السبيل والفقير والغفير والوزير ورئيس الدولة والبلاد ، وكل ما يجعلهم بشرا حقيقيين مفيدين للمجتمع والدولة والحياة الدنيوية والأخروية .
 
 
الجامعة الفاضلة ، مليئة بالحقائب الفكرية لا الجلدية ، وقُرّاء مكتبتها أكثر قراءة من أعداد الكتب المُخزنة على رفوفها ، وتتجاوز من خلال إبداعاتها العملية الريادية الأصيلة ، كل شكليات الدعاية الإعلامية وموضة الخلويات وسحب البحوث الجاهزة من الإنترنيت ، وتحفر في الملامح الحضارية بصمة شاخصة في المستقبل يشاد بها ويلتجأ إليها دائما من قبل الأجيال اللاحقة .
 
 
الجامعة الفاضلة : عمداؤها أعمدة في الأدب والتربية والشريعة والإدارة والعلوم ، وفلاسفة في الطب والهندسة والزراعة والبيطرة ، ويبدو على ظهورهم التقوس من أثر القراءة والتحليل وحمل البحوث الممتازة إلى سارية الإشادة والإكبار والتبجيل ، يتداولون وزملاؤهم على المنصب تكليفا بالانتخاب لا تشريفا ، بما لا يزيد عن العامين لكي لا تفسد الذائقة ويقع الاستبداد وتأخذهم النفس بوساوس مناقضة الفضيلة في التفكير والسلوك والأداء ، وحتى لا ينحرفوا إلى
شطط التفكير بتوريث المناصب أو شرائها .
 
 
الجامعة الفاضلة : لا يُظلم فيها أحد ، ولا يُحارب فيها أحد ، ولا تنجرف رئاستها عن الفضيلة في العلم والفكر لتتحول إلى كابوي وعنجهية وأكذوبة وعنظزة وسلوكيات تتجاوز على القانون العام ، أو لتصبح طعماً تحت مظلة الرغبة والشخصنة والمعاداة والعصبية والانفعالات الغضبة الطارئة ، وإن حصل مثل ذلك الانجراف العارض في سلوك رئاستها كفلتة زائغة ، فينبغي إيذانها وإنذارها من قبل المراجع العليا بالزوال عن المنصب وتكليف البديل المتميز عنها دون مهادنة
بإجماع الاختيار ، حفاظا على جوهر الفضيلة من الشوائب والأنانية والانتهازية والاحتقار .
 
 
الجامعة الفاضلة : يجد جميع منتسبيها مقاعد لهم دون استثناء ، حسب الاستحقاق والجدارة ، ولكل أستاذ فيها غرفة خاصة مجهزة بالخدمة والإضاءة والاتصالات ، وجميع الأجهزة الإدارية والخدمية والمواصلات الفردية والجماعية ، لا ينبغي تركها مشاعة للمستغلين في قضاء حاجاتهم الشخصية وشؤونهم الحياتية ، ولا أن تكون مشاعة بما يخرجها عن مسارها المتمثل بدعم الجامعة علميا وتعليميا ومعرفيا ، وإذ لا يرتجى من التفريط بأهداف الفضيلة في الجامعة تحت ذرائع
إدارية ومماطلات تسويف كما يشي بها الواقع العملي للجامعات الأخرى .
 
 
الجامعة الفاضلة لا يُعرف لها خريجون عدا أولئك الذين من خلالهم بُنيت الأوطان وتجمل بألوانهم المكان ، وثقل بمنحوتاتهم المعرفية التاريخ والزمان ، للدلالة على صولجان الإنسان .
 
 
الجامعة الفاضلة ليس فيها إرهاب وحشي ضد الإنسان من أي نمط كان ، لا قمعي ولا علمي ولا تعليمي ولا إداري ولا وظيفي ، وليس فيها إدعاءات باطلة من هذا النوع المزدوج في السلوك ، وليس فيها قيود على المعرفة الهادفة باتجاه الخير وصيانة المصلحة الأخلاقية ، وليس فيها عبودية لأحد ولا رقيق لأحد ، وليس فيها طبالون يطبلون لأحد ممالأة ومحاباة ، ولا خراصون يترنحون مع الريح مع أي أحد يسرة ويمنة كمرتزقة وقراد وإمّعات .
 
 
الجامعة الفاضلة فوق الواحد والانتهازية ، وتأخذ الجميع نحو الفضيلة والاعتزاز ، لأنها جامعة ، وسميت على هذا الأساس ، وبالتالي فالجامعة الفاضلة – جامعة ، وليست مُفرّقة – والصلاة أيضا جامعة .
 
 
فقد تعبت الآن .. وسأتوقف ، ولا أريد أن أكون حزينا أكثر وأكثر .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد