إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المفاوضات هى المفاوضات

imagesCAZQK1U1

دكتور ناجى صادق شراب

           
المفاوضات أيا كانت وسائلها وشكلها ووسيلتها تبقى تحمل نفس المضمون ، والهدف ، ولذلك تتعدد أشكال وصور المفاوضات ، بل وهناك من يبتدع شكلا معينا للمفاوضات تحت ذريعة ، ان أحد ألأطراف لا يريد أن يجلس مع الطرف ألأخر وجها لوجه ، هذا الشكل من المفاوضات الهدف منه فقط حفظ ماء الوجه للدخول فى المفاوضات . وعليه نسمع عن مفاوضات عن قرب أو مفاوضات عن بعد ، أو مفاوضات الغرف المغلقة والسرية ، وهناك ما يعرف بمفاوضات المنتجعات السياحية الفخمة التى تبعث ألأمل فى نفوس المفاوضين ، وتحدث حالة من ألأسترخاء السياسى الذى قد يسهل الوصول الى حلول للقضايا حول المفاوضات . وتبقى المفاوضات الفلسطينية ألأسرائيلية من أكثر المفاوضات تنوعا ، ففى سياقها طبقت كل أشكال المفاوضات ، وأخيرا ما نسمع عنه مفاوضات تقريب وجهات النظر ، أو المفاوضات الغير المباشرة عبر الغرف المتلاصقه أو المجاوره ، هى مفاوضات غير مباشره داخل الغرف ، ومباشرة خارج الغرف أو صالات الفنادق التى تعقد فيها . والسؤال لماذا العودة لهذا الشكل من التفاوض ؟ هل هو الشكل الذى يحفظ ماء الوجه للمفاوض الفلسطينى ؟ أم أن هذا الشكل هو الكفيل بالوصول الى حلول للقضايا التفاوضية الصعبة التى عجزت عن حلها المفاوضات المباشرة ؟ وما هو دور الوسيط ألأمريكى ؟ هل سيعمل مثل حامل البريد الذى يوصل رسائل من مكان ألى آخر ؟ قد تكون قيمة هذه المفاوضات أنها قد تحرر المفاوض الفلسطينى من عبء المفاوضات المباشرة التى قد تحمل صورا هو فى غنى عنها ،وأيضا قد تقوى من موقفه التساومى والتنازلى ، وهنا قد يتمسك بموقف أكثر تشددا ، ويترك بقية التفاوض على كاهل الوسيط ألأمريكى . وكل هذه مبررات قد لا تكون مفيده ، فالغاية ليست هنا مجرد التفاوض ، وصولا الى مفاوضات القمة التى تعنى المرحلة النهائية من المفاوضات والتى تعنى أيضا أمكانية اتخاذ القرارات النهائية فى التسوية السياسية  ،وتوقيع أتفاقات تسوية ، وهى وظيفة القاده وصانعى القرار . أذا كان هذا هو الهدف لا بأس من هذا الشكل من المفاوضات . لكن يبدو أن ألمسألة ليست بهذه الصورة القاطعة . فالمعضلة تكمن فى أن خيار المفاوضات وعلى الرغم من التمسك به كخيار أستراتيجى ، وقع فى أزمة قد أستعصت على الحل ، وذلك بسبب قضية ألأستيطان ألأسرائيلى فى ألأراضى الفلسطينية ، فمن ناجية المفاوض الفلسطينى يصر على التجميد الكامل للأستيطان حتى تكون هناك أمكانية لحل الدولتين ، وهو بهذا وضع نفسه فى موقف صعب ، فهو متمسك بالمفاوضات كخيار رئيس ، ولكنه فى الوقت ذاته غير قادر على الذهاب لمفاوضات غير معلومة النتائج أو أمكانية أن تصل الى تسوية نهائية ، وبالتلى لماذا التفاوض ، لأنه فى هذه الحالة ستكون خاسرته مركبه ، وبالمقابل الحكومة ألأسرائيلية حكومة يمنية متشدده فى قضية ألأستيطان ، وبرنامجها ومستقبلها وأستمرارها مرهون على موقفها من هذه المسألة ، هذا كله على الرغم من أن هناك تصور عام لمبدأ مقايضة ألأراضى مقابل الكتل ألأستيطانية الكبيرة . والراعى الأمريكى الرئيس غير قادر على أتخاذ موقف واضح وحاسم فى هذا الموضوع ، ولا يستطيع أن يمارس تأثيرة على الحكومة الأسرائيلية لأنه ياخذ نفس الموقف ، وبالتالى الخروج من هذا المأزق للجميع هى فى هذه المفاوضات غير المباشرة ، أو مفاوضات الغرف المغلقة ، وهو الشكل الذى يفترض ان الطرفين قد تجاوزاه منذ وقت طويل. وبحسابات التفاوض لن يخسر احد من هذا الشكل من المفاوضات ، لأنها فى النهاية هى مفاوضات مباشرة ،. والمهم فى النهاية ليس هو شكل المفاوضات بقدر التاكيد على مضمون وجوهر المفاوضات ذاتها . وهنا لا بد من تسجيل عددا من الملاحظات ، وهى أن المفاوضات الفلسطينية ألأسرائيلية لا تحتمل التسويف والمماطله والتلاعب فى عنصر الوقت ، فهناك ميراث تفاوضى وتفاهمات بين الطرفين يمكن البناء عليها ، ولذلك ينبغى أن تكون هذه المفاوضات من شكل المفاوضات الحاسمة والنهائية ، وفى أطارها كذلك ، لا يجوز أن يبقى دور الراعى الأمريكى الرئيس دورساعى البريد ، بل عليه أن يقوم بدور المبادر ، والحامل لرؤية واضحه وخصوصا فيما يتعلق برؤية الدولتين ، بمعنى أن المطلوب من الدور ألأمريكى أن يكون واضحا فى موضوع الدولة الفلسطينية . والملاحظة ألأخرى أدراك أن جدية هذه المفاوضات مرتبطه بوجود ألأدارة ألأمريكية الحالية التى دخلت عامها الثانى ، وكلنا يدرك طبيعة السياسة ألأمريكية ، فعندما تقترب ألأنتخابات الرئاسية تفقد المفاوضات زخمها ، وهنا يبدو دلالة الحديث عن عامين تنتهى خلالهما المفاوضات أو قيام الدولة الفلسطينية .
إذن نحن لسنا أمام مفاوضات جديده ، على العكس هناك أكثر من ستة عشر عاما من الخبرة التفاوضية ، ويفترض انه قد تم التغلب على مشاكل الثقة ، أو معرفة موقف كل طرف ، والأهم من كل هذا أن المفاوض الفلسطينى قد وصل الى أعلى درجة فى سلم التنازل التفاوضى ، وهذا يتطلب البعد عن أسلوب الضغط المتزايد على المفاوض الفلسطينى وإلا ستنهار المفاوضات مع أول جلسة تفاوضية ، من يملك مفاتيح نجاح المفاوضات هى أسرائيل بإعتبارها سلطة أحتلال ، ولذلك التركيز على قضية الدولة وأنهاء ألأحتلال قد يعتبر خطوة مهمه فى نجاح المفاوضات وأستمرارها . ويبقى أن هذه الجولة تتم فى ظل مشهد فلسطينى معقد من ألأنقسام ، والمفاوضات تحتاج الى قياده مؤمنه بالسلام والمفاوضات ، ولا أعتقد ان هناك بديل أفضل من القياده الفلسطينية الحالية ، فقد سبق أن أضاعت أسرائيل فرصة قيادة الرئيس عرفات كنموذج قادر على تحقيق سلام الشجعان الذى تمسك به حتى مماته ، ولذك لإنجاح المفاوضات ينبغى ألأبتعاد عن اللعب فى عناصر المشهد السياسى الفلسطينى ، والزعم بعدم وجود قياده قادره ، هذه المفاوضات مفاوضات حسم ، وفى مثل هذه مفاوضات ينبغى أن تلعب القياده الدور الرئيس ، وهذا يتطلب أن تكون مفاوضات تقريب وجهات النظر قصيرة ، وحاسمه ، فالمفاوضات ليست حبل أنقاذ لهذه الطرف او ذاك ، بقدر ما  هى أداة من أجل الوصول الى توقيع أتفاق تسوية . وأذا كان هذا هو الهدف ، فقد تكون هذه هى الخطوة الصغيرة الناجحة المطلوبة فى أستمرار المفاوضات .وإذا لم تنجح المفاوضات قى هذه المرحلة فستدخل القضية الفلسطينية فى نفق من المجهول السياسى ، ومن فرض خيارات بعيده عن الخيار الفلسطينى ، لسنا الوحيدين فى اللعبة السياسية ، ولندرك أن القضية الفلسطينية مرهونة بحسابات أقليمية ودولية أكبر من الحسابات الفلسطينية . وأن نستعد منذ ألأن للخيارات البديلة فى حال فشل المفاوضات .
دكتور ناجى صادق شراب /اكاديمى وكاتب عربى
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد