إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

(فلسفة عم فتحي)

 imagesCAJ3K7AR(1)

حسين حرفوش

  لـ حسام عبد العزيز عبية
 
لا تعتقد أنك سوف ترى جديداً عندما تأتى إلى مدينتى .. سوف تجد كل شىء كما تجده عندك .. لا أقصد شمس يوليو الحارقة أو برد يناير القارس.. لا أقصد الباعة المتجولون الذين ذهبت أصواتهم فى النداء ولم يظفروا سوى ببعض الجنيهات.. لا أقصد المحلات التجارية المزدحمة بالرواد والزبائن دون شراء ..لا أقصد المقاهى وروادها النهمين لمباريات الكرة والمصارعة.. لا أقصد الشباب الذين يجلسون فى الطرقات أو يسيرون فى الشوارع يتطوحون من كثرة الضحك ويتغامزون حينما يرون فتاة جميلة.. إنما أقصد تلك الرائحة الغريبة التى تشمها فى الجو.. قد يكون صهد الجو الخانق..قد تكون سحابة حزن ويأس فى قلب أب عاجزاً عن دفع مصاريف أولاده.. قد تكون دمعة انكسار فى عين زوج رحلت زوجته عنه..قد تكون تنهيدة شاب اقترف ذنباً كبيراً.. قد تكون رائحة عرق رجل لم يعد إلى بيته منذ يومين بسبب كسب الرزق..قد يكون أنين شاب طموح اصطاده اليأس فى لحظة حرجة.. قد تكون دموع أم تبكى سفر ابنها على الخارج حيث أنه يترك وطنه لأول مرة.. قد تكون فكرة كاتب لا يستطيع كتابتها على الورق.. أو قد يكون كل ذلك معاً .. المهم أنك ستدرك معنى كلامى حين تركب السرفيس أو حتى (الحنطور).. نفس النظرات الذاهلة والشاردة ..الانحناءة إلى الأمام من ثقل الأعباء.. نفس زحام الأفكار داخلى حتى ماتت من الاختناق .. عندما تترك شارع المركز وتقف فى نهاية شارع السوق سوف ترانى قادماً من بداية الطريق.. سوف تندهش من رؤية انحناءة كتفى إلى الأمام ونظرتى الشاردة وانعقاد حاجباى الدائم.. لست كبيراً فى السن وإنما أنا شاب فى الخامسة والعشرون.. هل تريد أن ترى تلك الغابة من المشاعر المتناقضة داخلى.. سترى مشاعر حنين على أيام الجامعة التى تركتنا نائمين ورحلت.. سترى نظرتى الجانبية للفتاة المارة بجوارى لعلها تنتبه وتنظر لى .. سترى ندمى على أننى لم أصبح مثل هذا الشاب الذى أراه يصلى دائماً فى المسجد وعلى وجهه اطمئنان عجيب..سترى تخيلات البحث عن التعيين كأنها البحث عن المدينة الفاضلة.. تخيلات أننى صاحب تلك السيارة الجميلة التى مرت بجوارى الآن.. تخيلات أفكارى التى تقف أمام بللورة الغيب تحاول أن ترى مكانى القادم فى الحياة.. هل ستظل فى هذه الملليمترات التى تقف فيها.. هل هناك جوهرة ستجدها يوماً ما فى أمعاء سمكة تجعلك مليونيراً..أم ستغادر الحياة سريعاً ويعرف الناس اسمك لأول مرة حينما تموت وتصبح ذكرى لم يعشها أحد.. ستجد أفكاراً تجلس على قارعة الطريق فى وهن تنتظر من يهديها.. سترانى أدخل محل (ساعات) ويدى اليمنى تخلع ساعتى..لا تعرف ما الذى دار بالداخل و ما الذى يهمك فى معرفة ما فعله شخص لإصلاح ساعته.. لكن ما يدريك لعل الشمعة الصغيرة تبدد ظلام قرية بأكملها أو تحرقها.. لن ترى ذلك الرجل الذى دخل المحل أثناء قيام صاحبه بإصلاح ساعتى .. عيناى تجوب الموجودات كلها بلا حماس لأن معرفة الوقت هي أخر شيء يمكن أن أهتم به ولا يبرهن عليه محاولتي لإصلاح الساعة حتى أرد على من يسألني (كم الساعة؟).. لا يهم إذا كان الزمن سائراً أم خاملاً فالحياة أصبحت جثة هامدة.. (رجل هو فى الخامسة والأربعين من عمره)..أخذت أرمق المنبهات و كالعادة لا تجد (منبهين) مشتركين فى نفس التوقيت.. (يداه خشنتان من كثرة العمل ولديه نظرة اطمئنان عجيبة قل أن أجدها في عيون من أرى)…. (منظره من أصحاب الدخل الميت.. لا أستبعد أن يرمى نفسه من فوق بناية عالية أو أن تأتى صورته فى الجرائد تحت عنوان الذى سرق محل الذهب ليستطيع إطعام أولاده.. تلك هي حلولي المنطقية له).. خرج الرجل عن صمته ( إزيك يا أستاذ محسن).. رد صاحب المحل وهو يقيس كفاءة حجر ساعتى (إزيك إنت يا فتحى.. على فكرة أنا جبتلك شغل كده بس بـ 200 جنيه في الشهر).. نهض الرجل فى هدوء الواثق والمطمئن (الحمد لله .. ربك هو الرزاق).. تأمله صاحب المحل لحظات (إنت شايف يا فتحي إنك ممكن توفر حاجة من الفلوس دي).. نظر الرجل إلى الأرض لحظات عابثاً بقدمه فى الغبار الموجود على البلاط كانه يستلهم الإجابة منها .. رفع وجه به ابتسامة اطمئنان وعين بها بريق عجيب (يا أستاذ محسن طالما فيه أربعة جنيه فى اليوم بأكل بيهم العيال واتنين جنيه أجيب دوا ليهم يبقى رضا والحمد له).. ثم قبل يديه فى الجانبين.. توجه إلى باب المحل خارجاً لكنه التفت والابتسامة مازالت ملتصقة بوجهه (يا أستاذ محسن حانبكى ونأزم نفسنا ليه مادام طريقنا مرسوم من قبل ما نتولد .. قول يارب بس يرزقنا الجنة).. ثم ذهب بعيداً ..أعطانى صاحب المحل الساعة .. أخذتها منه وحاسبته بسرعة.. سترانى أخرج إلى الشارع وعينى تلتهم الرجل وهو يسير بخطوات واثقة وقامة قوية مستقيمة لم تنجح الحياة فى إرغامها على الانحناء .. بالتأكيد ستندهش من تصرفى هذا .. لماذا أنظر إليه بكل هذا النهم .. سترى فى وجهى نظرة أخرى غير النظرة .. سترى دمعة تخدش جمود الوجه لكنك بالتأكيد لن ترى أن الفكرة أصبحت غير الفكرة ………………..
 
بقي أن نعرف أن حسام عبد العزيز عبيه من شباب كاتبي القصة الذي نأمل فيه وفي أمثاله خيرا ..وإذ نقدمه على صفحات وطن .. فتأكيدا على دور ( وطن ) في الاهتمام بشباب المبدعين وشيوخهم على السواء .. وحسام عبية هو:  
 
1-    عضو نادي أدب المنصورة بمصر منذ 1998 حتى الآن.
 
2-    عضو نادي أدب جامعة المنصورة في الفترة من 2000 إلى 2002. 
 
3-    فاز بالمركز الثاني في مسابقة يوم الموهوب للقصة القصيرة على مستوى محافظة الدقهلية في عام 1999.
 
4-    فاز بالمركز الرابع في القصة القصيرة على مستوى مدينة المنصورة بمصر عام 2001.
 
5-    أصدر أول مجموعة قصصية بعنوان (البحث عن أشباح أخرى) ضمن كتاب (وريقات من دفاتر الحب والثلج) الصادر عن نادي أدب المنصورة. 
 
 
 
حسين حرفوش
 
كاتب وشاعر مصري
 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد