إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

العمارة : مآساة مدينة سومرية ، تُبكي الحجر قبل البشر !

imagesCABK571Z

حبيب محمد تقي
[email protected]

 

آه … يامدينة القهر ياميسان .
أحلامك تبكي دماً ، على عهر الزمان ، وطغيان أشباه الزعامات .
وأطلال أمجادك تذرف أنهار من الآوجاع ، وتنساب صوب أرشيفها المغروس بألواح الطين في أحشائها . فتتململ حروفها المسمارية تغربا ، من عار هذا الزمان .
أهوارك عطشى .
وبساتينك تبكي ترمل نخيلها .
ودجلة بين الحياة والموت تضمد جفافها .
ميسان هيهات منك الذلة !
يا قمراَ في سماء العراق
وشمساً في غياهب دجاه
ذاك هو عرشك ، محفوظاً مع أول خيوط الفجر الآتي …

 

ميسان ; العمارة ; مدينة سومرية من عمق التاريخ . رحمها عامر وولاد . أنجبت للعراق ، أولى المفاخر من الحضارات . وعلمت البشرية أنواع الزراعات . وفن الكتابة على الطين والبردي ، لوحات آزليات . وذاع صيتها بين الأحياء والأموات . وكتب عن مناقبها ، الأعداء قبل الأصدقاء . وتغنى بها فحول الشعراء . وأنشد لها ، أسياد الطرب والغناء .
كيف لا ، وميسان هي التي من رحمها أنجبت أحرار وأوفياء .
هي موطن الآلهة الأولى . مدينة القصب والسكر والبردي والنخيل وأجود أنواع التمور . كريمة هي ّ بمياهها الجوفية ، وبمستعمراتها المائية و بنهر دجلة الآزل ، وبأسماكها وطيورها المتنوعة النادرة . وبسمائها الحبلى على الدوام بنعمة المطر ، أما نسائمها ومروجها وسهولها ومراعيها وبتنوع خيراتها الحيوانية ، فحدث بلا حرج .
وفيها من خصوبة التربة ، ما هو كفيل بأطعام جياع الدنيا وجياع سكان عطارد وزحل والزهرة وحتى المريخ أذا نخاها!
وميسان : جزيرة عائمة على بحيرات نفط وغاز ، وبوفرة في باطنها المعطاء .

 

مدينتنا السومرية ; ميسان ; متعددة الأعراق والأديان ، تتزاوج فيها وبثراء ووئام وتناغم ، ثقافات متعددة . عربية أصيلة وفارسية وتركية ولورية وكورية وهندية .
مدينة سباقة بالتضحيات . دفعت بأبناءها الى ميادين النضال والسياسة والأحزاب . الكثر من بناتها وأبناءها ، أنخرطوا في الحركات القومية والأسلامية والشيوعية . ولم تبخل في تقديم خيرت أبناءها ، قرابين فداء للهوية ، وتحت يافطة تلك المسميات أعلاه . التي لم يكن هم زعاماتها وللأسف ، سوى حشد الأعداد من الأتباع ! دون أن يكون لها بوصلة وطنية حقيقية مجردة من الأنانية والذاتية . لتأخذ بيدهم الى بر الأمان ، في حياة حرة آدمية متحضرة . تليق بعطاءهم وتضحياتهم وغنى ثرواتهم ، البشرية والمادية .
ميسان : تتوفر فيها كل المقومات والركائز، الى منافسة أرقى المدن العمرانية والتجارية والسياحية في المنطقة وحتى خارج حدود منطقتها .
فليست دبي أو الدوحة أو الشارقة ، أكثر منها غنى بالخيرات أوالموارد ولا أعرق منها بالحضارة والأصالة . لاكنها تفوقت عليها ببوصلة الزعامات وأراداتها ليس الا !

 

الساسة الجدد ، المحليون كما في المركز ، الذين جاءت بهم أمبراطورية الشر لحكم العراق . كلهم ودون أستثناء ، أستغلوا مظلومية ميسان .
فماذا فعلوا بعد أن جيء بهم الى العرش طوال سبعة أعوام ؟
أجتثوا الجهاز الأداري المحلي القديم ، وجاءوا بطاقم أداري جديد من وحي المحاصصة الطائفية التي أعتمدوها أساس لحكمهم . طاقم أداري جديد شره في فساده . عطل كل أمكانية للنهوض بهذه المدينة المنكوبة .
أستشرى الفساد والسرقة والنهب للمال العام في جميع المفاصل الأدارية . سيما منها المرتبط بالخدمات المباشرة ذا الصلة بالحياة اليومية للميسانيين . وطال أيضا البنية والقاعدة الصناعية والأقتصادية للمدينة . التي كانت بنيتها التحتية موجوة أصلا ، وكان يعول عليها في مشاريع مطورة لاحقة . للنهوض بواقعها التنموي .
فمصنع الورق و مصنع البلاستيك ومصنع قصب السكر ، ومعامل الحجر والمرمر والطابوق والمشروبات الغازية . معامل ومصانع شبه معطلة . بسبب من عمليات الأختلاس والسرقة والنهب وأنعدام الأدامة والصيانة والتجهيزات الحديثة . والحال نفسه ينسحب وبذات التفاصيل
على مصفى المدينة للمنتجات والمشتقات النفطية . الذي كانت طاقته الأنتاجية قبل الأحتلال حوالي خمسة وعشرين الف برميل يوميا ; حسب أرقام المقارنة لوزارة النفط الحالية ; واليوم لاتتجاوز أنتاجيته أكثر من عشرة الف برميل يوميا ، حسب نفس المصدر . هذا بالأضافة الى أنخفاض أنتاج حقول النفط العاملة ولنفس الأسباب أعلاه .
زد على هذه الكوارث كارثة مضافة ، تتمثل بسرقت النفطين الخام ومشتقاته وبيعه بالأسواق السوداء ، في وضح النهار وعلى مرآى من أبناء المدينة ; عينك عينك ;! وفوق هذا وذاك من الكوارث المحدقة بالمدينة تأتي الطامة الكبرى ، في أستباحة المواقع الآثرية لمملكة ميسان . تلك المكتشفة والمعلمة والمسيجة ، قبل الاحتلال والتي تنتظر دورها في أستخراج كنوزها الآثرية التاريخية التي تحكي تاريخ حضارة لمدينة عريقة وشعب أعرق . ولكم أن تتصوروا هول الفاجعة !

 

أن الزائر للمدينة ينصدم منذ الوهلة الأولى ، بمظاهر البؤس والشقاء والحرمان . فلا تتوفر في المدينة فنادق أو مطاعم أو حتى مقاهي . ممكن أن تجذب أي زائر أو سائح . حتى وأن كان هذا الزائر قادم من أرض الصومال !
أما شوارعها وأرصفتها ومستعمرات القمامة فيها ، فتجعلك تظن أنك في مدينة من مدن المجاعة النائية في أفريقيا ! أما أحياءها ، فعبارة عن عشوائيات مبعثرة وبدائية ، ولا توحي بأي مسحة حضرية .

 

أن هذا الحال المخزي والمبكي ، لا يختصر على مدينة ميسان . بل يشمل قاطبة مدن الجنوب ، وأن كان بدرجات متفاوتة نسبيا . وتمثل مدينة العمارة أقسى وأشد صورها البائسة . والحل مرتبط جذريا بزعامات الحكومة المركزية في بغداد . التي تعاني من مرض مزمن ، هو فقدان البوصلة الوطنية الحقة !

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد