إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

بول بريمر: (كل سُنّي بعثي.. وكل بعثي صدّامي.. وكل صدّامي نازي)!!

Pule

((إنهم نازيون))..هكذا يسمّيهم بول وولفووتز، نائب وزير الدفاع، مشيراً بذلك الى ((العشائر السُنّية في العراق)) كما يقول المحلل السياسي آلين كويك في تقرير نشرته صحيفة آسيا تايمز. ومن جانب آخر يقول بول بريمر، رئيس سلطة التحالف المؤقتة في بغداد لسنة كاملة (2003-2004): ((كل سُنّي بعثي، وكل بعثي صدّامي، وكل صدّامي نازي)). لكنّ المحلل السياسي يرى أن الحكمة تستدعي أن يسمّي المرء الأشياء بأسمائها الحقيقية، كما يقول مثل صيني قديم، أو هي حكمة تنسب الى كونفوشيوس الذي يوضّح ذلك بالقول: ((إذا لم تكن الأسماء صحيحة، فإن اللغة لا تتطابق مع حقيقة الأشياء، وإذا لم يحدث هذا التطابق، فإن الأمور لا يمكن أن تسير بنجاح)). 

 
   ويقول كويك: هذا الكتاب -(التحدث الى الإرهابيين) وهو عبارة عن أحاديث أجراها مارك بيري مع الإرهابيين- في جزء كبير منه، عبارة عن قصص لحفنة من الناس استطاعوا كسر قيود الاصطلاح الرسمي، وتعلموا إطلاق الأسماء الصحيحة على الأشياء. بعض هؤلاء كانوا قادرين على استعمال المعرفة للوصول بأمورهم الى "النجاح"؛ وبعضهم الآخر –مثل مارك بيري- مؤلف هذا الكتاب يحاولون أن ينقلوا الى الآخرين الأسماء الصحيحة. وفي حالة بيري، فإن هذا الذي حاوله ليس ممارسة أكاديمية جافة، لكنه "مهمة مستعجلة"، كانت كلفتها تسمية الأشياء بأسماء خاطئة، قيست على اللحم والدم منذ تفجيرات 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة، ومع تصاعد أعداد الجثث في الكوارث التي أعقبت تلك الكارثة، يؤدي بيري مهمته بـ"عاطفة" واضحة، لكنها قميئة.
 
   والنصف الثاني من هذا الكتاب، يمثل رحلة بيري في الاكتشاف، وهو يحقق في "الإسلام السياسي" كما يسمّيه، عبر أحاديثه مع "الإرهابيين" كما تسمّيهم واشنطن. والكثير من مادة هذا الكتاب نُشرت في الأصل من قبل صحيفة آسيا تايمز، كتقارير لقصص صحيفة خلال سنة 2006، وتحت عنوان: كيف نخسر الحرب على الإرهاب. ويؤكد المحلل السياسي آلين كويك أن هناك الكثير الصالح للتعلّم في مناقشات بيري مع زعماء مجموعات مثل "حزب الله" و"حماس"، الكثير الذي يمكن للمرء أن يأمل أن الزعماء الغربيين يتعلمون منه بشكل عاجل، لأنهم إنْ لم يتعلموا ذلك، فإنهم سيستمرون –وبشكل مباشر- في إضافة المزيد من القوة الى يدي أسامة بن لادن، كما أن "الحرب على الإرهاب" ستنتهي الى الخسران!.
 
   ويوضح النصف الأول من الكتاب، كيف أن حكمة كالتي مرّ ذكرها، توضع في حيز الممارسة على الساحة العراقية، مغيّرة مدّ الحرب. ويرى أن من السخرية القاتلة، أن يكون الجنود الأميركان في حقول المعارك بينما "الصفوة المختارة" في واشنطن من السادة السياسيين، ورجال الدولة ونسائها، والمشرعين، والستراتيجيين، يرسلون الجنود ليموتوا فيما هم يتغنون بسحر كلمتهم التي لا معنى لها، والتي يقولون فيها ((نحن لا نتحدث الى الإرهابيين))، ويتركون لعاب حلوقهم يسيل وهم يتوهّمون أحلامهم بإعادة تشكل "الشرق الأوسط"!.
 
   وفي مسعاه المبكـّر سنة 2005، التقى بيري شخصاً "ما" قيل إنّ له علاقات وثيقة مع تمرّد يقوده السُنّة". وسأل بيري محدّثه حول شائعات تزعم أن ضباطاً عسكريين أميركان كبار، قد اجتمعوا –بشكل هادئ وسرّي- بمتمردين عراقيين، ينشطون تحت قيادة "شيخ" كان موجوداً في الأردن خلال السنة السابقة (أي سنة 2004). لكن المتحدث تجنّب الخوض في الإجابة عن هذا السؤال، وانتقل مع بيري لمناقشة قضايا أخرى، الى أن تبدّى واضحاً لبيري أنه يتحدث الى "إرهابي"، فقال له: ((أنت الشيخ))!.
 
    قال الشيخ: ((ذلك صحيح)).
 
    فأجابه بيري: ((أنت مع التمرد العراقي)). وأضاف: ((أنت الجناح السياسي للتمرد العراقي؟)).
 
   أجابه الشيخ: ((نعم، ذلك هو أنا)).
 
   ويقول بيري أنه تردّد للحظة. وقال: ((لا أعتقد، أستطيع أن أكون في هذه الغرفة)). ثم ران الصمت على المكان، فيما كانت ابتسامة تعلو وجه الشيخ. وسأل بيري قائلاً: ((لم لا))؟!.
 
   فأجابه بيري: ((لأنك تقتل الأميركان))!.
 
   فرد الشيخ: ((نعم ذلك صحيح)). وأضاف: ((لكنْ لا تقلق أنا أجتمع دائماً مع الضباط الأميركان في هذه الغرفة خلال الأشهر الـ18 الماضية…)).
 
   والشيخ "الكعود" شخصية رئيسة في الجزء الثاني من الكتاب، والذي يتحدث "ضربة فضربة" عن محافظة الأنبار سنة 2005، والتي كانت حقلاً هائلاً لقتل الجنود الأميركان، والعراقيين على حد سواء. ويقول المحلل السياسي كويك: إن الأبطال غير المحتملين لهذا الكتاب "إرهابيون" أو "نازيون" كما يحب وولفووتز أن يصفهم، وضباط المارينز الأميركان الذين حُرضوا ضدهم الى أن تعلموا تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة.
 
   ويضيف المحلل قائلاً: في الأنبار، بدأ هؤلاء الضابط في قوة المارينز يفهمون أن الناس الذين كانوا يقاتلونهم –المقاومة السُنّية- لم يكونوا إرهابيين، ولا نازيين، ولا صداميين. هم كانوا ببساطة عبارة عن "ناس ألقي بهم في لحظة زمن خارج وظائفهم"، مدنيين وعسكريين، بعدما فرضت الولايات المتحدة سياستها بـ"حماقة مأساوية" تحت عنوان "اجتثاث البعث" ونصّبت الشيعة "المحكومين"، حكاماً عليهم. في الحقيقة، كان "العدو" فقط "عدوّاً" لأنّ واشنطن أفتت بذلك، وأرادته، برغم أن ذلك كان الأوهى أو الأضعف بين الحجج التي أطلقتها العاصمة الأميركية.
 
   ويصف بيري كيف أصبح العراق يذكـّر بألمانيا، وسياسة دول التحالف في اجتثاث النازيين؛ وكان وولفووتز يأخذ النماذج من أفكار أحمد الجلبي اجتثاث البعث. والجلبي، زعيم حزب المؤتمر العراقي زوّد دوكلص فيث، وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة، بورقة عن اجتثاث النازيين في ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وتشدّد أن الاحتلال الأميركي الناجح لألمانيا، كان في أهم أسبابه إزالة جميع المسؤولين النازيين من الحكومة الألمانية، المشبته بهم والمثيرين للجدل. ويؤكد الكولونيل الذي راجع هذه الدراسة: ((لا أحد دقق في الموضوع ليرى إن كانت الطروحات حقيقية)). وأضاف: ((فيث وطاقمه أخذوها ببراءة))!.
 
    وكان الجلبي قد أصر على أن ((العراق يحتاج الى برنامج شامل لاجتثاث البعث، وحتى أكثر شمولاً من جهد اجتثاث النازيين في ألمانيا)). ونقل مؤلف الكتاب عن الجلبي تأكيده: ((أنت لا تستطيع قطع رأس الأفعى، وترك جسدها متقيّحاً..لا تستطيع فعل ذلك)).
 
   أما بالنسبة لوولفووتز الذي كتب عبارته ((إنهم نازيون)) تحت هامش مذكرة صادرة من رئيسه في البنتاغون، وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، اكتشف إمكانية إلصاق هذه التهمة بالمقاومة السُنّية: وأحد مساعدي رامسفيلد الكبار، شخص لاحقاً هذه الملاحظة بقوله: ((وولفووتز لم يكن متوازناً في هذا الأمر. لقد اعتقد أن المقاومة السُنّية، لم تكن حتى مقاومة. أنت لا تستطيع أن تتعامل معهم. وهو دائماً يصفهم بالنازيين. إطلاق هذه الكلمة كان تقريباً تصرفاً شخصياً لا إرادياً. وعندما يتحدث أي شخص حول هذا الموضوع، يصبح غاضباً جداً، ويبدأ بالاهتزاز، كان موقفه غريباً الى حد ما)).
 
   وبينما كان وولفووتز يؤدي دوره التمثيلي في الاهتزاز داخل البنتاغون، كان الجنود الأميركان –كما يقول المحلل السياسي لآسيا تايمز- يموتون في العراق، والمارينز في الأنبار، وضباط من فيلق الشؤون المدنية الثالث، تعلموا كيف يقيمون اتصالاتهم مع أعضاء في المقاومة السُنّية. لقد تعلموا من أحد زعماء المقاومة، قوله: ((نحن لسنا عدوا لكم…القاعدة عدوكم. إذا تركتمونا، فسوف نتخلص منهم. لكنكم لا تستطيعون قتالنا في الوقت نفسه. نحن نختلف. نحن سنوقف الرمي، وننشغل فقط بالإرهابيين. نحن لسنا إرهابيين، نحن متمردون. وهناك اختلاف)).
 
    وقد كتب أحد الأميركان الذي شاركوا في هذا الحوار يقول: ((نحن لم نعلم العراقيين؛ هم علمونا. لقد تراجعنا عن أجحافنا؛ لقد حققنا بما أخبرونا به. ورفضنا اللغة السهلة للإرهابيين. لقد أصغينا وتعلمنا)). تدريجياً وبعد العديد من النكسات، تعلم الطرفان الأميركي والسُنّي على العمل معاً لمصلحة الأنبار. وواحدة من هذه النكسات جاءت، عندما أمرت واشنطن بالهجوم على الفلوجة لمعاقبة المتمردين على قتل 4 موظفين في شركة بلاكووتر للأمن الخاص. وعندما تلقى الجنرال جيمس كونواي قائد قوات المارينز الأمر، كان قد صُعق ثم غضب، ليقول: ((بحق الجحيم ما الذي يفكرون به؟. يجب أن لا نفعل هذا. إنه فقط سيجعل الأشياء أسوأ، أسوأ كثيراً جداً)) كان يصرخ، وهو يرفس قبعته أمام غرفته.
 
   والانتكاسات الأخرى كانت تأتي من الفاشلين في واشنطن الذين كانوا يصرون على أن التمرد يمكن، ويجب أن يُقهر فقط بقوة السلاح. وفي واحدة من المناسبات، وصل الكولونيل جون كولمان، وهو رئيس هيئة أركان الجنرال كونواي الى العاصمة الأردنية عمان، لحضور مؤتمر لزعماء المقاومة، فقط ومن ثم يعود الى المطار. لكنّ عاصفة رفض هدرت في المؤتمر، فأعلن أن كولمان شخصية غير مرحب بها في الأردن.
 
   وبالرغم من ذلك –يقول المحلل السياسي- كانت الأنبار في نهاية المطاف قد استقرت. والكثيرون حاولوا أخذ "الأمان" من وزير الخارجية حينئذ كونداليزا رايس التي ادعت إنها دعمت مساعدة الأنبار منذ البداية والى مستوى أن اقترن اسم "السورج" أي تدفق القوات الأميركية الإضافية على العراق بـ"النصر" الأميركي في العراق. 
 
   من ناحية أخرى، كتبت أن نجاح أميركا هناك ((كان يجب أن لا يُعمل بتدفق قوات إضافية، إنما بتدفق في التفكير…إن المقامرة الحقيقية في العراق، لم تكن في نشر المزيد من القوات لقتل الإرهابيين؛ المقامرة الحقيقية كانت في إرسال المارينز للتحدث إليهم)).
 
   ويقول المحلل السياسي لصحيفة آسيا تايمز: اليوم تبدو واشنطن، باقية بعض الشيء غير واضحة في فهمها للموقف، بينما هي تحاول بشكل متزامن إرسال قوات إضافية الى أفغانستان للانشغال بحرب طالبان. هناك على ما يبدو كلمة سحرية جديدة: ((أولاً نضربهم، ثم نتحدث إليهم)).كما لو أن هذا يجعل الحوار أكثر فعالية، ويهدف الى سلام واستقرار دائمين.  
 
   ويختتم المحلل السياسي قوله: إنّ رجال الدولة، وصناع القرار في واشنطن يجب أن يقرؤوا هذا الكتاب، عاجلاً. لأنّ الأوغاد لن يعثر عليهم في ما يسمّونه "عرائن الإرهاب" في الأنبار، بل سيجدونهم في أروقة سلطة واشنطن جميعهم مدنيون، لكنهم يبدّدون الأرواح بلا حساب. والاسم الحقيقي لهم "الصقور الدجاجيون"!. 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد