إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كأنّهن نحن!.. بقلم: أحمد مطر

Main Matar

كانت مفاجأة قاسية بالنسبة إلى إحدى الأسر الإيطالية، عندما اكتشفت أنها طوال 15 عاماً من زيارتها المستمرة لضريح أحد أقربائها، إنّما كانت في الحقيقة تزور ضريح رجل آخر، ذلك لأن شاهدة ضريح قريبها كانت قد استبدلت عن طريق الخطأ بشاهدة الضريح المجاور له.

 
اعتذرت السلطات المحليّة عن هذا الخطأ، وعرضت على الأسرة «قبراً مجانياً»… على سبيل التعويض!
 
كأنهم نحن… أليس كذلك؟!
 
وأقول «كأنهم» لأنّ كاف التشبيه الواقفة بيننا وبينهم هي مجرّد أداة وصل تجريدية لا تمس سوى المظهر، شأنها شأن «توأمة المدن»، أمّا في الجوهر فثمة فوارق هائلة بيننا وبينهم لولا وجودها لا تنفى وجود هذه الكاف، ولأصبح لزاماً علينا القول إنهم نحن… وهذا أمر لا نطمع في أن ننال شرفه ولو في الأحلام.
 
المفاجأة القاسية التي ألّمت بتلك الأسرة الإيطالية هي بالنسبة إلي وإبلى كثيرين من إخواني في العروبة والإسلام، ليست سوى مفاجأة سارّة، مشكلتنا معها هي أننا لا نملك أدنى قدر من الفرح اللائق بها إذا وقعت لنا.
 
خذ عندك أولاً، أن قريب هذه الأسرة ميت وليس مقتولاً. وثانياً، أنهم يعرفون مكان دفنه، إذ لم تتجاوز الغلطة تبديل شاهدته بشاهدة القبر المجاور له، أي أن روحه كانت على بعد خطوة منهم، ما يجعل صلواتهم تصل إليه كيفما كان اتجاه شفاههم، وثالثا، أن السلطات اعتذرت عن غلطتها، على رغم أنها لم تقتله!
 
خذ عندك الآن أسبابنا الموجبة لبقاء كاف التشبيه:
 
• الميت عندنا مقتول دائماً، قتلاً صريحاً أو مستتراً بالجوع أو المرض أو القهر أو الحزن أو اليأس.
 
• هذا الميت المقتول لا يملك ترف السكن مستقلاً، لأن الاشتراكية التي زعموا أنّها لم تفلح، قد أفلحت، بشكل منقطع النظير، في جعل جميع قبورنا «جماعية»، الأمر الذي تنتفي معه ضرورة وضع شواهد بعدد الموتى، وهنا يجب أن نتذكّر أنّ الوحدة التي زعموا أنّها لم تتحقّق، قد أفلحت بلا جدال في أن تشمل الجميع بشاهدة واحدة غير مكتوبة، يمكن لأيّ عاقل محترس أن يدرك أنّها تقول «الموت للخونة».
 
• هذا الميت المقتول… ضائع الذكر فوق الأرض، مثلما هو ضائع في بطنها، وعليه فلا موجب، على الإطلاق، لاعتذار السلطات… فعلام تعتذر؟ ولمن؟ إنّ أهله لا يعرفون أبداً ما إذا كان حياً أم ميتاً، والسلطة ليس من أخلاقها أن تفضح أسرار الأمن القومي.
 
• لم يبق، إذن، إلاّ «القبر المجّاني»… وهذه المسألة، والحق يقال، هي وحدها التي تعلّقنا من ياقاتنا على حائط الإيطاليين بواسطة كاف التشبيه.
 
نعم… يقتضينا الإنصاف أن نقر بأنّ الغبيّ منّا الذي يفكّر في أن يسأل عن «ميتة المقتول»، سيحصل على قبر مجّاني فوراً ومن دون أيّ تأخير… الأمر الذي ينفي الزعم القائل إنّ السلطات عندنا مكبّلة بقيود البيروقراطية وبطء الإجراءات… فالحمد لله.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد