إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

صقر 2012.. بقلم: مرح البقاعي

DickCheney

دعا مايك هوكابي أحد صقور اليمين الأميركي المحافظ، وواحد من مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، دعا إلى ترشيح نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة في العام 2012. جاء ذلك في وقت تصاعدت الانتقادات الموجهة للرئيس باراك أوباما وهو يدفع حثيثا في أروقة الكنغرس ـ المنقسم أصلا على نفسه ـ باتجاه تمرير مشروعه في إصلاح الضمان الصحي، فيما يشبه "التأميم" ـ إن جاز التعبير ـ للرعاية الصحية، لينتهي هذا القطاع المفصلي والاستراتيجي في عهدة ملفّات الحكومة الأميركية ببيروقراطيتها الموسعة، وصلاحياتها المتطاولة، التي يعارضها الجمهوريون بشِدّة. ومن المعروف عن هوكابي تصريحه اللاذع، ذي اللهجة التهكمية، لمجلة نيوزويك حين قال: "نحن في الولايات المتحدة بصدد تشكيل جمهوريات اشتراكية" مضيفا في حينها: "لابد أن لينين وستالين معجبان بما يجري في أميركا"!

 
الأقل تشدّدا بين صقور المحافظين، من أمثال نيوت غينغرش، يعتقد أن "أوباما يحاول استنساخ التجربة الاشتراكية الأوروبية"، حيث ما يقارب ثلثي مجموع أعضاء دول الاتحاد الأوروبي تحكمها أحزاب ذات توجّه ديمقراطي اشتراكي أو عمّالي، رغم أن اليمين كان القوة الأساس في بناء أوروبا.
 
أما موقف اليسار الديمقراطي المعلن فيتمثل في ما أدلى به أحد منظريه، هارولد مييرسن: "إن أزمة الرأسمالية الطاحنة اليوم تبرهن على نجاح الرؤية التي أعاد من خلالها الاشتراكي الألماني إدوارد بينشتاين تعريف الاشتراكية، أواخر القرن الفائت، باعتبارها الجهود المبذولة لإضفاء مسحة إنسانية على الرأسمالية، وذلك من داخل آليات الحكومة الديمقراطية".ومييرسن يعيد قراءة التاريخ ليقرن سياسة أوباما بسلفه الرئيس الأميركي  فرانكلين روزفالت، فكلاهما، واجها نظاما رأسماليا مثقلا بحمى الاستهلاك، والمضاربة الهيستيرية للاستثمارات الخاصة، والبطالة المستشرية في أوصال المجتمع؛ ويرى أن أوباما – كما روزفلت من قبله – لا يسعى إلى إقامة نظام اشتراكي في أميركا بقدر ما يتطلع إلى إنعاش النظام الرأسمالي المتهالك بعدما وصلت به الحال إلى غرفة العناية المشدّدّة!
 
إلا أن تراجع شعبية أوباما بشكل لافت، كون الخطوات الجريئة التي اتخذها لتحفيز الاقتصاد الوطني ووقف انهيار المؤسسات المصرفية الكبرى لم تؤت ثمارها، ولعدم تراجع نسبة البطالة كما كان يفترض حسب خطته لإنعاش الاقتصاد، إضافة إلى إعلان "حربه العادلة" في أفغانستان، ليست إلا عوامل نفّاذة ساهمت مجتمعة في عودة اليمين الجمهوري بقوة إلى الساحة السياسية.
 
فمنذ انطلق الدخان الأبيض في واشنطن معلنا فوز الديمقراطي أوباما برئاسة الولايات المتحدة، ارتفع من جانب المعسكر الجمهوري المهزوم دخان من لون آخر، يهدف إلى تدارس أسباب الهزيمة المدويّة التي شهدها الحزب الجمهوري، في السلطتين التشريعية والتنفيذية، بعد أن كان قد فرض منذ العام 2002 سيطرة كاملة على نظام الحكم في الولايات المتحدة لم تشهده البلاد منذ أربعينات القرن الفائت في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور.
 
ديك تشيني، الصقر العتيد، يعود بكثافة إلى الواجهة الإعلامية السياسية منتقدا إدارة أوباما دونما تحفّظ، متهما الرئيس شخصيا بـ "التلكؤ" في اتخاذ القرارات القيادية وبـ "قلة الخبرة". وكان قد وصف أوباما في مقابلة لموقع بوليتيكو المعروف بأنه "يتجوّل في العالم ليوزّع الاعتذارات الأميركية على نظرائه من رؤساء الدول!" وأشار في معرض حديثه "أن أميركا ليست بحاجة أن تكون محبوبة، بل أن تكون محترمة في العالم"! وعبّر عن خشيته من تعرّض أميركا لهجمات قد تكون أخطر من أحداث الحادي عشر من أيلول "إذا كان منفذوها مسلحون بما هو أكثر من بطاقة سفر"، وذلك في ظل نهج التراخي في التعامل مع الإرهاب الدولي، بل والانشغال عن ذلك بتأمين حقوق قانونية لسجناء غوانتانامو قد توازي حقوق المواطنين الأميركيين أمام المحاكم الفيدرالية!
 
عودة تشيني المعزّزة بحملة من الهجوم الواخز، دفعت بالناطق الرسمي للبيت الأبيض روبرت غيبس إلى التفنيد والرد على كل تصريحات واتهامات تشيني، نظرا لحساسيتها وارتباطها ارتباطا وثيقا بالأمن الوطني الذي يعتبر تشيني من جهابذة المنظرين له، تماما كما يعتبر نائب الرئيس الأكثر نفوذا في التاريخ الأميركي. ولن ينسى الأميركيون أن الموقف الجمهوري الصارم من قضايا تقنين الهجرة وتمكين الأمن الوطني والحرب على الإرهاب في العالم هو ما جنّب الولايات المتحدة خلال السبع سنوات الماضية هجمات إرهابية محتملة.
 
يعتقد الجمهوريون، دونما جدل، أن ليونة إدارة بيل كلينتون في التعامل مع قضايا الإرهاب ولا سيما إثر الهجمات الإرهابية على سفارتين أميركيتين في شرق أفريقيا في عهده إلى جانب عمليتين في السعودية ومحاولة إغراق المدمّرة كول على سواحل اليمن ومقتل العديد من الأميركيين في هذه الأحداث، هي العامل الأساس الذي شدّ من عضد  تنظيم القاعدة وحولها إلى شبكة إرهابية دولية منظّمة. وهم يرون أن أوباما اليوم يسير على خطى كلينتون الأمس، بل ويضيف سوءا إلى سوء، غاضّا البصر عن بؤرة تفريخ التطرف الإسلامي الرسمي والكره العقائدي الموجّه في إيران الفارسية، متغاضيا عن رعونة نهج ولاية الفقيه في تجاهلها اللامبالي للنداءات، بل القرارات الدولية، التي تطالبها بالحدّ من تصعيدها النووي السيئ النوايا.
 
أميركا القرن الواحد والعشرين ذات الخمسين مليون مواطنا بلا ضمان صحي، والتي تترنح بين شفيريّ العجز المالي العام الذي يقارب الإفلاس وبين معدلات البطالة القياسية التي تمزّق أوصالها، أميركا التي شهدت فداحة الإرهاب في أيلولها الأسود والتي فقدت حتى لحظة كتابة هذه السطور 4371 شابا من خيرة أبنائها في ما يدعى "عملية حرية العراق"Operation Iraqi Freedom، و936 آخرين في عملية الحرية الدائمة في أفغانستان Operation Enduring Freedom، وذلك حسب موقع icasualties.org الذي يحصي ضحايا الحرب ضد الإرهاب، أميركا تسأل: كم نعشا جديدا ستستقبل قبل عودة أبنائها من حروبهم وراء البحار؟ وكم خوفا ستعيش حين تجد نفسها، كأمة، في مواجهة وحش التطرف العقائدي المدجج نوويا، وكم أملا ستودّع إذا ما استمرت إدارة "المخلّص" أوباما بخذلانها، وخذلان العالم؟! 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد