إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ذئاب بلحية ومسبحة

 

 د. نضال الصالح

في مكتبي أتحدث مع صديق لي عبر الهاتف عندما لمحتهما واقفين أمامي. إمرأة محجبة، تلبس رداءا يغطي كافة جسدها، ما عدا الوجه واليدين، ورجل يلبس بدلة وعلى رأسه حطة بيضاء وعقال أسود . وقفا أمامي كتلميذين واقفين أمام مدير المدرسة في إنتظار قراره بعقابهما على أمر إقترفاه. إعتذرت من صديقي وأغلقت الهاتف ثم نظرت إليهما متسائلا. كان منظرهما خارج عن إطار المألوف في بلد أوربي مثل سلوفاكيا وحتى في مكتبي.
تكلم الرجل قائلا: نحن نبحث عن الدكتور نضال." أجبته:" إنكم تنظرون إليه" ثم دعوتهم للجلوس وعرضت عليهم القهوة أو الشاي فطلبا ماءا. أحضرت لهما زجاجة ماء وكاستين وجلست خلف مكتبي انتظر منهما تفسيرا. قال الرجل:" جئنا نبحث عن إبنتنا فلقد كتبت لنا أنها تعمل لديك." غصت لحظة في بحر أفكاري أبحث عن كلمات ملائمة كي أجيبهما على سؤالهما المحرج . إبنتهما لها قصة محزنة وقصتها واحدة من قصص كثيرة مماثلة عايشتها في أوروبا.

في ذات يوم دخلت مكتبي فتاة محجبة وقالت لي انها فتاة عربية تدرس الطب وتبحث عن عمل يساعدها مدخوله في مصاريفها الدراسية والمعيشية. ثم تابعت:" أنت تعرف خالي وهو، على ما أظن، صديقك، ثم سمته لي." أجبتها بأنه فعلا صديقي وتربطني به صلة قرابة ولكنني لم أعرف أن له أخت أو بنت اخت." فردت قائلة:" لقد عشنا طويلا في الكويت ولعل ذلك هو السبب في عدم معرفتك بنا." أخبرتني بأنها تتقن الإنجليزية والسلوفاكية ويمكنها العمل في الترجمة في أي مجال يتطلب ذلك.
لم يكن في مكتبي مكان لأي موظف، فمكتبي صغير يحتوي على طاولة وهاتف وفاكس وبعض المقاعد. أخذتها إلى صديق لي، مكتبه يجاور مكتبي، وقدمت الفتاة على إنها إبنة أخت صديقي وقريبي وسألته العون في إيجاد عمل مناسب لها. أجاب بأن جارنا المصري، الذي يملك مكتبا تجاريا في نفس الطابق، لا يتقن السلوفاكية وهو في حاجة لمترجمة. وهكذا كان وعملت الفتاة عند صاحبنا المصري. كان رجلا عجوزا يساعد أبناءه، الذين كانوا يتاجرون في مصر بالخضروات، في إيجاد سوق لبضائعهم في سلوفاكيا. عملت الفتاة عنده وكانت بين الحين والاخر تتوقف في مكتبي ، تلقي علي التحية وأسالها عن حالها وعن أهلها فتجيبني ثم تغادر إلى عملها.
بعد مرور شهر او إثنين جاءتنا فرحة، توزع علينا الحلوى وتلقي علينا مفاجأة بانها قد تزوجت. علمنا منها أنها إلتقت شابا مصريا يعمل مديرا في مطعم للبيتسا في مدينة فينا النمساوية، أحبته وأحبها وتزوجا على الطريقة الإسلامية( على سنة الله ورسوله) في أحد المساجد في فينا. مدحت الزوج ووصفته بانه متدين يخاف الله وأنه سمح لها بتكملة دراستها. لم  يكن أمامنا إلا أن نبارك لها وندعو لها ولزوجها بالتوفيق.
بعد فترة قصيرة على زواجها سافرت إلى العالم العربي والتقيت بخالها. أخبرته عن إبنة أخته وقصتها معنا. ضحك صديقي وقال: " يا صديقي العزيز، لا يوجد لي أخت حتى يكون لي إبنة أخت." وعندما أخبرته عن إسمها وإسم عائلتها، صرح لي بأنه لا يعرفهم البتة."
رجعت إلى سلوفاكيا وإلى مكتبي وجاء صديقي لكي يرحب بي. بعد أن تبادلنا التحيات المعتادة، أخبرته بأن الفتاة قد كذبت علي وأن صديقي ليس له أخوات ولا بنات أخوات وليس له أدنى معرفة بها أو بأهلها. فجأة، تحول لون وجه صديقي إلى الإصفرار كأنما إنسحب الدم من وجهه وأصبح لونه مثل الليمونة. ظننت أنه مريض فسألته ما به. نظر إلي وقال: أنا في مشكلة وأخذ يقص علي ما حدث.
جاءت الفتاة إلى صديقي أثناء غيابي وطلبت منه سلفة عشرة آلاف دولار. أخبرته بأن زوجها يريد أن يشتري مطعم البيتسا الذي يعمل فيه وينقصه عشرة آلاف دولار. طمأنته بأنه سيعيد المبلغ بعد أن يصله النقود التي أرسلها أهله إليه وأن المدة لن تطول أكثر من شهر واحد، وهو يخشى إن لم يشتر المطعم الآن فسيشتريه موظف آخر يطمع به. ولم تنس أن تخبره أن خالها صديقي وقريبي وهي من عائلة محترمة و معروفة في الوطن.
لم يكن مع صديقي هذا المبلغ، وتحت ضغط بكاءها ونواحها بأنها فرصة العمر لها ولزوجها، وبناء على تشديدها على صلة القرابة التي تربطها بي، أخذها إلى مكتب صرافة يقدم السلف بنسبة فائض عالية وقام بكفالتها بالمبلغ ولمدة شهر. عندما أخبرني إسم المكتب الذي إستلفت منه المبلغ شعرت بألم في أمعائي وأصابني الغشيان وصحت به: " هل أنت مجنون؟ هؤلاء مافيا و إذا لم يدفع المبلغ في وقته، وهو يستحق بعد أيام قليلة، فإنهم سيقتلوك ويقتلوها ." لم يجد ما يقوله، لقد إستطاعت بمراوغتها ودموعها أن تؤثر على قراره.
كان علي قبل كل شيء أن أحمي صديقي من أي مسائلة فذهبت إلى صاحب مكتب الصرافة الذي إستدانا منه المبلغ، وهو ألباني مسلم، وكان مدينا لي ببعض الخدمات الهامة. شرحت له تفاصيل القصة ووعدته بمساعدته في الحصول على المبلغ وطلبت منه وعدا أن يرفع يده عن صديقي، ففعل. كانت كلمته،رغما عن طبيعة عمله، ذات وزن و ثقة. ضحك وقال لي:" لا تخف نحن نعرف كيف نستعيد حقنا." قلت له أعرف ذلك حق المعرفة، وتركته بعد أن وعدته بزيارة ودية.
أخذنا الفتاة وذهبنا وصديقي إلى فينا نبحث عن زوجها. موظفوا المطعم الذي يعمل فيه أخبرونا باننا سنجده في مسجد يصلي فيه ويشترك في حلقات دينية يدرس فيها أحد الشيوخ أسرار الدين وخباياه. عندما سألت صاحب المطعم إن كان ينوي فعلا بيع مطعمه أجابني بالنفي القاطع.
ذهبنا إلى المسجد، وهو حسب ما أخبرتنا الفتاة، نفس المسجد الذي عقد قرانها فيه على زوجها. أجلسنا الفتاة في مقهى بجانب المسجد ودخلنا لإحضار الزوج. كان شابا ملتحيا وفي يده مسبحة كباقي المجموعة التي كانت حوله. خرج معنا بدون أي معارضة ودخلنا المقهى وأجلسناه إلى جانب زوجته. رفض أن يصافحها بحجة انه لا يصافح النساء. إعترضت بقولي:" ولكنها زوجتك يا رجل، فكيف لا تصافحها ؟" فاجأنا بقوله أنها ليست زوجته وليس له أي علاقة بها أو معها وطلب إظهار أي وثيقة تثبت هذا الزواج. قامت مجادلة بينهما لم أكن أرغب في سماعها، فسألته عن النقود ومتى سيقوم بسدادها. أنكر أن يكون قد إستلف منها أو من غيرها أي مبلغ.
لا حظنا إلتفاف مجموعة كبيرة من ذوي اللحى، من الذين كانوا في المسجد وقت خروجنا معه، حولنا. لقد حجزوا جميع المقاعد التي كانت محيطة بنا في المقهى ولم يكن منظرا مريحا على الإطلاق. كانت نظراتهم تهديدية تتطاير منها علامات العدوانية والعدائية. وجدت أنه لا فائدة من وجودنا، فهناك من يكذب علينا ولم أكن راغبا في إثارة مجموعة الدبابير التي كانت تحيط بنا. أشرت على صديقي بأن أفضل طريقة  للخروج من هذا المأزق المشبع بالخداع والكذب هي أن نسرع بالرحيل. خرجنا وصديقي من المقهى دون أن نودعهم وبقيت الفتاة جالسة، منشغلة في جدال حاد مع زوجها، ولا ندري ما الذي دار بينهما ومن كان يخدع من أم أن كلاهما قاما بخداعنا؟ لم اكن أرغب في الإنتظار ومعرفة الجواب.
 إختفت الفتاة بعدها ولم تعد لا إلى الجامعة ولا إلى السكن الجامعي ولم تسدد أجرة سكنها لعدة أشهر. سمعت أنها تبيع جسدها على ناصية أحد شوارع فينا. بناءا على طلب من إدارة المسكن الجامعي، دخلنا غرفتها في المسكن وشهدنا على إستلام مسؤولة المسكن لملابسها وأغراضها التي تخصها والتي وضعت في علب كرتونية وجرى حجزها في مخزن المسكن. وجدنا بين أغراضها مجموعة من الرسائل من زوجها أو ما أدعته أن يكون، وكانت رسائل مليئة بوصف علاقاتهم الجنسية وما سيفعلونه في السرير عند لقاءهما القادم. كانت رسائل مخجلة يصعب قراءتها.
نظرت إلى الوالدين وقلت لهما: "إبنتكما رحلت منذ مدة، تركت الجامعة وهي تعيش في فينا وأنا أنصحكما بأن تعودا إلى الوطن وتنسياها." لكنهما أصرا على مقابلتها فاعطيتهما عنوان صديق لي في فينا سيساعدهما على إيجاها. أخذا الورقة وخرجا من مكتبي محنيي الظهر، يحملان على كتفيهما ثقل مصيبة لم يكونا في ذلك الوقت قادرين على إستيعاب أبعادها.
أخبرني صديقي بعد فترة أنهما قابلا إبنتهما ولكنها رفضت الإستماع إليهما والعودة إلى الوطن وقالت لهما: " إنسو إبنتكما فلقد ماتت."ثم أدارت ظهرها ورحلت بعيدا. تركاها على ناصية الشارع وعادا متوجهين إلى المطار. كانت الأم تبكي بحرقة وكان الأب صامتا. نزع عن رأسه حطته وعقاله ولفهما حول رقبته ومشى مكسورا محطما ولم أسمع عنهما أو عن إبنتهما بعد ذلك.

د. نضال الصالح/ فلسطين   
    
 
    
    
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد