إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هل يخيب الرئيس عباس ظن الشعب فيه ؟

images(53)

دكتور ناجى صادق شراب                                            
سبق لى أن التقيت الرئيس عباس فى منتدى الرئاسة فى غزه اكثر من مرة مع نخبة من الكتاب والأكاديميين ، وكانت هذه عادة جرى عليها فى كل زيارة له ، وكان أخر لقاء قبل سيطرة حركة حماس على غزه فى صيف عام 2007 ، وقد تكون الزيارة ألأخيرة له ، بعد أن فقد نصف سلطتة ، والسلطة لا تقاس بالمساحة وعدد السكان ، ولكن باهمية ألأقليم ، وأتذكر أن اللقاءات كانت تتم فى منتدى الرئاسة الذى حولته أسرائيل ألى ركام فى حربها ألأخيرة على غزه ، دليلا على عدم حرمة وهيبة ودلالة هذا المقر ، وكانها تقول أنا من يحدد السلطة الفلسطينية. وأتذكر وقتها أننى كتبت مقالا بعنوان الرئيس عباس هذا الفلسطينى ألأخر الذى جاء فى زمن غير زمنه ، وهذا الراى لم يكن لى وحدى ، بل أن غالبية الناس قد أختارت الرئيس عباس على برنامجه الذى وعد فيه بالأصلاح وبناء المؤسسات ، وعلى خيار المقاومة السلمية وعلى قاعدة خيار السلام ، وهو بذلك كان واضحا وصادقا . وعلى الرغم من القول أن الرئيس عباس لم يملك كارزمية الرئيس الراحل عرفات ، لكنه تميز بانه من نمط الرؤساء الذين يؤمنون بالمؤسساتية ، بعيدا عن الفردانية والشخصانية التى طغت وما زالت على السياسة الفلسطينية . ويبقى السؤال : هل أوفى الرئيس بما وعد فى برنامجه السياسى ؟ وألأجابة بالتأكيد تأتى بالنفى ، فالأحتلال ما زال قائما ، وانهائه ليست مسؤوليته وحده ، وزادت ألأمور تعقيدا بالأنقسام السياسى الذى حدث بعد سيطرة حماس على غزه ، لتدخل السياسة الفلسطينية فى حرب من نوع جديد مسرحها الداخل ، ومحاربة السلطة لنفسها و ليجد الرئيس نفسه فى سجال سياسى كان الجميع فى غنى عنه ، وهذا ألأنقسام أجهض العديد من قدرات السلطة الفلسطينية ، ولم تقف ألأمور عند هذا الحد بل أن خيار السلام وخيار المفاوضات يواجه العديد من التحديات والصعوبات مع حكومة يمينية متشدده تؤمن بألأستيطان ومصادرة ألأرض الفلسطينية ، وكان التحدى الكبير أعادة تنظيم السلطة فى الضفة الغربية ، واعادة بناء المأسسة السياسية الفلسطينية ، وكانت الطامة الكبرى التى وقعت على الرئيس نفسه بإعتبارة يأتى على قمة الهرم السياسى الفلسطينى ، بفتح ملف الفساد ، وكان أحد أبطاله رئيس الديوان ، وهو الشخص الذى يأتى بعد الرئيس فى المسؤولية ، والذى عبره تدخل كل الأوراق والهمسات للرئيس ، ويفترض فيمن يقوم بهذه المسؤولية أن يكون على درجة كبيرة من النزاهة والشفافية والمصداقية , وموضوع الفساد وهو ليس بجديد ، ولكن هذه المرة ياتى فتح ملف الفساد فى ظل ظروف سياسية فلسطينية لا تقبل ولا تحتمل الفساد ، بكل أشكاله ، والخطور فى الفساد هذه المرة هو أنه فساد يتعلق بالجانب ألأخلاقى ، والذى من شأنه أ ن يفقد السلطة كل مصداقيتها السياسة . وهنا يأتى دور الرئيس عباس فى مواجهة هذا الملف الخطير ، وأنا على يقين أن الرئيس عباس قادر هذه المرة وبعد الجهد وألأنجاز الذى بذل فى إعادة مأسسة أجهزة السلطة أن يعاقب ويحاسب كل من يثبت تورطه ،حتى لو كان أقراب المقربين منه . ولا شك يتوقف على هذه القضية ومعالجتها ليس فقط المستقبل السياسى للسلطة بل المستقبل السياسى للرئيس نفسه ، وهنا وقبل الذهاب الى تناول هذه القضية وصدقية الرئيس ، لا بد من ألأشارة الى نقطة مهمه ، سنها الرئيس عباس بعدم ترشحه ثانية للرئاسة ، وهذه ظاهرة أيجابية نتمنى أن تتأصل فى ثقافتنا السياسية ,ولكن السؤال ماذا يعنى ذلك ؟ الفترة المتبقية للرئاسة قد تطول وقد تقصر ، وهذا يتوقف على تطورات المصالحة الفلسطينية ، ألا ان ألأهم فى هذه المعادلة : ما هى أولويات الرئيس عباس فى هذه المرحلة ؟ هنا كما شرنا ألأولويات عديده ، بعضها قد يصعب أن يتحقق بكل المعايير فيما تبقى من رئاسة ، وهى أولوية المفاوضات وقيام الدولة الفلسطينية ، وخيار أنهاء ألأحتلال , وتبقى ألأولويات الداخلية وهى لا تقل أهمية عن الخيارات ألأولى ، لأنه بدونها لن تتحقق خيارات بناء الدولة الفلسطينية أو على أقل تقدير بناء مؤسسات الدولة ، فالفساد كفيل بتدمير كل جهد وكل أنجاز ، ويكفى ان يقال ان الفلسطينيين لا يملكون المؤهلات السياسية وألأخلاقية ومؤهلات النزاهة والشفافية لقيام مؤسساتهم ، ولذلك ينبغى الا يكون هناك تهاون فى هذا الملف . وأعود للمقالة التى كتبتها عن الرئيس ، ولتأكيد مصداقية ما كتبت يتوقف ألأمر على تأكيد الرئيس على وطنيته ونزاهته وشفافيته ووعده لشعبه ببناء المؤسسات والبنية التحتية اللازمة لقيام الدولة الفلسطينية ، وهنا موقف الرئيس اشبه بالأنتحار السياسى ، أو بمن يضحى برؤية سياسية قد تثبت ألأيام مصداقيتها ، وفى هذا السياق المطلوب من الرئيس تعميق هذه الروح المؤسساتية التى نفتقدها فى سياستنا ، نريد مؤسسات منفصلة عن أشخاصها وشخوصها ، وهنا يبرز دور تفعيل القضاء واجهزة الرقابة والمحاسبة والمساءلة ، وألرئيس بقيامه بذلك يقوى من ثقافة المسؤولية والمساءلة والمحاسبة ، ولنا فيمن حولنا نماذج وأمثلة كثيرة ، فلا يمكن بناء دولة وسلطة مناقضه لمن حولها ، واحد أشكال المقاومة هو تأصيل هذه الثقافة . والرئيس ثانية هو المسؤول ألأول والأخير ، فهو الراعى ألأول المسؤول عن كل كل أفراد الرعية ، صحيح أنه بعيد عن هذه التهم ، لكنه مسؤول عمن يرتكبها ويقوم بها ، ولذلك مسؤوليته اكبر بكثير منهم . ومسؤوليته هنا أن يخرج الى شعبه كما خرج عليهم وقت ألأنتخابات وليقدم لهم تقريرا كاملا عن الفساد وعن كل ألأجراءات التى أتخذت . ولا شك الرئيس وقبل ان يترك الرئاسة مطلوب منه أستعادة المصداقية للسلطة ، وهو ألأن فى أحسن حالاته لإقالة من يتهم وتثبت عليه التهمة لأن كل الشعب الفلسطينى معه فى هذه القضية ، وإما أن يؤكد الرئيس عباس أنه فعلا هذا الفلسطينى ألأخر الذى جاء فى غير عصره ، وإما انه من نفس النمط من السياسيين الباحثين عن حكم ونفوذ وجاه ويدافع عمن له وليس الشعب الذى أختاره وقد يختار برنامجه فى المستقبل  ، وهذا هو رأى الشعب ، وهذا ما ينتظره منك الشعب ، فلا تخيب ظنهم فيك ، فهم معك فى كل خطوة وكل موقف تنطلق منهموتعبر عن قضيتهم ، وكفى معاناة للشعب الفلسطينى ، وكفى تحمل أخطاء حكامه.ولتتذكر عقيدة كل شعب أن الحاكم فيها مسؤول عن كل خطأ، ومسؤول عن كل تنعن به من رخاء أو شقاء.
دكتور ناجى صادق شراب |أكاديمى وكاتب عربى
[email protected]
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد