إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أزمة الهوية في الشخصية العربية

GetAttachment(24)

أ.د حمدى الفرماوى

 ليست الأحداث التي صاحبت مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر سوى تعبير عن الأزمة الحقيقية الدفينة التى تعانى منها الشخصية العربية، فبين الحين والآخر تهب عاصفة هذه الأزمة ولا تخمد حتى تلحق بها أختها، ودائماً لانبادربالمواجهة الفاعلة لهذه الأزمة حتى نصلح من أنفسنا.

 

لقد هبت عواصف هذه الأزمة فى الهوية العربية فى الكويت وفى العراق وفى بيروت وفى عواصم المغرب العربي، وقد اتخذ التعبير عن هذه الأزمة على مر التاريخ صورا وتوجهات مختلفة، أثبتت جميعا أن الهوية العربية التي تنتمي لمجرد محيط جغرافي ولغة مشتركة كانت ضعيفة الجذور ولا تحمل إرادة التحدي أو الاتحاد. فسرعان ما تتنكر غالبية الشعوب العربية للقومية العربية لمجرد مواجهة أحداث عادية تمر بها أي أمة، ذلك لأنها شعوب "مسُتعْرِبة " لا عربية تعانى صراعاً بين توجهين، توجه جغرافي بلغة عربية واحدة، وتوجه تنزع به إلى العزة بالإثم . . تحاول به كل دولة عربية أن تبرز كشكل حتى تطمس الآخرين كأرضية، إنه صراع مرضى تكون عبر تاريخ ونشأة تستحق الدراسة في ضوء النقاط الآتية:

(1) لقد تولدت دول عربية كثيرة من قبائل متفرقة ومتنازعة، تعودت على العشوائية والفرقة، وحين نحصر إنجازاتها الإنسانية عبر التاريخ نجدها تتركز حول الشعر وصراع الزعامة والفروسية العضلية التي اتجهت إلى حروب صارخة متوالية، كان أشهرها ما دار بين قبيلتين شهيرتين بالرعونة هما "عبس" و "ذبيان" تلك التي استمرت أربعون عاماً بسبب سباق بين فرسين ، والان على الصعيد الفلسطيني بين الاخوة في حماس وفتح ..ونحن لا ننكر أبداً الفتوحات الإسلامية التي اخترقت أوروبا، وبعض من الثقافة والمعرفة العربية الفاعلة التي سادت في أزمنة متفرقة ولكنها كانت غير عابئة بالبقاء، أما الدفع نحو التناحر والتدمير فكان هو السائد والباقي أكثر من إرادة التقدم والتعمير.

 (2) إن معظم الدول العربية دول حديثة العهد قد رزقها الله ثروة بترولية ومن حقها أن تصنع تاريخاً وتبنى حضارة، لكن ذلك التوجه الموجب قد أصبح سبيلاً – أيضا – للنزاع، فقد جعلها تستخدم ميكانزم نفسي سلبي يتمثل في التعالي والتطاول على دول أخرى ومنها مصر ذات التاريخ الحضاري العميق، مثل هذه الدول تحاول أن تعيش حالة إثبات الذات السلبي محاولةً أن تسلك سلوك الدولة الكبيرة الزعيمة في المنطقة تارة أو تنزع إلى تحويل قبلتها إلى الغرب تارة أخرى، وفى كل الأحوال تلفظ القومية العربية وتتعالى عليها لتبدو في هوية ماسخة، هي هوية الاستعراب.

(3) لقد تصورنا في عهد الرئيس عبد الناصر أننا نعيش القومية العربية وهتفنا معه وعشنا به الحلم العربي، لندرك بعد ذلك الحقيقة المرة، ندرك وهم العروبة فقد كانت فترة تعبر فقط عن حاجة كثير من  الدول العربية للمساندة المصرية في شتى المجالات , خاصة تلك الدول حديثة التحرر أو التي كانت تعانى مخاض التحرير، وما أن استطاعت هذه الدول أن يتم فطامها وتشق طريقها  حتى عبرت ومازالت تعبر عن عقوقها في كل مناسبة وحين.

ولعل المشهد في أحداث غزة خير دليل على الخزى والفرقة وعدم الانتماء إلى هوية عربية فعالة، فقد تم تقسيم الأدوار الهزلية أمام شاشات التلفزة العربية والأجنبية، فهذا الزعيم يلقى التبعة والمسئولية على الآخرين، وذاك يتهم الآخر بالخيانة , والآخر يدعو إلى قمة ليخطب فيها ويبدو في بطولة مزيفة… وهكذا من وهن إلى وهن ومن عرب إلى مُستعربين.

لقد علمنا علم النفس أن الانتماء لابد أن يسبقه حب والحب لابد أن يسبقه إشباعاً للأمن والثابت سلوكياً أن الشعوب العربية تعانى أزمة أمن فيما بينها، وتعانى الشخصية العربية عدم تصالح مع النفس فلا تصل إلى حب حقيقي يؤدى إلى انتماء وهوية راسخة.

لقد نشأت الجامعة العربية بتوجهات العقل الغربي وبارك جميع حكام العرب وقتها توجيهات "ايدن" وزير خارجية بريطانيا، وقد أثبتت الأحداث أنها مجرد ضريح لمرحوم يسمى القومية العربية , فقد عجزت الجامعة كثيراً عن تجميع الدول العربية على قلب هوية راسخة واحدة، وإرادة في اللحاق بركب الأمم من حولها، لذلك كان من مصلحة الغرب الذي يعلم عن الشخصية العربية أن يجعلها تتبنى هوية عربية عاجزة محدودة لا تخرج منها إلى نطاق أوسع وأرحب يتمثل في الهوية الإسلامية مثلا.

يجب أن نعود إلى الصواب وأن نلحق بدول إسلامية مثل تركيا وإيران وباكستان وماليزيا , يجب أن نذوب في الدائرة الأكبر التي يمثلها العالم الإسلامي، فالمستعربون من دول المنطقة يتفرقون في السياسة لكن قد يتوحدون في العقيدة، تلك العقيدة الإسلامية التي ربما تعالج الحقد وتستنهض الإرادة في ظل الجامعة الإسلامية , وحينها سوف لا تكون مباريات كرة القدم هي المحك الوحيد لأمجاد العرب والمستعربين.

أ.د حمدى الفرماوى

أستاذ علم النفس التربوي

جامعة المنوفية

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد