إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أول الأحزاب القومية وآخرها: حزب البعث… قصة انكسارات وانتصارات

Ba3th(3)

بين تأسيسه أواسط العقد الرابع من القرن العشرين، وتحوله في العراق إلى تهمة تستوجب الملاحقة والعقاب في العشرية الأولى من الألفية الثالثة، قطع حزب البعث دورة حياة تليق تفاصيلها بكائن سياسي غير عادي، خبر خلالها مناصب القيادة وأسرار أروقة الحكم، ووقف على عدم تطابق النظري والعملي، بل تناقضهما في أحيان كثيرة، كما عرف الخلافات والانشقاقات والانقسامات وهو الذي جاء أساسا مبشرا بالوحدة. كما عرف في بعض المحطات تحوّل الإيديولوجيا الحزبية إلى نوع من المقدّس، وهو الذي قام أصلا على نظرية في الحكم قوامها العلمانية، وكان هذا الجانب بالتحديد مبعثا للجدل حوله وللخلاف الكبير تجاهه في مجتمعات عربية شرقية كانت عندما تأسس حزب البعث ماتزال مغرقة في الكلاسيكية والمحافظة وتقاد في جلها بنخب لا تجد سبيلا للفصل بين الديني والدنيوي.

ويذهب بعض الدارسين إلى نعت حزب البعث بأنه توليفة بارعة بين القومية والاشتراكية، مفسرين نجاحه في الانتقال بسرعة إلى مصاف الحكم بالمرحلة التاريخية التي نشأ فيها، وهي مرحلة المد اليساري في العالم في نطاق الصراع الناشئ آنذاك مع المعسكر الرأسمالي. ويجد أصحاب هذا الرأي دليلا في تزامن انحسار إشعاع الحزب في الشارع العربي وإزاحته لاحقا من حكم العراق، مع هزيمة المعسكر الشيوعي وانتقال السيطرة للمعسكر الرأسمالي، ومن ثم نشوء ما بات يعرف بالعولمة.
 
ويجعل هذا الرأي حزب البعث جزءا من موضة الاشتراكية التي شاعت بالعالم، ومن ضمنه العالم العربي، وخبت بتفكك الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن العشرين.
 
بيد أن من العرب من يعتبر أن من الاجحاف حصر حزب البعث في هذا النطاق الضيق، إذ يرى متعاطفون مع الحزب أن تأسيسه –وفي الفترة التي نشأ فيها بالذات- كان أمرا منطقيا وحاجة سياسية وحضارية موضوعية. فالعالم في تلك الفترة لم يعرف فقط مدا يساريا بل صحوة قوميات على غرار القومية التركية، كما أن العرب انتبهوا إلى وجوب البحث عن أسس جديدة لنهضة تلحقهم بركب الأمم المتقدمة وتساعدهم على تحرير أوطانهم من الاستعمار الذي مازالت أجزاء مهمة من خارطتهم ترزح تحت نيره، فكانت السمة القومية للحزب ردة فعل طبيعية على الاستعمار ومحاذير الذوبان في حضارته المهيمنة، كما كانت سمته الاشتراكية ردة فعل على النزعة الامبريالية للاستعمار.
 
وباعتبار أن حزب البعث تمكن من خوض تجربة الحكم في بلدين عربيين على درجة كبيرة من الأهمية تاريخا وحاضرا وهما سوريا والعراق، فقد انصب جل نقد الناقدين له على الجوانب العملية لطريقته في ممارسة السلطة وما استطاع أن يحققه، وبالأحرى ما عجز عن تحقيقه من شعاراته، أي أن الحزب كنظرية وكإيديولوجيا تمحل تبعات الممارسات العملية لأفراد حكموا باسمه.
 
وكان من أبرز التناقضات التي واجهها حزب البعث أنه فشل –وهو الحزب الوحدوي أساسا- في توحيد بلدين عربيين متجاورين حُـكما باسمه لفترة طويلة، بل إن انقسامه على نفسه إلى فرع عراقي وآخر سوري كان سببا في التباعد الذي ميز العلاقة بين دمشق وبغداد لعشريات من الزمن.
 
ويحيل ذلك على سمة يراها دارسون أساسية ومميزة لتاريخ حزب البعث وهي الصراع الداخلي المفضي إلى الانقسام.
 
ويرى الكاتب الصحفي ثائر عباس أن من يراقب "البعث" عن كثب، يلاحظ حجم الخلافات والانشقاقات والخروج من الحزب، منذ تشكل في الاربعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وفي كل مرة كان للانشقاق تاريخ، وأسباب وتداعيات لدرجة أنه من الصعب فهم مسيرة الحزب دون فهم انشقاقاته والخلافات داخله.
 
ويذكّر الصحفي بأن الحزب تأسس رسمياً عام ألف وتسعمئة وسبعة وأربعين، وكان أبرز مؤسسيه ميشال عفلق، المفكر الأساسي. وصلاح البيطار المفكر والسياسي، وجلال السيد الذي كان سياسياً ذا أبعاد فكرية، وكان نائباً لعدة مرات في البرلمان السوري.
 
وإلى جانب حزب البعث، كان هناك حزب آخر متماثل في الأهداف اسمه الحزب العربي الاشتراكي، الذي كان يرأسه أكرم الحوراني. وكان الحزبان يعملان في الساحة السورية أساساً، لكن حزب البعث كانت لديه بعض الامتدادات التي بدأت تتشكل في العراق ولبنان والاردن وفلسطين. وفي بداية الخمسينات من القرن العشرين انخرط الحزبان معا في مواجهة حكم أديب الشيشكلي، وكانا ينسقان معاً ميدانياً، وقد انتهى الأمر بهما إلى توحيد الحزبين، تحت اسم حزب البعث العربي الاشتراكي، غير أنه ومنذ ذلك الحين عانى البعث من الانشقاقات. وقد حدث الانشقاق الاول لأن جلال السيد، أحد المؤسسين الثلاثة للحزب لم يكن راضياً عن انضمام الحوراني الى الحزب، وقد أدت تداعيات توحيد الحزبين الى اتخاذه قرار الاستقالة من حزب البعث أواسط الخمسينات، فكان اول الخارجين من الحزب، وقد خرج معه عدد من النواب المؤيدين له من العشائر، لكنه لم يؤسس حزباً آخر.
 
ثم عندما حدثت الوحدة بين مصر وسورية عام 1958 حلّ حزب البعث نفسه طوعاً، مساهمة منه في الوحدة بفرعيه السوري والمصري الناشئ، وقد أدى هذا الى انقسام داخلي حول القرار. ثم حصل الخلاف بين حزب البعث السوري والرئيس جمال عبد الناصر، مما أدى الى الانشقاق عام 1959 حين بدأت الخلافات مع عبد الناصر تنعكس داخل الحزب، فانشق رئيس حزب البعث في الاردن عبد الله غيناوي، وهو نائب ووزير سابق وشكل القيادة الثورية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ثم انطلق بالسعي نحو تشكيل حركة عربية واحدة مع قوى ناصرية أخرى، لكنه لم ينجح في مساعيه.
 
وفي عام 1960 حصلت مشكلة في العراق، فأمين سر الحزب في العراق فؤاد الركابي، الذي كان وزيراً في أول حكومة شكلت بعد ثورة 14 يوليو-تموز 1958، خرج بسبب خلافات مع الحزب وبسبب مقاطعة مع عبد الناصر. وقد انضم إليه عدد من كوادر الحزب في العراق.
 
وبعد ذلك شهد الحزب انشقاقات بالجملة فبعد حصول الانفصال بين مصر وسورية 1961، ظهرت ثلاثة اتجاهات في الحزب، الأول يدعو الى العودة الفورية للوحدة مع مصر، حملته مجموعة من البعثيين انشقت تحت اسم حركة الوحدويين الاشتراكيين . والرأي الثاني كان يمثله أكرم الحوراني، ويطالب بضمانات لعدم تكرار ما حصل خلال الوحدة. اما الاتجاه الثالث فكان خط القيادة القومية الذي يمثله ميشال عفلق ومعه. صلاح البيطار، ومعهما فرع الحزب في العراق الذي كان قوياً ويحضّر نفسه لتسلم السلطة في العراق.
 
وعقد الحزب في هذه الأجواء مؤتمره القومي الخامس في حمص في مايو-أيار 1962، وخرج المؤتمر بتأكيد الانشقاقات التي قام بها أصحاب وجهات النظر الثلاث. فكانت حركة الوحدويين الاشتراكيين، وخرج من جهة اخرى بعثيون سموا انفسهم القيادة القطرية السورية، التي اعترضت على حل الحزب واعتبرت أن الأساتذة الثلاثة -عفلق والحوراني والبيطار- هم المسؤولون عن هذا الحل، ولهذا لا بد من اعادة تنظيم الحزب بمعزل عنهم. فيما خرجت مجموعة ثالثة مع الحوراني عملت تحت اسم حركة الاشتراكيين العرب عام 1962.
 
وفي 8 فبراير-شباط 1963 تسلم البعث السلطة في العراق للمرة الأولى، وأعقب ذلك انقلاب آخر في سورية في مارس-آذار من العام نفسه اوصل البعث عملياً الى السلطة.
 
وادى هذا الى نشوء تكتلات وتيارات في الحزب، وبعد سقوط حكم الحزب في العراق في 18 نوفمبر-تشرين الثاني 1963 حصل خلاف آخر على تقويم هذه التجربة، فحصل انشقاق قاده علي صالح السعدي ومعه عدد من الشخصيات البعثية في سورية والوطن العربي، واعتبر هذا الجناح نفسه يسارياً وتبنى الماركسية، واتهم القيادة التاريخية للحزب باللينينية، فظهر حزب البعث العربي الاشتراكي اليساري، الذي تحول في ما بعد الى حزب العمال الثوري، الذي تلاشى لاحقاً.
 
وبقي حزب البعث ممسكاً بالسلطة في سورية، لكنه كان قائماً على جناحين؛ جناح تاريخي بقيادة عفلق والبيطار، والجناح العسكري الذي كان يقوده صلاح جديد وحافظ الأسد. وفي 23 فبراير-شباط 1966 انقلب العسكريون على عفلق والبيطار، ومرة جديدة انشق الحزب بين المجموعة الحاكمة في سورية، والمكونة من الضباط البعثيين والمدنيين المتعاطفين معهم، والقيادة القومية التي تضم القيادة التاريخية.
 
وكان هذا الانشقاق الأهم في تاريخ البعث. فالحزب في العراق كان قوياً ويقوده أحمد حسن البكر وصدام حسين، وقد حرص الحزب على البقاء على علاقة قوية مع النظام السوري لتأمين الدعم لمشروعه في العراق، لكن القيادة في سورية، وعلى رأسها صلاح جديد لم تكن مطمئنة الى ولاء الحزب العراقي، فأصدرت القيادة التي يرأسها شديد ونور الدين الأتاسي، قراراً بفصل البكر وحسين من الحزب. وهكذا أصبح البعث حزبين، واحداً أمينه العام ميشال عفلق، وآخر أمينه العام نور الدين الأتاسي. فعقد الثاني مؤتمراً قومياً تاسعاً، واتخذ قراراً بفصل قيادات الحزب الثاني، الذي عقد بدوره مؤتمراً قومياً تاسعاً في فبراير 1968 شارك فيه عراقيون ومنظمات الحزب وانتخب قيادة قومية بقيادة عفلق، فصارت القيادة الاساسية بغالبيتها، ما عدا عضوين هما حافظ الأسد وابراهيم ناصر، مع القيادة القومية، وتكرس وجود حزبين اولهما مركزه دمشق، والثاني بقي بلا مركز حتى تولى البعث الآخر السلطة في العراق في يوليو-تموز 1968.
 
بعد سنتين حصل خلاف داخل البعث الحاكم في سورية، بين تيار على رأسه صلاح جديد "الأمين القطري في سورية والأمين العام المساعد للحزب"، وآخر على رأسه حافظ الأسد الذي قام بحركته التصحيحية المشهورة.. وهكذا قامت قيادة قومية جديدة على رأسها الأسد وعبد الحليم خدام وعبد الله الأحمر ومحمد حيدر.. وبعد تسلم الحزب السلطة مجدداً في العراق، نشأت وجهات نظر حول علاقة الحزب خارج العراق بالسلطة في داخله وحول تسلم السلطة بانقلاب عسكري، فأصبح ميشال عفلق مقيماً في بيروت، يدعو لاستقلالية الحزب القومي عن السلطة في العراق، وهو عكس ما كانت تطالب به القيادة العراقية.
 
وحسم الأمر بذهاب عفلق إلى العراق بعد 7 سنوات على تسلم البعثيين السلطة، بسبب الأوضاع الأمنية في لبنان. وفي حزب البعث العراقي حصلت مشاكل، وخرجت عدة مجموعات بينها قيادة الحزب في لبنان، التي كانت تضم معن بشور والوزير والنائب السابق بشارة مرهج وحبيب بركات وحبيب زغيب وحسين عثمان واحمد الصوفي، وأنشأت ما يسمى تجمع اللجان والروابط الشعبية .
 
وحول تقييم تجربة حزب البعث في الحكم يوجد اخلاف كبير يصل حد التناقض، حيث يذهب البعض إلى أنها تجربة سلبية مستشهدين بما آلت إليه أوضاع العراق الذي انتهى ضعيفا محتلا ممزقا طائفيا. ويرى أصحاب هذا الطرح حد القول إن "البعث" أساء إلى فكرة الوحدة العربية التي ما قام إلا لخدمتها والمتضمنة في شعاره التاريخي "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة".
 
وعلى طرف نقيض من ذلك، يرى البعض أن حزب البعث حقق في الحكم منجزات كبيرة يذكرون من بينها نجاحه حين كان في حكم العراق في إرساء أسس حكم علماني استطاع أن يخمد منازع الطائفية والعرقية المتأصلة في المجتمع العراقي، وقيادته وقفة صمود وتصد كبيرة لمنازع التوسع الإيراني الفارسي المغلفة بشعارات "الثورة الاسلامية". كما يعتبر هؤلاء أن حكم البعث في العراق وضع البلد على سكة حركة تحديث علمي وتكنولوجي لم توقفها سوى مؤامرة دولية اقليمية كبيرة.
 
أما في الجانب السوري فيرى هؤلاء أن "البعث" مثل صمام أمان الاستقرار في البلد الواقع في محيط متلاطم، وأنه يقود وقفة ممانعة وصمود ودعم للمقاومات العربية في فلسطين ولبنان والعراق.
 
وهكذا فإن حزب البعث يكون قد سلك دورة حياة متعرجة منذ تأسيسه إلى سنة 2003 حين تلقى ضربة قاصمة بإزاحته على يد الاحتلال الأمريكي من حكم بلد يتوفر على مقدرات ضخمة كان يمكن أن يمثل بفضلها منصة انتشار صلبة لأفكار الحزب ونظريته، بل لعله من سخرية الأقدار أن تحول الحزب الذي كان يحكم العراق بقوة إلى تهمة يستحق صاحبها المطاردة والعقاب. وقد مثل ظهور مصطلح "الاجتثاث" المتعلق بحزب البعث العراقي بداية دورة جديدة من الصراع يخوضها الحزب-في شقه العراقي على الأقل- لأجل البقاء على أمل العودة إلى الحكم وهو المسعى الذي يتهم حكام العراق الجدد مشاركين لهم في ما يعرف بالعملية السياسية بالعمل على تحقيقه عبر التسلل من طريق الانتخابات البرلمانية، بينما يتبرأ هؤلاء من "بعثيتهم" معتبرين موقف خصومهم منهم محاولة لإقصاء سنّة العراق عن المشاركة في حكمه لصالح الطرف الشيعي الموالي لإيران.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد