إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قبل أن تنطلي الخدعة… بقلم: علي الصراف وعوني القلمجي

Khade3a

ما الذي حصل للتحالف بين طهران وواشنطن في العراق؟ هل انكسر حقا؟ هل أصبح آية الله إمبريالي عدوا فعليا لآية الله دجّالي، حتى ليزيح أحزابه ومليشياته من السلطة؟

إذا قيل نعم، فما الذي تغير في تحالف الأعوام الستة الماضية، ذلك الذي تعمّد بسفك دماء الأبرياء ونهب المال العام وتوقيع الاتفاق الامني ومنح الشركات النفطية عقودا لنهب الباقي؟
وإذا قيل لا، فما الذي يفسر الإنقلاب "الديمقراطي" الذي يعده البيت الأبيض على عمائم تهران في العراق، حتى ليصاب عملاؤه بالذعر والدوار خشية من "إنقلاب عسكري"؟
"لكي تعرف ماذا يجري في الهند، عليك ان تعرف ما يجري في البرازيل". ربما كانت هذه هي الحكاية. فلكي تعرف ماذا يجري في المنطقة الخضراء، عليك أن تعرف ماذا يجري في الملف النووي. ولكي تعرف ما هو آخر تحالف الدعارة بين واشنطن و"تهران"، عليك أن تعرف ما هو أول زواج المتعة بينهما؟
لقد قام إحتلال العراق على دعم إيران الصريح، والمكشوف، والمعلن لمشروع الإحتلال ولاغراضه.
كل من يفترض عكس ذلك، كذّاب ومنافق.
لا آية الدجل في "قم" كان يجهل خطط ومشاريع واستراتيجيات الأميركيين، ولا آية الخداع في واشنطن كان يجهل مصالح وتطلعات شركائه.
تقاسم الميراث لم يتم حسمه قبل بدء الغزو. فمشروع زواج المتعة بدأ، كأي متعة أخرى، بعقد شفهي وعاجل. الاميركيون أدخلوا دباباتهم. والإيرانيون أدخلوا مليشياتهم. فنشأت "سلطة". وضع آية الله بول بريمر على رأسها عمامة، ومنحها "صاية" (مليارات من اموال برنامج النفط مقابل الغذاء المودعة لدى الأمم المتحدة) ومنحها "صرماية" (نظاما يقوم برمته على أسس المحاصصة الطائفية). لماذا تحالف آية الله دجّالي مع الولايات المتحدة؟
هناك عدة أسباب:
أولها، كراهيته لنظام الرئيس الشهيد صدام حسين، وفشله في التغلب عليه حربا.
ثانيها، طموحاته التوسعية في العراق. وهي طموحات ذات امتدادات تاريخية، يعرفها حتى الجاهل.
ثالثها، رغبته في أن يصبح قوة إقليمية بالتراضي مع "القوة الأعظم"، تتقاسم الحصص في المنطقة على غرار ما تتقاسم الحصص في العراق.
ورابعها، أن يوفر حماية عملانية لنظامه بضمان الاحتياجات المتبادلة بين الاحتلال وعملائه.
بمعنى ما، كان "بازاريو" السياسية في "تهران" يفكرون على النحو التالي: نقدم عربونا في العراق، فنحصل على ما يضمن أمن "الثورة الإسلامية" من ناحية، كما نحصل على فرصة لتأكيد مصالحنا في الخارج من ناحية أخرى. فبما ان تقاسم السلطة في العراق يوفر "شرعية" للتمدد في الخارج، فمن هذه الشرعية نفسها تكسب إيران "الحق" في التمدد في غير مكان آخر.
وحسب هذه الرؤية، فلكي ترى واشنطن نجاحا في العراق، فان تهران يجب أن ترى نجاحا في… البحرين مثلا، او جزر الامارات، أو عُمان، أو حتى السعودية.
ولكي يأمن الاحتلال على نفسه في العراق، فان آية الله دجّالي يجب أن يأمن على نظامه أيضا.
بالتزامن مع عدة "نجاحات" حققها الإحتلال في العراق لترسيخ نظام عصاباته، كان آية الله دجّالي يطلق تصريحات توسعية ترددت أصداؤها في المنامة، بمقدار ما ترددت في البقيع. فمجموعات "البسيج" المحلية لم تخف رغبتها بضم البحرين، كما لم تخف رغبتها بإعلان إنفصال المنطقة الشرقية في السعودية، وذلك عدا التمسك باحتلال جزر الإمارات الثلاث في الخليج: أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى.
لا شيء في عقد المتعة كان يذكر تمددات فوق ما هو حاصل. واشنطن لم ترد بالإيجاب. بل عمدت الى شن اعتقالات رمزية لبضعة عناصر إيرانية (من بين المئات من كبار الضباط الإيرانيين الذين تعرف مكان كل واحد منهم في العراق)، فقط لكي توصل رسالة الى تهران تقول: لم نتفق على تهديد البحرين أو السعودية، كما لم نتفق على تهديد اسرائيل عبر لبنان.
آية الله دجّالي ظل خائفا. فحرك ملفه النووي، قائلا في نفسه: "آش رافت نبا يد جاش بگيراد" أو اختصارا: "آش با جاش" (خسرنا الشوربة فلماذا نخسر وعائها). فما لم نتمكن من التوسع برضا العم الأكبر (عفوا: "الشيطان الاكبر") فاننا لن نأمن على مصير الثورة "الإسلامية".
هذا الشرخ هو ما ظل يهيمن على كل علاقات "المتعة"، فمع ان الطرفين كانا يتمتعان باعمال التصفيات والتدمير والتفكيك الطائفي والنهب المشترك، إلا أن العقد بينهما ظل شفويا وعاجلا، ولا برهان عليه خارج حدود الغرفة!
عمامة النجف ظلت تحرس النكاح، وتسمع آهاته وأنّاته، وتسبح بحمده انه كان توابا. وفي عرفها، فان "النغل" الذي تمت ولادته من هذه "العملية السياسية" كان إبنا لعقد لا غبار عليه من الناحية "الشرعية".
واشنطن كانت تنظر الى الأمر بالعين ذاتها، مع بعض اختلاف في التفاصيل:
أولا، فهي كانت تكره نظام الرئيس الشهيد صدام حسين بالمستوى نفسه، حتى انها سلمته لمليشيات تهران لكي يعدموه ويشفوا غليلهم فيه.
ثانيا، طموحاتها الكونية ما كانت لتتأسس في غزوات صغيرة (غرينادا، الصومال، افغانستان) بل كانت في حاجة الى صيد استراتيجي كبير مثل العراق.
ثالثا، كانت تعرف طموحات شريكها الإيراني الإقليمية. فصممت له نظاما يلائم طبيعته الطائفية ويضمن حصته. ولكن مثل كل علاقة بين قوة عظمى وقوة إقليمية، فانها تنظر الى نفسها على انها "الكلب الكبير"، أما إيران فهي "الكلب الصغير". والكبير هو الذي يقرر حجم الحصص، لا العكس. وهو الذي يُمسك بخيوط اللعبة، يعطي من يشاء ويأخذ ممن يشاء، انه كان ثوّابا.
رابعا، غزو العراق ما كان ليتمم اهدافه من الناحية الاستراتيجية من دون ان ينجح في كسب إيران لحساب "الثورة الإسلامية" التي تقودها واشنطن (ضد الإرهاب طبعا).
إيران غاية أميركية خالدة. زواج حقيقي، لا متعة عابرة. الشاه لم يخرج من عقل واشنطن أبدا. وحتى عندما جاء خميني الى السلطة، فقد ألبسته واشنطن تاجا في مخيلتها، ولم تأبه بالعمامة. وهي ساعدته في الحرب ضد العراق، سرا، بينما كانت تساعد العراق علنا، لتثير في نفسه الغيرة. وهي سمحت بمرور صفقة "ايران-كونترا" التي ربطت بين تمويل عصابات الكونترا في نيكاراغوا وبين تزويد إيران بأسلحة اميركية عبر إسرائيل، لكي تقيم جسرا للتعاون والتآخي. ولم يمض وقت طويل حتى وضعت تهران على جانبها من الجسر مليشيات الملالي التابعين للمجلس الإسلامي، وحزب الدعوة، ليطرقوا أبواب واشنطن للإطاحة بـ"دكتاتورية صدام".
واشنطن ظلت تحلم بإيران. وهي ما تزال تحلم. هناك فقط تكتمل الجائزة. انظر الى خارطة إيران (بكل اتساعها) وستعرف لماذا. من جنوب روسيا الى المحيط الهندي طولا، ومن أفغانستان وباكستان (على حدود الصين) الى العراق عرضا! وحيث دخل العراق تحت مظلة الإحتلال فان الخارطة سوف تمتد أمام عينيك على طول المسافة من حدود الصين الى إسرائيل دفعة واحدة.
هذه هي الامبراطورية الحقيقية التي كان يحلم بها جورج بوش.
ولهذا السبب دفع من اجلها عربونا، هو ذلك "النغل"، ابن زواج المتعة، الذي يحميه المارينز كما تحميه العمائم.
لم تكن سلطة المليشيات الإيرانية في بغداد إلا "مهرا" لزواج جديد بين تهران وواشنطن.
كل ما ظلت تريده واشنطن هو ان تكون لها السيادة في عقد الزواج. الكلب الكبير هو الذي يجب ان يحكم.
ليس من المعقول، من وجهة نظر واشنطن، ان تدفع كل ما دفعته في العراق لكي تترك لإيران الغنيمة.
كل ما تقوله واشنطن لآية الله دجّالي: "طمع را نباید که چندان کنی، که صاحب کرم را پشیمان کنی". (لا تكن طماعا الى الحد الذي يجعل الكريم يأسف على كرمه).
وبتهديده بخسارة السلطة في بغداد فانها تحاول أن تجعله يفهم: "طمع زیاد مایه جوانمرگی است"، (الزيادة في الطمع، تُدمّر).
لقد كانت استراتيجية واشنطن بالغة الدقة: لنكن شركاء. نتزوج في العراق على سبيل المتعة، ولكن من اجل ان نعود شريكين في تهران كما كنا سابقا: شاه (ولو يرتدي عمامة) وقوة دولية عظمى.
الروس، من جانبهم، لم يغفلوا اللعبة. فغذوا تطلعات إيران الدفاعية بدعمهم لبرنامجها النووي، بل وبحرصهم على حمايته من العقوبات أيضا. كانوا يشجعون إيران، بالأحرى، لكي تتصلب. فعلوا ذلك، وهم يعرفون جيدا ان إيران نووية، ستكون أكثر إستقلالية، وبالتالي فانها لن تقبل بثمن بخس في المحاصصة الجارية في بغداد، وهو أمر كانت الغاية منه هو تشجيع إيران على ان تطلب أكثر مقابل تواطؤها مع الاحتلال. طموح موسكو كان واضحا: الصفقة عندما تتعقد، يمكن ان تفرط بسهولة. وكلما زادت العلاقات بين تهران وواشنطن توترا، كلما كان ذلك أفضل.
القول ان آية الله دجّالي لا يفهم هذه اللعبة، لا يتطابق مع الوقائع. فهو لم يذهب ببرنامجه النووي بعيدا. وحتى عندما قرر ان يرفع مستوى التخصيب الى 20% فهو دعا مفتشي وكالة الطاقة الذرية لكي يشرفوا على العملية. موسكو المحت ساعتها الى انها لن تمانع في تشديد العقوبات! (راجع اخبار الاسبوع الماضي). فهي تريد للوضع ان يستمر متوترا.
ما تريده الولايات المتحدة، في محاولتها سحب البساط من تحت أقدام حكومة المليشيات الفارسية في بغداد، هو أقرب ما يكون "قرصة أذن". يقول الشيطان الأكبر لحبيبه الكلب الأصغر: عاند، فتخسر الشراكة في بغداد. ولكن "امشي عدل" وسيكون كل شيء على ما يرام كما كان خلال الأعوام الماضية الستة.
يقال: "الحرب هي الدبلوماسية بوسائل أخرى". الولايات المتحدة، لا تفعل بالمناورة الراهنة سوى انها تواصل الغزل بوسائل أخرى.
تحاول واشنطن أن تخيف تهران. تقول لها: نستطيع ان نجلب من يشتبه انهم من خصومك الى السلطة. وساعتها لن يبقى لك هنا موطئ قدم. وكلما مضيت قدما في الغنج، فاننا سنمضي قدما في إحلال قوة بديلة موالية لنا، محل مليشيات العمالة المزدوجة.
لسان حال واشنطن يقول لآية الله دجّالي: "لقد سمحنا لعصاباتكم بكل شيء. بنهب المليارات وتحويلها الى حسابات في تهران. ولم نطالب بالقتلة واللصوص الذين تمنحهم إيران الحماية. وسمحنا للحرس الثوري ان يشن حرب تصفيات مفتوحة. وسمحنا لحكومة المالكي بان توقع مع إيران اتفاقيات تجارية جعلت من العراق سوقا لكل انواع الزبالة التي تنتجونها. وفي عراق يعوم على بحيرة نفط وغاز، سمحنا لايران بان تنهب غازا عراقيا وتعود لتبيعه الى العراق! بل ولم نتدخل حتى عندما تقدمت قواتكم لتحتل أرضا عراقية في الفكة، ومع كل ذلك، فانكم تساوموننا على المزيد، وتريدون ان تتصرفوا كقوة إقليمية مستقلة. إذن جربوا أن تخسروا كل هذا".
هذا هو الحوار الجاري. وهو حوار شركاء يختلفون على القسمة، لا حوار خصوم.
الولايات المتحدة منعت اسرائيل حتى من مجرد التلويح بتوجيه ضربات عسكرية الى أهداف نووية إيرانية.
فالكلب الكبير لا يريد أن يؤذي جروه، ولا أن يثير مخاوفه. حتى وزير الخارجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، أقر الاسبوع الماضي، ان اسرائيل لا تخطط لتوجيه ضربة لايران.
بغداد بالنسبة لواشنطن "متعة" أو مجرد هدف تجاري يتعلق بالنفط، ولكن تهران هي العرس. انها الجغرافيا التي تكمل ما يقف خلف خطوط الهدف التجاري وتحوله الى امبراطورية تمتد من الصين الى إسرائيل.
والمتعة مستمرة. وقرصة الأذن لن تدوم طويلا. فالذين سمحوا لمفتشي وكالة الطاقة بمراقبة تجاربهم الجديدة في التخصيب، إنما أرادوا أن يوصلوا رسالة مفادها: الطريق الى التفاهم ما يزال مفتوحا.
وقبل أن تنطلي الخدعة، يحسن القول: هذا ليس تحليلا. انه وقائع. وشواهده تملأ الأعين. ولا يحتاج المرء أن يفقأ عينيه لكي يعمل نفسه وكأنه لا يراه.
إيران حليف وشريك للإحتلال. نعم. ولكن الحلف لم يكن حبا من جانب تهران لواشنطن. انه هيامٌ، بالأحرى، من جانب واشنطن لتهران.
لا مبرر للتوهم، على الإطلاق، بان واشنطن يمكن أن تتخلى عن حليفها. وهي ما تزال تريده حليفا، ولكن طيّعا، يُرضيها ولا يخيف حلفاءها في المنطقة. وما أن يتحقق ذلك، فرسائل التطبيع الإقليمية سوف تجعل العرس حفلا عاما للسلام. ومن ثم، ليأكل المخدوعون الخازوق بمفردهم.
لو أصبح الانفصال بين هذين الحليفين واقعا، فإيران هي التي ستطلب الطلاق، وليس واشنطن! انه حب. ولكن من جانب واحد! وبما أن تهران تعرف أهميتها الاستراتيجية فانها تطلب وتحرد وتتغنج.
ضع المناورة التي تناورها واشنطن ببيضاتها الجديدة (أياد علاوي، صالح المطلك) في هذا السياق، وسترى الخطر ماثلا. فثمة بين الوطنيين العراقيين من يتوهم ان واشنطن صفت الى جانبه ضد تهران.
استحلام كهذا (على مقربة من متعة زوجين) ليس فيه عقل، ولا سياسة، ولا ينم عن معرفة.
وإذا أضر بالمقاومة وأضعفها، فانه سيكون كارثة.
لقد دفعت المقاومة الوطنية العراقية الولايات المتحدة الى حافة الإنهيار.
لقد وضعتنا هذه المقاومة على مشارف منعطف كوني.
وبأكثر ما لدى الوطنيين من شروط "متشددة"، فان تحرير العراق والفوز بكل تلك الشروط، ليس سوى ثمن بسيط ومتواضع حيال ما يمكن للهزيمة أن تقترحه على الولايات المتحدة.
ما يزال بوسع الوطنيين العراقيين، أن يفرضوا كل ثمن الهزيمة على واشنطن، فقط مقابل ماء الوجه. فهذا وقت عسير على الولايات المتحدة، اقتصاديا على الأقل.
ما يزال بوسع الوطنيين أن يفرضوا رحيل الإحتلال ونظامه وعملائه من دون قيد أو شرط. فالولايات المتحدة تعاني سكرات أزمة قاتلة. بنوكها تُفلس، وميزان مدفوعاتها مخروم بعجز خرافي، وديونها تعلو كالجبال، والإنهيارات المالية وصلت الى اليونان والبرتغال واسبانيا.
هل هذه قوة تستحق أن تُعطى متنفسا؟
الذين يشترون الوهم بالحرية، لن يكسبوا إلا الوهم وحده.
وقبل أن تنطلي الخدعة: نعم، إيران خطر حقيقي، وتهديد كبير. ولكنه قابل للهزيمة. ولن يستغرق الأمر أياما قبل ان تكنسه شوارع كربلاء والنجف لتجد البصرة والموصل والرمادي واربيل نفسها حرة ومطهرة.
وكربلاء والنجف قدمتا الدليل، بالصفعات التي كالتها لعملاء تهران في مقر عملياتهم بالذات.
الكلب الصغير لن يبقى إذا أجبر الكلب الكبير على الفرار. هذه هي الرؤية الوحيدة المستقيمة.
المتعة قائمة. والزواج "الشرعي" بين الكلبين سيظل محتملا. كل الباقي.. وهم! من جانب طرف لا علاقة له بالموضوع. لا هو حبيب، ولا حُبّه مطلوب أصلا!
وقبل أن تنطلي الخدعة: نعم، هناك مناورة. ولا بأس من الدخول في تلافيفها. ولكن من اجل مناورة مضادة: تحويل المقاومة الى ثورة شعبية مسلحة ضد الاحتلالين معا، الكبير قبل الصغير. ساعتها فقط، سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أما نحن، أبناء الضحايا، والذين أهدرت دماؤهم عبثا، والذين تشردوا في أربع جهات الأرض، والذين قُتلوا بالحصار والقصف، والذين ذُبحوا غيلةً وجبناً، والذين تناثرت جثثهم على الأرصفة، والذين احتلت ديارهم وهدمت فوق رؤوس أطفالهم، والذين انتهكت أعراضهم، فوالله لم نظلم احدا، لكي يأتي واهمٌ وظالمٌ فيقلبانها علينا! ووالله ثأرنا لن يذهب هدرا، ووالله لن يخدعنا أحد. الثمن الذي دفعناه من أجل الحرية لن يرده لنا إلا الحرية، طاهرةً مطهرةً، لا يدنسها دنس.
عملاء الاحتلال، يظلون عملاء حتى ولو تطهروا بماء زمزم لأربعين سنة، فوراءهم دم، وأمامهم دم، وفوقهم دم، وتحتهم دم.
والاحتلال، بكل ما يعنيه، وبكل ما أرسى وما ترك، هو العدو حتى ولو دعا الكونغرس بلال الحبشي ليؤذن في الناس!
والجرائم التي ارتكبت ضد الأبرياء يجب أن يُستوفى حقها حتى ولو قال باراك أوباما وديك تشيني وجورج بوش وتوني بلير، في صلاة جمعة: لا إلله إلا الله محمد رسول الله. وإذا قالوها، فسيكون من الأشرف لدماء الأبرياء أن نكفر بها.
ليسأل كل مقاوم نفسه: من أجل ماذا قاتلت؟
من أجل ماذا نثرتُ فوق الدم الحر، دماً حرا؟
نريد وطننا حرا. نريده سيدا. ونريده موحدا.
ونريد لشهدائنا أن يستريحوا، بملاحقة المجرمين، واحدا، واحدا، دون أن نترك منهم أحدا.
أي شيء أقل من ذلك، عار، وخيانة، وجريمة.
أي شيء أقل من ذلك، سيجعل من أعظم مقاومة في التاريخ مجرد خدعة أطفال، وفورة فنجان، ومهزلة.
لم نقاتل من أجل مهزلة.
وأطفالنا لم يموتوا من أجل الوقوع في فخ خدعة.
وشرف العراقيات لم يُهدر من أجل بيضتين تلعب بهما واشنطن، مقابل بيضتين تلعب بهما تهران!
هذا ليس هو العراق الذي من أجله سقط مليون ونصف المليون شهيد.
العراق ملك شعبه، نعم، ولكنه ملك شهدائه وضحاياه أيضا.
وهؤلاء هم الذين يجب أن يُستوفى حقهم أولا!
والحق هو حرية ناجزة، لا تشوبها شائبة، وفوقها اعتذار دولي، وفوق الاعتذار تعويضات، وفوق التعويضات محاكمة لكل مجرمي الحرب.
فإن رضيت، رضيت، وإن لم ترض، فلتضرب واشنطن رأسها بألف قندرة.
على الأقل، فهذا، بالنسبة لها، وقت أزمة خانقة. ويفترض أن لا تُعطى متنفسا!
ولن نخسر أكثر مما خسرنا. أرقام واشنطن تقول انها هي الخاسرة.
 
ـــــــــــــــــــــــــ
كاتبان عراقيان.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد