إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من ذبح الحصان

 

جميعهم كانوا يعلمون جيدًا بأن الحصان متعب، وكان صاحب الحصان يحاول جاهدًا خداع الآخرين بل وخداع نفسه بذلك.

كان يضع له بعض التبن بين الحين والآخر، أخبروه بأن تجارة لحوم الحصن رائجة هذه الأيام، ويمكن له أن يحصل على مبلغ ليس بالقليل إذا سلّمه للمسلخ، وقد ينتفع من جلده أيضًا، بالرغم من أن الحصان كان قادرا على مواصلة مسيرته في مواجهة الريح والطيران فوق السراب والقفز بين الأمواج، لكن معدته كانت خاوية في الفترة الأخيرة، وعيناه باردة كالموت، وكأن بريق الحياة انطفأ على حين غرّة! جلده اللامع بدا ظمئًا، جافًا، وسخًا، خشنًا، وكان يرتعش كلّما هبّت في الأنحاء رياح المتوسط.
كنّا نلاحظ قطرات الدمع تسيل من مقلتيه، وكأن لسان حاله يصرخ يتألم ويطالب مجددًا بأن يسمحوا له أن يندفع ليثبت جرأته وقدرته على العطاء ومنازلة الخيول الضخمة الثقيلة الغريبة، كان يعرف بأن تلك الخيول أقرب ما تكون للبغال منها للأصيلة من الخيل! ثقيلة في حركتها وقفزاتها، رائحتها نتنة، وحضورها منفّر ..
أخبروه بأنه سيحصل على الكثير من المال الإضافي إذا تخلّص من حصانه الهزيل، وسيعوّضونه بحصانين آخرين من فئة البغال! أخبروه بأن رفسات الحصن الضخمة قاتلة وقادرة على حماية قصره وأملاكه وحساباته! أخبروه بألا يقلق .. هناك من سيقوم بتنفيذ هذه المهمة الدموية، ولن يتركوه يعمل بسلاحه ضدّ رقبة حصانه المدلّل، الذي فاقت سرعته ودلاله واندفاعه وجموحه جموع ذئابهم وبغالهم! يريدون منه فقط أن يغضّ الطرف ويوقّع على وثيقة الذبح حتى تنتهي مرحلة ثورة الحصان الجامح، ويحلّ الأمنُ والسلامُ في ظلّ عدالةِ البغالِ التي وفدت من كافة الجهات في انتظار لحظة الصفر.

في إحدى صباحات شتاءنا المتوسّطيّ البارد، كان الحرس قد سكروا بنبيذ عذب زلال، شاهدنا على البوابة جمهرة من البغال، تعتليها ذئاب بعيون زرقاء ولبدة شقراء. بحثوا عن الحصان الجامح لعلّه يساعدهم في مواجهة الغربان. لكن الحصان كان قد ذُبح تلك الليلة، ولم يبقَ من أثرٍ له سوى بعض الدموع التي ملأت عينيه.
بعد أن فقدنا عذريتنا وكرامتنا بمئة عام .. ما زلنا نتساءل حتى الآن: من ذبح الحصان؟

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد