إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هل” الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابته” هي الخيار الثالث المنشود؟

images(66)

أميل صرصور

إن عدم قدرة قيادات العمل الوطني في الساحة الفلسطينية تاريخيا على ادارة الصراع مع الكيان الصهيوني بنجاعة دفع العديد من القوى والشخصيات الفلسطينية الى البحث عن بديل وطني أو ثوري يستطيع فيه أن يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني. هذا وقد شهدت ساحة العمل الوطني محاولات جادة لم يكتب لها النجاح ومنها "جبهة الرفض" في منتصف السبعينيات و"جبهة الانقاذ" في بداية الثمانينات من القرن الفائت ولكن هذه المحاولات انطفأت ولكلٍ أسبابها.
وبعد أوسلو ظهرت حماس كقوة ناشئة استطاعت أن تفرض نفسها على الأرض وتشكل تهديدا حقيقيا لانفراد قيادة   "مجموعة محددة" بالقرار الفلسطيني وظهرت كقوة سياسية تملك مفردات الخطاب الوطني الجماهيري. أما بعد الانتخابات الأخيرة في الضفة والقطاع في 2007 ولاسباب متعددة فشلت أيضا حماس أن تكون القوة القائدة للعمل الوطني الفلسطيني وانكفأت لتصبح قوة منافسة لحركة فتح في مجالات سلطة أوسلو.
وعاد السؤال مجددا على الساحة الفلسطينية لايجاد حل لهذا الاستعصاء, فبغض النظر عن المشاعر فان فتح مع حلفاؤها في م ت ف فقدت الكثير من كفاحيتها ولم تعد القوة القائدة للعمل الوطني بعد انخراطها في مشروع "سلطة أوسلوا" وكذلك حماس لم تستطع أن تفتح حوارا وعملا مشتركا مع من يتفق معها وطنيا و يختلف معها "ايديولوجيا" ممادفع الأخرين الى البحث عن بديل لهذا الاستعصاء. وبهذا نجد أن معظم مثقفي ومناضلي فلسطين هم خارج الأطر التنظيمية الحالية وهذا بحد ذاته خسارة كبيرة جدا ويجعل من هزيمة الأسلويون مسألة صعبة ومعقدة.
لقد تشكلت مجموعات وقوى جديدة من بينها المبادرة الوطنية بمبادرة من المرحوم حيدر عبد الشافي ومصطفى البرغوثي ولكن هذه المبادرة لم تستطع ايضا استقطاب العديد من الفعاليات وانحصر نشاطها فقط في الضفة وقطاع غزة.
يتبادر الى الذهن سؤال اذا كان مهماً صعود قوة وطنية قادرة على لجم قيادة العمل "التسووي" سابقا واذا كان مهماً وجود مبادرة وطنية للتوسط مابين فتح وحماس وحلفاؤهما حاليا, فهل وجود بديل ثالث ضروة وطنية الأن من أجل إسقاط النهج الأسلووي؟
وكيف يمكن لهذا التشكيل الجديد أن يكون فعلاً واعداً وليس ظاهرة عابرة "فشة خلق"؟
إن اعلان تشكيل "الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابته" اليوم الأربعاء في ال24 من شهر شباط 2010 هو و كما يبدو محاولة جادة لاستمرار نهجٍ كفاحي يعيد الصراع مع الكيان الصهيوني الى منحاه الطبيعي,
 ويضع حداً حاسماً لنهج مفاوضات عبثي كاد يخرج فلسطين وشعبها من الجغرافيا والمستقبل,
 ومع ذلك فهناك بعض الأسئلة و الملاحظات على تشكيلها.
1- يبدو أن المشرفين عليها من نخبة الشعب الفلسطيني و لهم خبرة طويلة في المجال التنظيمي والوطني ومن ذوي السمعة طيبة ومن المستقلين. فهل إختيار كلمة " الهيئة" هو تحديد لهدف الهيئة وزمن تحقيقه, وهل هي محاكاة لتجربة " للهيئة العربية العليا"؟
2- إن الهيئة باعلانها الحالي هو إطار فضفاض غير محدد المعالم بالمعنى التنظيمي وبالتالي من السهولة بمكان الوقوع في مصيدة الاختلاف والتشظي والانفراط.
3-  الهدف المعلن هو "الدفاع عن الحقوق الثابتة"  فما هو بالتحديد الحقوق الثابته ؟ وهل لدى أصحاب هذا العمل صورة واضحة للخروج من هذه المصيبة الأوسلوية التي حلت علينا كما أظن؟
4- إن التاكيد على م ت ف والمثياق الوطني في بيان الهيئة يطرح عليها سؤالا أخر. هل توافق هذه الهيئة على تعديلات المثياق الوطني في مؤتمر غزة- كلينتون؟ فعن أي ميثاق وطني سندافع؟
5- إن اقتصار مجال الهيئة الجغرافي على مناطق محدوده يجعلها عرضة للانكماش وتراجع التأثير في مناطق الاحتكاك المباشر اليومي مع العدو أي الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر.
6- ان الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع مع المركز الامبريالي وتوابعه من الأنظمة المحيطة وهذا ماجعل من الفساد السياسي والتنظيمي والمالي والأخلاقي حالة سائدة في مراكز م ت ف, وأن كل محاولات التصدي  للفساد باءت بالفشل ودليلنا هو استمرار نهج أسلوا بقيادة العمل الوطني بغض النظر عمن يقوده من أشخاص ومراكز قوى. أي أن الاختلافات بين الآطراف الفلسطينية لم تكن يوما ما محلية الجوهر , بل هي محلية الشكل, اقليمية وعالمية الجوهر والقرار. فهل أخذت الهيئة ذلك الخطر بالحسبان وما معنى قول الهيئة" التوجه نحو الحكومات العربية والأجنبية لتشكيل تيار شعبي واسع يناهض سياسات السلطة"؟
7- إن أوسلوا لم تنتهي حكايتها بل مستمرة وبأشكال أخرى, فهناك بن غوريون فلسطيني جديد قادم و لم يُستهلك بعد في الضفة الغربية, وهناك مفاوضات في الشرق والغرب ويوميا. فهذا ياسر عبد ربه وبيلن وأخرين سيتحدثان في الرابع من شهر اذار هذه السنة 2010 في عاصمة السويد استكهولوم عن أخر ماتوصلوا اليه, وهناك في امريكا وزير فلسطيني سابق تحدث في الشهر الماضي عن دراسات ومفاضات مع منتدبين اسرائيلين. فماذا ستفعل الهيئة بهذا الكم الهائل من أدوات التطبيع؟
8- اذا ارادات الهيئة النجاح فعليها أن تملك قوة التأثير على أرض الواقع في مراكز الاحتكاك مع العدو اي بالضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر وبالتالي لابد من وجود وسائل قوة دفاعية تصد المهاجم وتكسر رأس حربته أولا ثم ترغمه على التوقف ثانيا ومن ثم الانتقال الى حالة الهجوم ثالثا. فهل حسبت الهيئة اسباب قوة الخصم الفلسطيني وحلفاؤه ان لم نتقل أسياده؟
9- هل هناك تعاون, تواصل وحراك حقيقي بين مناطق الشتات أم أنه حراك عفوي وسطحي؟
الحقيقة أننا في السويد لم نلمس مثل هذا التواصل والحراك الجدي مع الهيئة رغم ضرورته وأهميته. لقد بادرت مثلا مجموعة من المناضلين قبل عدة سنوات لمثل هكذا محاولة وشهدت الصحف والمراسلات مثل هذا التفاعل ولكن للأسف ذابت وتلاشت هذه المحاولة ولم تستمر. فهل سنرى حراكا وتواصلاً جادا من الهيئة في مناطق الشتات و  تعميقاً لمفهوم المقاومة في مناطق الاحتكاك اليومي مع العدو؟
10- ان المبادرين لتشكيل الهئية هم من نخبة وعصارة التجربة الوطنية فهل فكرت الهيئة بمدى الاحباط الذي سيصيب الفلسطينين اذا لم يكن هؤلاء السادة المبادرين على مستوى المسؤولية والقدرة على الاستمرار؟

انني أرى ان تشكيل حالة ثالثة مستقلة تكون بيضة القبان هي مسألة وطنية ملحة, ولكن أرجو أن لايكون هذا العمل وهذه الهيئة فشة خلق وتنفيساً عن حالة غضب لمجموعة واسعة من المثقفين والمناضلين بقدر ما نأمل أن تكون حالة فعل وطني واعي وصاعد تسترد القوى الوطنية زمام الآمور من الأسلووين وتعيد الصراع مع العدو الى منحاه الطبيعي.

أميل صرصور
رئيس اتحاد جمعيات المهاجرين أوبسالا, السويد
2010-02-24

 

    
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد