صخب الموانئ 11 م. زياد صيدم

0

 اتخذ الأطباء مكانا قريبا.. يسجلون ملاحظاتهم  بدقة وخبرة عالية.. كانت سلوى في هذه الأثناء تعانق أمها بلهفة عارمة .. بينما الأطفال  يتشبثون بتلابيب ثوبها.. صراخ وهتاف ماما..ماما.. بكاء ودموع تنهمر من مقلتي سلوى.. لا تصدق بان ذراعيها تطوقان أمها في لقاء طال انتظاره..

في تلك اللحظات الحاسمة ..كانت أقلام الفريق المشرف تسجل: ذهول وفتور واضح من جانب الأم..نظرات غير مستقرة.. ردة فعل عادية جدا لا توحي بحنين واشتياق للأسرة.. مجاملات أشبه ما  تكون رسمية لا تغطى الحدث المتوقع… كانت رؤوس أقلام كتبتها أيادي مختصة..قبل أن يغلقوا ملفاتهم ويمضوا خارجين.

 

بقيت الأسرة يتقدمهم إبراهيم  بجانب نجوى.. التي بدأت تحكي لهم عن  عالمها الخاص وروايتها التي توشك على الانتهاء.. وأحلامها  بان يتلقفها منتج سينمائي لتصبح فيلما يمثله كبار الممثلين.. قطع حديثها إبراهيم :

– نجوى حبيبتي، أرأيت انهار وامجد كيف كبرا .. دوما يسألان عنك.. يريدانك معهم في البيت ..انظري إلى سلوى، عروستنا الجميلة كم تشتاق إليك ..

– نعم إبراهيم، شهور مرت ولم أشاهد أي منهم هنا؟..لكن لا باس، فقد عكفت على روايتي بهدوء ودون إزعاجات منهم !! تراجع إبراهيم إلى الخلف مذهولا من جملتها الأخيرة.. اصطدم بالكرسي، تماسك، التف حوله مصوبا نظراته إليها .. واضعا كلتا يديه على حافته كمن يستند عليه من هول إجابتها..كان الدكتور نصري مازال واقفا معهم.. يتابع بدقة متناهية دون أن يدون شيئا، فهو بمثابة الصديق لهما.. وهذا من أسرار العمل لحالات كهذه.

انتهى لقاء اليوم.. اصطحب إبراهيم أسرته عائدا بعد وداعهم نجوى..وفى الممر المؤدى لبوابة الخروج، نطق دكتور نصري بجملة قصيرة: سأتصل بك لاحقا باش مهندس.

 

استقبلتهم أم سعد بالسؤال عن صحة وأحوال نجوى..كانت متلهفة لسماع أخبار مفرحة..بخير إن شاء الله.. أجابها إبراهيم وهو يخفى عذابات اللقاء.. وهواجس المستقبل!

لاذت سلوى بالصمت مسرعة إلى غرفتها.. أقفلت الباب على نفسها..وأجهشت بالبكاء.. بينما اصطحبت أم سعد كلا من انهار وأمجد إلى غرفتيهما.. تغير ملابسهما  وترعى شؤونهما ..وانسل إبراهيم إلى غرفة نومه.. والحزن باديا على وجهه.. والألم يعتصر قلبه.. حيث فقد الرجاء وأمله الأخير بشفاء زوجته .

 

رن هاتف المنزل.. كانت مكالمة طارئة من  روان سكرتيرته الخاصة..تنبهه إلى أن هاتفه النقال مغلقا.. و تعلمه بوصول الوفد الفني الدانماركي  غدا للاطلاع على الخطة وآلية العمل.. والإعداد لحفل التوقيع على اتفاقية تمويل اكبر مشروع وطني لتوسيع حوض السفن.. الذي انتهت كل دراساته وتصميماته.. شكرها وطالبها بحجز إقامتهم في أفخم الفنادق.. وبإعلام مساعديه بان يكونوا على أهبة الاستعداد لملاقاتهم غدا عند نقطة العبور البرية.. وبأنه سيكون على رأس الوفد المستقبل لهم بشكل رسمي.

 شعر بصداع شديد.. وزحمة أفكار تضغط  رأسه.. و برغبة شديدة لأخذ حمام ساخن.. والنوم ساعة زمن يرتاح فيها قليلا .. ليعيد تنظيم أفكاره.. وآلية تحركه على مستوى الأسرة وواجبات العمل.. مستذكرا همسات دكتور نصري له بأهمية عودته بعد غد.. ليتسنى لهم دراسة آخر الملاحظات.. وعمل التقرير النهائي لحالة نجوى..واتخاذ القرارات النهائية بناء على ذلك ؟

 

خرج مساءً للقاء آخر بصديق طفولته القادم من أمريكا.. في المقهى ذاته حيث تقابلوا جميعهم أول مرة.. كانت ضحكاتهم تعلو في كل موقف يتذكرونه من سنوات الطفولة والدراسة المدرسية.. يشاركهم إبراهيم بابتسامته المعهودة.. وقد ذكرهم بمدرس اللغة العربية.. وكيف كانت صعوبة  دروس النحو، كأنها رموز هيروغليفية مبهمة.. أشبه باللغة الصينية، فقهقهوا جميعا.. ثم تناولوا طعام العشاء معا.. كان العشاء الأخير.. فقد كان لقاء وداع لصديق طفولتهم سامح قبل سفره عائدا إلى مهجره القسرى.. حيث لقمة العيش الصعبة.. المغمسة بالغربة والمعاناة.

 

عاد مسرعا للبيت فور انتهاء العشاء.. فالساعة تقترب من الحادية عشرة.. حيث حنان تكون في انتظاره..هذا اللقاء الذي يحتاجه الليلة بشكل خاص وأهمية بالغة.. بادلها الكلمات فورا:

– حنان.. احتاجك أن تكوني اقرب إلى  أكثر من أي وقت مضى.. اهمس إلى قلبك الطيب: كوني بخير لأنك قلبي .. فدموع الفرح بلقائك تنهال منى الآن.. تغسل معها حنقا ويأسا وصخبا يجتاحني.. احتاجك  يا مهجة الروح.. يا حبا اندمج  في قلبي بكل سكناته ونبضاته.. فيدق هاتفا باسمك.. ويتغنى دوما بلحن حروفك ..هل تحبيني يا حنان؟؟ وانتظر يسمع إجابتها…

-يتبع-

إلى اللقاء في الحلقة الأخيرة.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.