إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قراءة في الانتخابات العراقية

                                  

 

زيد يحيى المحبشي

                                                                                                     

بعد سبعة أعوام من الاحتلال الأميركي تدخل العملية السياسية في العراق مرحلة نوعية ومفصلية قد تقوده إلى التخلص من أغلال الاحتلال وإرساء الدولة الوطنية المستقلة والمستقرة بعد أن كانت قد انتقلت بفضل التطور الأمني النسبي في العامين الأخيرين من مرحلة الدولة الفاشلة إلى مرحلة الدولة الهشة وهذا بدوره يتوقف على مدى قوة الإرادة السياسية للعبور من نفق الطائفية والمحاصصة إلى شاطئ المواطنة المتساوية والوطنية ألحقه هذا من جهة, ومن جهة ثانية قد تقوده إلى فراغ سياسي ودستوري وأمني ليعود مجدداً إلى نقطة البداية وكأن شيئاً لم يحدث وبالتالي الدخول في نفق مظلم ومشحون بالحروب الأهلية والطائفية والإرباك والفوضى.

يأتي هذا في وقت بلغ فيه  الصراع الأميركي الإيراني ذروته في معركة مصيرية حشد لها الفريقين كل طاقتهما في سباق مع الزمن لحسم هوية العراق الجديد وتقرير مساره ومصيره خلال المرحلة المقبلة حيث يسعى كل منهما إلى الانفراد باللعبة السياسية العراقية وضمان بقاء هذا البلاد تحت نفوذه وضمان الوجود والمصالح وهو ما يتقرر في السابع من مارس الجاري والذي سيقول فيه الشعب العراقي كلمة الفصل بين الانتصار للإدارة الوطنية أو الارتماء في أحضان أحد المعسكرين الأميركي أو الإيراني خصوصاً وأنه على مقربة من الانسحابات الأميركية الجزئية في آب /أغسطس المقبل والكلية في نهاية 2011 ما يجعل من الانتخابات التشريعية كثالث وآخر انتخابات تجري تحت الاحتلال نقطه فاصلة كونها ستحدد هوية الحكومة الخامسة التي ستكون معنية بتحديد شكل عراق ما بعد الاحتلال.

مفاعيل الحراك السياسي المستبق الانتخابات بما صاحبه من تأزمات وتشظيات وتقلبات وتبدلات في تحالفات العملية السياسية لم تكن بعيدة عن الصراع الإقليمي الدولي ما يشي بأن المرحلة المقبلة حُبلى بصراعات سياسية و أمنية لا تقل خطورة عن إيقاعات السنوات السبع العجاف الماضية في بلد لا يزال متعثراً بالدم والنار ولا تزال مؤسساته الناشئة ذات قابلية كبيرة للاختراق الخارجي ولا تزال المصالحة الوطنية غائبة ولا تزال خمس من محافظاته تحت سيطرة قوات الاحتلال الكاملة وثلاث تحت الحكم الكردي الذاتي المستقل والبقية تحت السيطرة الإيرانية والأميركية غير المباشرة ولا تزال تجارة الموت والعنف مستمرة ولا تزال عمليته السياسية تدار بطريقة عشائرية وفطرية مشوهة وغير مفهومة في عالم السياسة والأخطر من هذا وذاك  استمرار تركيز قادته الجدد على  صراع  الثروة والسلطة والتلهف لربط إرادتهم السياسية بإرادة الدول المحيطة والقوى الكبرى والخضوع لإستراتيجياتها والتماس تدخلها ورضاها ودعمها.

كل ذلك يجعل من محاولة القوى الوطنية العابرة للطائفية للولوج إلى العملية السياسية لفرض التغيير والإصلاح محرجاً للغاية وسط تزايد المخاوف من تصعيد الانتخابات عناصر غير نظيفة إلى السلطة لتقود العراق من محنته الحالية وتدخله قسراً إلى الظلام الأبدي لاسيما وأن المعطيات المصاحبة للانتخابات تشي بأن العملية السياسية ومشاريع تقسيم العراق وجهان لعملة واحدة وهو ما يجعل من الانتخابات الحالية مجرد مسرحية هزلية متقنه لتلميع المشهد السياسي الهش ما نجد حقيقته في ارتفاع أسهم بازار الأكاذيب  والوعود الانتخابية المغلفة بجلباب الوطنية والمشاريع السياسية الوهمية فيما هي في واقع الأمر مجرد زعانف تُحرك من خارج الحدود وهو ما يؤكد صحة رؤية الكثير من الخبراء والباحثين العراقيين حول عدم جدوى العمل السياسي في ظل الاحتلال.

 

المشهد الانتخابي

تعتمد انتخابات 2010 على اعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة على أن تتوزع مقاعد البرلمان الـ  325 بواقع مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة وفقاً لأخر إحصاء تقدمه وزارة التجارة – البطاقة التموينية – نظرًا لعدم وجود إحصاء سكاني في هذا البلد منذ العام 1957, على أن يكون الترشيح بموجب القائمة المفتوحة في كل دائرة سواء لصالح القائمة الانتخابية أو أحد مرشحيها بحيث يجري بعدها جمع الأصوات الصحيحة لكل قائمة وتقسيمها على القاسم الانتخابي لتحديد عدد المقاعد المخصصة لكل قائمة تبعاً لنسبة الأصوات التي حصلت عليها أي أنها ستكون أكثر من نصف مغلقة وأقل من نصف مفتوحة.

هذا النوع من الانتخابات من شأنه تعزيز مراكز القوى الكبيرة على حساب القوى الصغيرة والقوى الراغبة في التغير وتغليب قاعدة المحاصصة وما ينشأ عنها من صفقات سياسية وبالتالي عدم ارتقاء الانتخابات إلى الحد الأدنى من النزاهة والتنافس الشفاف في ظل غياب قانون أحزاب يضبط العملية السياسية في بلد لا تزال تكتلاته الداخلية مرتبطة بمدى عمق الصفقات الإقليمية والدولية التي يعقدها هذا الطرف أو ذاك وبمدى حيازة المال السياسي.

بلغة الأرقام, هناك أكثر من 276 كيان سياسي تخوض الانتخابات منها 148 كيان يشارك لأول مرة و128 كيان سبق له المشاركة و44 كيان بأسماء فردية و 232 كيان موزعة بين قائمة وائتلاف وحركة وتيار تمثلها  6 تحالفات رئيسية تتنافس على 310 مقاعد موزعة طائفياً بواقع 190 للشيعة و70 للسنة و50 للأكراد إلى جانب 15 مقعداً تعويضياً 8 منها تعود للأقليات و7 على الفريق الذي يحصد أكثر الأصوات.

عدد الناخبين نحو 14 مليون و780 ناخب موزعين على 6088 قلم انتخابي لاختيار أعضاء البرلمان من بين 6172 مرشحاً, في حين تشير المعطيات إلى أن الصراع الأميركي الإيراني سيتحكم في 70 بالمائة من نتائج مقابل تحكم الناخب العراقي في 30 بالمائة فقط فيما يذهب 43 بالمائة من الشارع العراقي إلى أن اعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة سيعزز القوائم الكبيرة مقابل 35 بالمائة يرون أنها ستقود إلى تركيز قوى محدودة في البرلمان وتعزيز دور الحزب و القيادات الحزبية على حساب المرشحين الأفراد.

 

المشهد السياسي:

في انتخابات 2005 حكمت المشهد العراقي ثلاثة أضلاع طائفية هي الائتلاف العراقي الموحد عن الشيعة وجبهة التوافق عن السنة والتحالف الكردستاني عن الأكراد بالتوازي مع وقوف أميركا وإيران إلى جانب الأول وضد الثاني و ضمان حقوق الثالث, بينما دفعت التقلبات والتعقيدات الإقليمية والدولية في السنوات الخمس الأخيرة إلى تبدل المعادلة الداخلية بفارق بسيط هو تحول السنة من دور المشاركة الفاعلة إلى دور الرديف والحظوة بدعم أميركا هذه المرة على خلفية تشظيها وانصهارها في التحالفات الأخرى, والعكس في المشهد الشيعي فهو رغم انقسامه إلى تيارين أحدهما موالي لإيران والأخر لأميركا إلا أن الشيعة لا تزال محتمية بقوتها العددية الكبيرة المحافظة على حدود مقبولة من التماسك الطائفي والمنسحب بدوره على الأكراد المحتمين بقضيتهم المركزية حول الحكم الذاتي والحظوة كالعادة بضمانات أميركية لا محدودة.

وبين ما يريده الداخل وما يريده الخارج خيط رفيع سيقرر هوية الحكومة المقبلة وتحالفات ما بعد الانتخابات وهوية عراق ما بعد الاحتلال في حال تم إنفاذ الاتفاقية الأمنية مع أميركا.

 

خارجياً:  تُعد واشنطن وطهران اللاعب الأساسي وكلاهما لديه أزمات داخلية حادة وحسابات خارجية دقيقة ما يجعل من العراق الساحة المناسبة لتنفيس الاحتقانات الداخلية وتصفية الحسابات الخارجية بفارق بسيط هو تحرك واشنطن داخل إطار اللعب السياسية العراقية فيما تفضل طهران التحرك داخل وخارج اللعبة العراقية ولكل منهما أوراقة فواشنطن تتحكم في الخيارات القانونية الأممية والتي لا يزال العراق بموجبها واقعاً تحت مقصلة الفصل  الأممي السابع المتيح لها حق الإشراف التام – طبقاً للقرار 1546 – على مقدرات العراق في حال فشل القوى الموالية في إحراز الفوز الساحق ما لم تحدث صفقة إقليمية للتسوية تشمل إيران لتقاسم النفوذ ولذا فواشنطن تدعم وبمباركة بقوة غربية وعربية, تحالف العراقية وائتلاف وحدة العراق وهما تغلبهما السمة السنية الفاعلة رغم أن قيادتهما شيعية ومرشحها القادم لرئاسة حكومة العراق الخامسة إياد علاوي وهو توجه يحظى بدعم دول عربية عدة تريد إدارة صراعها مع إيران في العراق بالنيابة من خلال البوابة الأميركية فيما تريد أميركا العكس تماماً فهي تريد أن يلعب العرب دور ايجابي في العراق وتريد كبح جماح النفوذ الإيراني وقصقصة  أذرعه العراقية  وترك حكومة موالية تضمن تأمين الانسحاب الأميركي والمصالح الأميركية في العراق والمنطقة كما أن أي خلل حالياً لا يخدم العملية السياسية والمصالحة الوطنية العراقية كون الاهتمام الأميركي متركز على حل مشكلة كركوك وتسوية المشاكل العالقة مع الشمال الكردي.

إيران بدورها ترى في الورقة العراقية فرصة ذهبية لتخفيف الاحتقان الإيراني الداخلي وتحسين موقفها التفاوضي بشأن الملف النووي ناهيك عن رغبتها في سد فراغ الانسحاب الأميركي من العراق لترسيخ وجودها ونفوذها ولذا فهي تقود معركتها بالوكالة عبر ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي ذي الغالبية الشيعية مع بعض التطعيمات الكارتونية السنية والكردية ورئيس وزرائها للمرحلة المقبلة عادل عبدالمهدي أو إبراهيم الجعفري أو المالكي على أن الورقة الإيرانية الرابحة هي اجتثاث البعث وآلية التنفيذ هيئة المساءلة والتي قامت باجتثاث مئات من مرشحي السنة الفاعلين المحسوبين على أميركا.

الصراع في إطاره العام مرتبط إلى حد بعيد بصراع المحاور في المنطقة وبدرجة الشعور بالقلق والتهديد إزاء الطموحات الإيرانية وهو ما يجعلنا أمام خيارين لعراق ما بعد الانتخابات العراقية إما حدوث صفقة إقليمية دولية في حال عدم إحراز أي من المعسكرين الرئيسين الفوز الساحق أو حدوث العكس وحينها سيكون العراق أمام كارثة محققة.

 

داخلياً: تشير المعطيات إلى استحالة إحراز أي من التكتلات الستة الرئيسية الغالبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة وترجيح إحدى الكفتين الأميركية أو الإيرانية.

1- الائتلاف الوطني العراقي : ديني طائفي, يتشكل من المجلس الأعلى/ عمار الحكيم , والتيار الصدري ومنظمة بدر وحزب الفضيلة والمؤتمر الوطني/ أحمد الجلبي ,  وتيار الإصلاح/ إبراهيم الجعفري وكلها شيعية إلى جانب قوى سنية وكردية شيعية هامشية, ومن المرجح أن الائتلاف لن يكون له تأثير كبير في المرحلة المقبلة .

2- ائتلاف دولة القانون: ديني طائفي متغلف بالوطنية, يقوده المالكي يضم حزب الدعوة الشيعي وعدد من القوى السنية والشيعية الكردية الهامشية, التحالف غير متوازن وبالتالي توقف فرص نجاحه على عامل الزعامة المحلية والإقليمية وسلطة المالكي تحديداً في حين تذهب التقديرات إلى احتمال إحرازه مع الائتلاف الوطني العراقي 90 مقعداً  محسومة ما يحول دون انفراد أي منهما بتشكيل الحكومة المقبلة وبالتالي حاجتهما لإعادة تحالفهما وهو المرجح إلى جانب تحالف ثالث قد يشمل التحالف الكردستاني.

3- ائتلاف وحدة العراق: تحالف علماني ليبرالي عابر للطائفية شكله وزير الداخلية الشيعي ورئيس حزب الدستور جواد البولاني إلى جانب عدد من الأحزاب والشخصيات السنية الفاعلة وعدد من الأكراد المستقلين وابرز شخصياته رئيس البرلمان الحالي عبدالغفور السامرائي ومن المرجح أن يشكل الائتلاف عامل المفاجئة في الانتخابات وحصوله على مقاعد مقاربة للمقاعد التي يحصل عليها أحد الائتلافين السابقين.

4- تحالف العراقية: يضم 21 حزباً بقيادة أياد علاوي وهو تحالف علماني ليبرالي عابر للطائفية تغلبه السمة السنية الفاعلة وابرز قياداته صالح المطلق وطارق الهاشمي وأسامة النجيفي وظافر العاني ويعتمد حظه على جاذبية الشركاء السنة والحسابات الانتخابية ومن المرجح حصوله على 70-80 مقعداً وبالتالي تحالفه مع ائتلاف وحدة العراق مع احتمال انضمام قائمة التوافق لتشكيل الحكومة.

5- قائمة التوافق: حصلت في 2005م على 44 مقعداً فيما يتوقع اليوم حصولها على 30 مقعداً ويقودها الحزب الإسلامي وهي ذات غالبية سنية ومن ابرز شخصياتها عدنان الديلمي وعمرالجبوري.

6- التحالف الكردستاني: طائفي قومي, مكون من 10 أحزاب صغيرة إلى جانب حزبي برزاني وطالباني الرئيسيين في الساحة الكردية إذ يرجح حصوله على 30 مقعداً في المناطق الكردية والتنافس على العشرة المقاعد الكردية في المناطق المختلطة مقابل حصاد المعارضة الكردية 15 مقعداً والممثلة في قائمة التغيير الممثلة في البرلمان الكردستاني بـ 25  مقعداً وقائمتا الاتحاد الإسلامي والجماعة الإسلامية  واللافت في المشهد الكردي تفضيل لعب دور المراقب الممسك بالعصا من الوسط في الملفات الشائكة خارج كردستان لتطلب مصلحته بقاء التوازن بين الشيعة و السنة بين الجذب و الشد وعدم السماح لأي طرف منها بحسم الأمر لصالحه لان ذلك سيشكل حينها تهديداً لمصالح وطموحات الأكراد المستقبلية.

   

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد