صخب الموانئ 12 (الأخيرة). م. زياد صيدم

0

كان اللقاء مع الوفد الفني الدانماركي ايجابيا.. وهو يطلع مبهورا على المخططات والتصاميم.. وبارك البدء في تنفيذ المشروع الضخم.. الذي ارتبط انجازه باسم الباش مهندس إبراهيم.. حيث دأب وسهر وعانى مع فريق العمل شهورا طوال.. حتى يثبتوا للعالم قدرات هذا الشعب الأبي في الانجاز.. كما هو في الصمود والتضحيات.

تم توقيع الاتفاقية لاحقا بحضور وزير النقل والمواصلات من كلا الطرفين.. واحتفلوا جميعا بهذه المناسبة الكبرى والسعيدة .

 

في اليوم المقرر لميعاد اللقاء مع دكتور نصري وفريقه المتخصص.. كان إبراهيم يصارع ويواجه على الجبهة الأخرى اشد واعتي أنواع التحدي..فكان اللقاء وكانت الحقيقة..

– أهلا باش مهندس إبراهيم.. كان ترحيب الدكتور نصري وقد تحلق من حوله ثلة من مساعديه..وهو يُقلب ذاك الملف الأزرق المعنون برقم: 22 عنوانا للسرية التامة على أسماء النزلاء في أفخم مركز تخصصي، للأمراض العصبية والنفسية  ..

– أهلا بكم جميعا.. لقد اتخذت قرارا ؟ أريد اطلاعكم عليه فورا؟

– تمهل باش مهندس أرجوك.. ولتستمع أولا للتقرير النهائي وتوصياتنا .. كن حليما، فنحن بصدد إخبارك بأمر هام لعلك لم تفكر به سابقا!

– تفضل دكتور.. سأستمع أولا..

– أجرينا تقييما معمقا.. ومراجعة شاملة وكاملة.. تحدثنا مع نجوى أمس.. وبناء على ذلك اتخذنا قرارا بعد أن تيقنا من الحالة وصعوبة الشفاء التام: بان تخضع نجوى لعلاج دائم مدى الحياة.. وستغادر المصحة في أسرع وقت.. وهناك كثير من التعليمات والإرشادات التي ستتبعونها في البيت.. على أن تبقى تحت رعايتك.. وخصوصا أم سعد المربية التي تعين الأسرة، ستكون المعين لها ولكم وننصح ببقائها دوما.

– ياااه غير ممكن ؟ مستحيل!!..

– كيف؟ ماذا تقول باش مهندس؟.. في هذه اللحظات بدأت العيون شاردة! تتلاقى فيما بينها على استغراب واستحياء وذهول!.

 لا يا سادة لا تفهموني خطأَ..أرجوكم، كنت أقصد هل من المعقول أن يكون قراركم هو نفس قراري الذي اتخذته أنا بالأمس! هذا ما كنت سأطالب به..فهذا تطابق مع قراري الذي وددت إعلامكم به في البداية.. خاصة بعد أن اتضح نهائيا عجز الطب الحديث في علاج هذا النوع من الأمراض المزمنة، والمستعصية على الشفاء. وما أن انتهى من تفسيره، حتى ارتاحت النفوس الحائرة، واستقرت العيون المذهولة، وتنفس الجميع الصعداء.

– ولكن ماذا بشان حديثكم إلى نجوى؟ أريد الشفافية الكاملة.

– نعم كان اللقاء هادئا.. وفى لحظات هدوئها واتزانها بفعل العلاج الجديد الذي وصلنا حديثا هذا الأسبوع.. حيث تطابق أخيرا مع وضعها الصحي والنفسي.. وقد أفصحت بكل شفافية وعفوية: بأنها لا تشعر بأمومة تجاه الأولاد كما السابق.. لكنها لا تنفر ولا تنزعج منهم، ولا تشعر بضجيج يمخر عباب رأسها.. و أفادت: بأنها تشعر براحة وتوازن كبيرين مع كورس العلاج الجديد.. لكنها تعانى من تدهور شديد في استجاباتها كأنثى ..بمعنى أدق، لا تفكر باحتياجاتها معك! أو مع أي رجل آخر.. فلست أنت المقصود هنا.. وهذا ناجم طبعا عن نوعية العلاج الجديد والفعال والذي سيواكبها مدى الحياة .. فلكل ايجابياته وسلبياته.. وبوجه عام وهذا معلوم لدينا سابقا بان الحالة المرضية المتقدمة قد أفقدتها الرغبة في لقاءات زوجية حميمة..تفهم قصدنا طبعا باش مهندس.

– نعم أتابعكم.. وأتفهم ما تقولونه..يُشعل سيجارته، يأخذ نفسا طويلا، يخرجه ببطيء.. يستدرك قائلا: لكن وضعها النفسي والسلوكي مع الأسرة كيف سيكون؟ ما يهمنى هو حالة الأسرة كلها.. وانعكاسات وجودها لاحقا؟

– لا تنزعج، سيكون سلوكها بشكل ملائم وعادى.. ومسيطر عليه بفعل العلاج الجديد الناجع.. وستسير الأمور إن شاء الله على خير ولكن: متابعة دقيقة للعلاج وعدم التقطع فيه أمر في غاية الأهمية وهى احد تنبيهاتنا الصارمة.. وهناك خبر مفرح فنجوى الآن تأخذ دوائها بنفسها.. فقد عاد التوازن إليها.. والثقة بنفسها وهذا هو الأهم .. لقد عرفت أخيرا بمرضها.. وتناقشت معنا أمس.. وهذا مؤشر نجاح العقاقير الحديثة بعد تتبع لحالتها على مدى الشهور الماضية.

– حمدا لله..كم أنا شاكر لكم ما صنعتموه، وهذه الجهود المضنية والمتابعة الحثيثة عبر شهور طويلة.. 

– لا باش مهندس.. هذا عملنا، وهذا قسمنا..وهذه فرحتنا، لكن: لا يكتمل الحلو كما يقول المثل فهذه سنة الحياة والأقدار المكتوبة على الإنسان !!

خرج إبراهيم مستبشرا.. والراحة تغمر كيانه.. وبشائر لم شمل الأسرة مع أمهم قد أعاد البسمة إلى وجهه..لم ينتظر وصوله للبيت.. هاتف ابنته سلوى بالأمر.. وطمأنها بان أمها ستكون في وضع جيد.. ولن يأتيها شعور الانزعاج أو الضيق أو عدم الاكتراث واللامبالاة الذي رافقها سابقا..وهى متفهمة جدا لوضعها الآن.. وتعرف الكثير عن نفسها وهذا انجاز كبير بنيتي.. أجهشت بالبكاء من الفرحة.. وبصعوبة كانت تخرج كلماتها مرحبة بأمها قائلة : سنكون جميعا يا أبتي في خدمتها.. وأي شيء تحتاجه سنكون إلى جانبها.. وستعود البهجة إلى البيت بوجودها ..

– نعم حبيبتي، ستعود البهجة أخيرا إلى البيت.. لنستعد لاستقبالها بعد يومين إن شاء الله.. أبلغي أم سعد أن تعمل على إعداد غرفة النوم المغلقة وتنظيفها.. فانا سأحضر اليوم غرفة نوم جديدة تليق بها وبمكتب خاص كما تحب.. و ستكون جاهزة هذا المساء.. فنجوى ستكون سعيدة بالنوم وحدها كما هي رغبتها بنيتي!! وهنا تنهمر دموعه حارقة.. وقد امتزجت بالفرح والألم! حيث أخفى الجانب العاطفي المفقود عندها، واحتياجاته الطبيعية كرجل.. وأحقيته بالتمتع في الحياة.. فليس المجال لذكرها لابنته في هذه الأثناء.. فقد كان تركيزه على سعادة أطفاله ومستقبل أسرته في المقام الأول.

 

في لقائه ليلة أمس مع حبيبته حنان.. كان قد سألها: هل تحبيني يا حنان ؟؟ فكانت إجابتها البلسم الذي أضاء له طريقه.. وسط صخب ما يزال يعصف بروحه وقلبه..

– احبك ..! ألازلت تسألني؟ ألا تشعر بفتونى بك ؟ ألا تشعر بجنوني بك ؟ احبك..! لا تكفي كلمة احبك.. لا تكفي أبدا كل مفردات الكون.. لا تستطيع أن تعبر لك عن مشاعري وأحاسيسي تجاهك.. أنت الماء الزلال في صحراء عمري .. أنت الدفء الذي يسكنني بالحنان والأمان .. أنت تسري في عروقي كدمي .. أنا لا أتنفس إلا إياك.. ولا أعيش إلا بك.. ولا أرى سواك.. ولا أريد سواك ..احبك؟ تسألني إبراهيم إن كنت احبك وأنت النبض في خافقي وأنت كل كياني ووجداني.. وأنت فكري وأمنياتي.. وأنت حلم عمري الذي لم اصدق إني وجدته أخيرا ..تسألني هل احبك ؟هل ستكفي هذه المفردات لتعبر لك عن حبي..احبك نعم .. وأذوب فيك وانصهر في حناياك حتى آخر أنفاسي .

 

أسدل الليل بساتره .. وتسلل النعاس إلى الجفون..وأغلق كل منهما حاسوبه.. وقد قاربت الأمنيات من بوح صريح لأحلامهما .. بوح تشتاق  القلوب العاشقة إلى سماعه..فلا عوائق نفسية أو معنوية أو مادية ستقف حائلا بينهما.. حيث سيكون لاحقا تجسيد الأحاسيس والشعور بالحب الصادق والعواطف الجياشة إلى حقائق دامغة.. رسمت الأحداث الصاخبة نهاياتها.. و بانت واضحة وضوح الشمس .

تمت / فبراير 2010

****

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.