إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

بل: “تكالبت الضباع علي يزيد”

images(73)

أ.د. ناصر احمد سنه

/ كاتب وأكاديمي من مصر.
 

ذات يوم جمعة وعظنا واعظ صلاتها، فساق بيتاُ من الشعر يقول قائله:
تكالبت الظباء علي "يزيد"    #    فما يدري "يزيد" ما يصيد!!.
وسرد واعظ الجمعة بعض المشاهد والمواقف التي تتوالي وتتقافز كأنها الظباء لكنه استدرك قائلا: " لكن نحن ندري ما نصيد"، طارحا في أيجاز كيفية التعامل مع تلك المشاهد والمواقف والهموم والمشكلات.
علي ما يبدو أن "يزيد" هذا أو "سعيد" أو غيرهما قد خرج في رحلة يصيد فيها الظباء، لكن تلك الظباء قد اجتمعن عليه، و برشاقتهن الجميلة تقافزن من حوله تغري كل واحدة منهن باصطيادها " مضحية بنفسها عن أختها". فكن بكثرتهن وسرعة تكالبهن عليه حائلاً دون الظفر بواحدة منهن. بيد أنه علي أية حال قد سعِد بتلك الرحلة، وتمتع بجمال الظباء وعدوها، حني وإن عاد "بخفي حنين"، خالي الوفاض.
لكن ما يعن لنا اليوم من مشكلات وأزمات بل ونكسات حديثة ـ والحديثة منها ليست منبتة الصلة بالقديم كما أن توصيفها أولي خطوات علاجها ـ تـُلح في التصرف في هذا البيت الذي ساقه، و"قياساً مع الفارق"، ليكون:
تكالبت الضباع علي "يزيد"    #    فيناوشها "يزيد"، فيأسر ويصيد!!.
فالضباع من الحيوانات الثديية اللاحمة التي تعيش في مجموعات تسيطر عليها الإناث. ورغم أن الضباع تفضل الصيد ليلاً؛ فإنها تهاجم الفريسة الضالة والضعيفة نهارًا، مخالبها قوية، ورغم جهده المبذول أثناء المطاردة فإن الضبع ـ الذي يتميز بقوة فكيه ـ الجثة ويمكنه سحق العظام بأنيابه، ويفعل ذلك فورًا بعكس الأسد أو الفهد الذي يحتاج للراحة قبل أن يشبع شهيته. ثم تجتذب تلك الجثة كل الحيوانات آكلة الجيف، وتنتظر دورها على مسافة آمنة من الضباع، لكن الضباع تتجاهلها، وتسرع في إنهاء وجبتها؛ قبل أن تأتي الحيوانات الأقوى لسرقة تلك الغنيمة. ومن صفات الضبع أنه حيوان جبان فهو لا يتورع عن مهاجمة القرى النائية محاولاً افتراس الحيوانات المنزلية كالخراف والماعز والأغنام. وتطلق الضباع أصواتا غريبة تتراوح ما بين العويل والنباح، وأحياناً تكون أصواته مشابهة للضحك البشع ولذلك فإنها تكنى بالضباع الضاحكة وأحياناً أخرى فإنها تصدر أصواتاً رفيعة حادة تكون في غاية الإزعاج.
 
يقول صلي الله عليه وسلم: "يوشك أن تداعي الأمم عليكم كما تداعي الأكلة إلي قصعتها..قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال:" لا، بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن". قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (رواه أبو داوود، وفي صحيح أبي داوود للألباني).
إنه تحديد دقيق مُعجز، ونقطة انطلاق للخروج من المأزق الاجتماعي الحضاري.. بكل أطرافه وأطيافه وأماكنه.. المحلية والعالمية. أمم متعددة "كالضباع تتكالب / تتداعي علي أمتنا (كتداعي الأكلة إلي قصعتها).. استخرابا، واستقطاعا من أراضيها، واستنزافا لثرواتها المادية والمعنوية في آن معاً. تدافعاً اجتماعياً/ حضارياً/ ثقافياً، بل لعله أحيانا "وجودياً" بين النموذج العربي الإسلامي وغيره من النماذج.
هذا التدافع بصوره المتعددة والمتنوعة والمتراكمة قد يدمر عالم أفكار الأمة، وقدواتها فضلا عن تبديد / استيراد عالم أشيائها. لذا كان هناك ثمة "حوار استفساري" من الصحابة الأبرار عن: العلة وأعراضها ومن ثم الحل. بيد أن الاستفسار ذهب إلي طريق "التفسير الكمي/ العددي/ الشخصاني" للمشكلة/ الأزمة الاجتماعية/الحضارية تلك. لكن الرسول صلي الله عليه وسلم صوّب الوضعية الحقيقية إلي عالم الكيف/ الأفكار/ النفوس: إنها وضعية " الغثائية" وعللها وتراكم معضلات "حب الدنيا وكراهية الموت"، وتنامي صور  "الوهن" النفسي والاجتماعي والحضاري.
إنه وهنٌ انعكس علي العلم/ الإيمان/التقوي، والعمل/ الجد / الفلاح/ النهوض/ الريادة / القيادة/ الأنموذج ..الزاد الدائم للاجتماع والتحضر في سبيل السير إلي الله تعالي. إنه وهن غدت بعض مظاهره بادية، وأهم شواهده حاضرة عبر:
–  سعي ضباع الغرب، ومن لف لفهم، عبر عقود من الاحتلال إلى "نهش" وتفتيت زسحق عظام دول العالم العربي والإسلامي, وتوزيع تركة الرجل ـ ليس المريض ـ بل الُمجهز عليه, قاضيا على وحدته وعوامل توحده ، واتحاد كياناته مستقبلا, بزرعه لرأس حربة له, ويد طولى له، وترسانة متقدمة لأسلحته,وتعبئة مستدامة لجنده. وباصطناعه الحدود, وإبقائه لمواضع توتر وتنازع بين كيانات تتناحر لا أن تتكامل.
– لذا نري جراحنا تنزف في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان، وكشمير والشيشان، وتركستان الشرقية، والفليبين، والصومال، وصولا لليمن "السعيد"، وتلكؤ العديد من الدول العربية والإسلامية في الاعتراف بكسوفا، واستمرار احتلال " سبتة، ومليلة" المغربيتين، والنزاعات التفتيتية في السودان، وغيرها من المشاريع المشبوهة.
– مادامت مطامعه يتم المحافظة عليها فهو يساند مناخ وصور الاستبداد والفساد ـ وكلاهما لا ينفصلان. وكأن الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والتمنية الحقيقية وقفٌ فقط عليه دون أن ينعم بها غيره. فنراه يغض الطرف بل يساهم في تزوير إرادة الشعوب وسرقتها.
– غياب المشروع العام وسيادة المشاريع الخاصة، وتآكل مشروعيات النظم الحاكمة غير المستندة إلي إرادة شعوبها، وخياراتهم، وتطالعاتهم.
– إبقاؤه الدول العربية والإسلامية ضمن منظومة (العالم الثالث.. المتخلف/النامي) تتناوشها الأمراض والعلل التي في أغلبها هو مسببها: فقرا.. وتكريسا له, وديونا وتراكما "لفوائد" تستحيل على السداد, وعبر مؤسساته البحثية المختصة, وتمويله لتقارير ترصد معدلات التنمية يشيع مناخًا "بحتمية" العجز والتخلف على هذه الدول.
– مشكلات الاقتصاد والتنمية وتعثراتها، والتعليم والإعلام ووهنهما، والصحة والبيئة وتلوثاتها، والأمن الغذائي والقومي وجدلياتهما. لقد فرضت " الضباع" الهيمنة والارتهان والإلحاق الثقافي والاقتصادي عبر الشركات المتعددة الجنسية, وصندوق النقد والبنك الدوليين واتفاقيات تجارية عالمية تُبقي على أسواقنا مفتوحة ـ فقط ـ للأقوى، وفق نظرية الخمس أو 20/80 (فالغرب خمس العالم يتحكم ويسيطر ويستغل ويحتل أكثر من 80% من ثروات العالم).
  – تصدير نزاعاته الداخلية للخارج عبر اصطناع عدو تلو آخر.. وهو بذلك يحافظ على تماسك نسيجه الاجتماعي الفسيفسائي الهش, وجلبا للمزيد من التنازلات ضمن الهيمنة والعولمة التي تعمل علي سحق الهويات المحددة والمتماسكة وغطائها الحيوي والهام, (فالعدو الأخضر بعد العدو الأحمر), و(الإرهاب العربي/ الإسلامي العالمي بعد الحرب الباردة).. ولبدء (حربه الساخنة) سبقها بمقولات مثل: (صدام الحضارات) و(نهاية التاريخ) و(نهاية الأيديولوجيا), إلخ.
– هذه الأمة العربية الإسلامية هي الوحيدة التي ليس لها "حق تقرير المصير " (حسب قول د. عزمي بشارة). وعلى الرغم من الضعف والوهن الحضاري والغثائية التي يعانيها العالم العربي والإسلامي: (فلماذا يتكالبون علينا ويعادوننا؟), هل لمعرفتهم بما نحن غافلون عنه من إمكانات ثقافية واجتماعية واقتصادية للنهوض؟, والذي إذا ما حدث فسيتراجع هو بعد نجاح وسيادة, وربما يصل إلى التفتت والتشرذم, الأمر الذي يكرسه في الآخرين خشية أن يصيبه!(راجع د. ناصر أحمد سنه: "ولماذا لا يحسن الغرب صورته أيضاً؟" مجلة العربي، العدد:559، يونيو 2005م، ص168ـ 169، الكويت).
إن متنفذين كُثر، شعوبا وقبائل، دولا وأمما، يسعون ـ بناء علي خلفيات جعلوها أيدلوجيات ـ "كالداروينية الاجتماعية والأقتصادية" وغيرها من مذاهب، لفرض شرعة الغاب علي هذا العالم. بيد أن الغاب له قوانينه وشريعته التي يفتقدها ضباع البشر. لذا ولغيره يطل بيت آخر من الشعر وقعت عليه عيني ـ ويبدو أن هذه السطور يلح عليها هاجس الشعرـ في احدي مجلات الحائط الطلابية، يقول قائله:
لا تطلبوا بالضعف حقا ضائعا #  ما للضعيف الحول من أشياع.
وكأن هذا الشاعر  يستلهم قوله تعالي: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ" (الأنفال:60). فيؤكد علي القوة بكل صورها ومعانيها. قوة من إيمان وعمل، فكر وعلم، توحد ووحدة، تحرر وحرية، تضافر وتعاون، تنمية ونهوضا، الخ عندئذ سيتحقق ليزيد ما يريد من أسر وصيد لكل تلك الضباع وحاشيتهم، فامتنا لم ولن تموت أبدا، وإن بدا عليها بعض مظاهر الضعف والوهن، فالأيام والحضارات دول:
تكالبت الضباع علي "يزيد"    #    فيناوشها "يزيد"، فيأسر ، ويصيد!!.

بقلم: أ.د./ ناصر أحمد سنه / كاتب وأكاديمي من مصر.
E.mail:[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد