قراءة في سلسلة صخب الموانئ للقاص زياد صيدم ..بقلم :ازدهار الانصاري

0

تابعت هذه السلسلة منذ حروفها الاولى وحتى وصلت الى ما صلت اليه في نهايتها .. الحكاية ببساطة قصة رجل كانت له زوجة محبة شديدة الحنان والرعاية له ولاطفالها لسبب لعله في جيناتها اصيبت بمرض لا شفاء منه الامر الذي اضطر فيه الزوج ابراهيم ان يودعها في مصحة للامراض النفسية وجاء بامرأة كبيرة في السن كي تخدم اطفاله وتعوضهم فقدان الام ورعايتها لهم كما تقوم بشؤون بيته فهو رجل كثير المشاغل وعلى الرغم منها كان يتابع حالة زوجته واوضاع اطفاله قدر المستطاع ..ومع مرور الوقت وحاجته الى الصدر الحنون الذي يسد فراغ الزوجة الغائبة ويشعره بإنسانيته ووجوده راحت تنتابه حالات ألم واحساس بالوحدة والحاجة الى امرأة تمنحه الحنان المفقود ..و وجد ضالته في الشبكة العنكبوتية ليقع عبر الاثير بحب حنان التي حاولت ان تعوضه من خلال مشاعر امرأة عاشقة له ولو جزءا مما فقده بغياب الزوجة نجوى ..

فهل تمكنت حنان من استيعاب متطلبات هذا الرجل ؟؟ وهل كان ابراهيم عاشقا حقا ام ان حنان كانت بديلا مرحليا للزوجة المريضة ..؟؟

لا اريد ان اتحدث بإسلوب ناقد لاني لست بناقدة ولكني سأتناولها بإسلوب قارئ كان حريصا جدا على متابعة كل مفردات القص من بدايته وحتى النهاية ..

بدءا كان القص متناغما بسرد جميل متتابع ومنتم بعضه الى الاخر دون تقاطعات بل بتسلسل واضح ومرتب هيأ القارئ لاستقبال الاحداث بشغف وانتظار وهذه اظنها نقطة تحسب للقاص كونه تمكن من جذب انتباه القارئ الى حقيقة تكوين القص وما يتطلبه من متابعة ..

فهو يسرد هنا بتلقائية البوح (أطلق لفكره العنان مستذكرا ليلة أمس مع صديقته التي باحت بحبها له، وهى تعلم بأنه صاحب القلب المشغول حتى لحظة بوحها .. فأربكته وأوقعته في حيرة الإجابة، فكانت مفاجأة كالصاعقة عليه.. ) ح1 .. وهنا نجد سلاسة السرد .. كما تمكن القاص صيدم من جذب انتباه القارئ الى اكثر من توجه في القص حيث الصخب النفسي الذي كان يعاني منه البطل وحيث الصخب الحياتي المسيطر على مفردات الواقع وحيث صخب القلب والذي أشرت اليه قبل قليل وهو واقع في لجة حب تملك البطل بقوة نتيجة للفراغ الذي نشأ بغياب الزوجة ..

وهاهنا يغرق البطل في مهام الواقع ومشكلاته دونما التفات لما كان

قبل قليل 🙁 دقت الساعة الرابعة عصرا وما يزال الاجتماع منعقدا.. كانت تسمع من مكتب روان المتاخمة لصالة الاجتماعات التابعة لمكتب المدير العام للمشاريع ، أصوات تعلو بنقاشات مخالفة لبعض المشاريع المقدمة للنقاش، كانت تحاول بالحجة والبرهان إقناع المدير بعدم جدواها على حالها الذي قُدمت عليه ؟ تطالب بإجراء تعديلات على كثير من المواصفات الفنية، لتسهيل التنفيذ وتحجيم التكلفة الباهظة

وهناك أصوات كانت تمدح وتشيد ببعضها، على أهميتها وفوائدها المرجوة فيما بعد، وعن نسبة المربح والفروق في مستويات لكسب فيما لو أعطيت الأولوية للتنفيذ.. كان إبراهيم وسط هذه الأصوات يسجل ملاحظاته باهتمام ودقة متناهية، ويشارك بخبراته الواسعة بالجدل الدائر بين طاقمه، الذي اخذ الوقت الكافي لاستخلاص نتائج النقاش .. ) ح2

صخب متواصل في عمق واقع الحياة يبعده تماما عن اية هتزازات وهنا نجح القاص فعلا في رسم اللوحة بريشة فنان بارع ..

توجه القص الى طرح قضية مهمة شائكة تعاني منها مجتمعاتنا العربية .. حيث نجح في طرح مشكلة غياب الزوجة والوضع الانساني والاجتماعي الذي يقع فيه الزوج امام الاطفال واما مجتمع يضطره دائما لان يكون في صورة ترضي جميع الاطراف وهنا كان ابراهيم محافظا على صورته الاجتماعية حتى امام اطفاله ولكن هذا كان على حساب نفسه وعاطفته وهذه ظاهرة كثيرا ما نجدها في مجتمعاتنا المغلقة او المحافظة .. وهو ومع صلابته التي تجدها في صخب العمل .. هو انسان اخر عطوف شفيق بزوجته التي كان مضطرا لزيارتها باستمرار لانها زوجته وام اطفاله ولانها تحتاجه مهما كان تملك المرض منها هذا كان يأمل في زياراته المتصلة لها ..

غرفة رقم: 22 حيث تقيم زوجته .. شق إبراهيم طريقه في الممر الطويل الموصل إلى الغرفة.. وقد أحس بان قدميه تخوران.. وقد بدأ جسده في الارتعاش، فتوقف لحظات مستندا إلى الجدار.. لم ينتبه الطبيب إليه، واستمر في خطواته.. بينما تحامل إبراهيم على نفسه، واستعاد توازنه وبدأ في اللحاق بالدكتور نصري، الذي توقف على باب الغرفة.. واستدار جهة إبراهيم، ليجده ما يزال يمشى متثاقلا نوعا ما .. فابتسم له محاولا تلطيف الأمر عليه.. كأنه شعر بصعوبة الموقف !!.. فبادله إبراهيم ابتسامة قصيرة، لم تدم طويلا على وجهه.. دق باب الغرفة، حتى سمع صوتها يأذن بالدخول… .)

في هذه الفقرة عشت كقارئ احساس المشاهدة وكأني كنت اراه كما وصفه القاص واحس بقلبي ينخلع لمعاناته ..

(تقدم إبراهيم الطبيب بخطواته حتى أصبح بمواجهة زوجته.. كان يبتسم لها، مهيئا ذراعيه ليضمها ويحتضنها بكل الحنان والحب والرحمة.. فقد شعر بهما أكثر من أي وقت مضى.. كانت شفتاه ترتجفان قبل أن ينادى باسمها : نجوى.. نجوى.. اشتقنا إليك كثيرا حبيبتي، الأولاد يشتاقون إليك، يسألونني عنك ..نريدك معنا في البيت.. نجوى نحن نحبك كثيرا، نفتقد إلى دفء البيت بغيابك عنا ..)
وهنا يحاول القاص ان يوصل لنا مدى معاناة البطل ابراهيم وحمله الثقيل وهو يبتسم من اجل نجوى التي لم تكن تشعر به او تراه وكأنه غريب لا تعرفه..

(– إبراهيم أهلا !، نطقتها وهى تحتفظ بمسافة بينهما.. ثم أدارت وجهها إلى جهة طاولتها الصغيرة.. والتي تناثرت عليها أوراق مهلهلة .. التقطت بعضها بيدها المرتعشة، لوحت بها في وجهه ، استمرت في حديثها : ينقصني أن اكتب نهاية روايتي ؟.. لكنى أريدها بان تكون محل إعجاب الجمهور!، وتنال تصفيقا مدويا في قاعات السينما.. – تصور يا إبراهيم بان المنتج يلاحقني ويريد مساومتي على ثمن الرواية !! – نعم.. نعم نجوى سيكون هذا بلا شك، التفت إلى دكتور نصري وقد فاضت عيناه بدموع لم يستطع حبسها.. انهمرت وهو يستذكر أطفاله المنتظرين خبرا مفرحا.. يستذكر نجوى كيف كانت، وكيف أصبح حالهالم يحتمل برودة أعصابها، وعدم لامبالاتها بلقائه بعد غياب ثلاثة أسابيع بناء على إرشادات الطبيب المتابع لحالتها.. لم تسال عن أطفالها وكأنها ليست بأم !، خاطب نفسه مجيبا أيعقل هذا ؟.. يغرق في بحر دموعه وما يزال واقفا أمامها.. يلوذ بالصمت ..) ح 4-5

نجح القص ايضا بإعطاء صورة افتراضية للشبكة العنكبوتية والتي كثيرا ما تظهر فيها علاقات غير سوية نتيجة للاختلاف الفكري والاجتماعي او ربما نتيجة لاتخاذ بعضهم هذا المجال دربا للتسلية فقط ..

مما أكد نظريتي الخاصة التي تقول ان عالم الشبكة العنكبوتية هو عالم مواز للواقع أي هو بمثابة الروح للجسد وليس مجرد عالم افتراضي وجد للتسلية او للمهام العلمية البحتة بل هو عالم يعج بواقع الحياة وبأشكال مختلفة ..
(
يعود بعد العشاء.. ليدخل الشبكة العنكبوتيه حيث عالمه الآخر، وأناس آخرون مختلفين عن حياته العملية، تعرف إليهم عبر الفضاء الرحب الممتد بلا نهايات من خلال تلك الشاشة الصغيرة … )
في هذه القصة خلق لنا المبدع زياد صيدم حكاية حب نشأ عبر الاثير بين طرفين يعيشان في مديات مختلفة وان كان لم يوضح طبيعة المجتمع الذي جاءت منه حنان لكنه منحها مشاعر انسانية مهيأة تماما لحاجة ابراهيم لها ..

وأنشأ علاقة صداقة بدأت بالاهتمام بين رجل وامرأة وما تخللها من تداعيات أكدت ان ما من علاقة تحدث بين الرجل والمرأة ومهما كانت ظروفها الا وتتحول من الصداقة الى علاقة حب جارف ان لم يبدأها الرجل بدأتها المرأة وهنا نحصل على رد واقعي لموضوعة الصداقة بين المرأة والرجل والتي تتحكم فيها ظروف كثيرة مختلفة لا تتركها على وتيرة واحدة لتصبح علاقة حب ..أو تنتهي في أولى خطواتها ..

( حبيبي ابراهيم يا أغلى من حياتي.. كلى لك يا غلاي.. ما بك يا مهجة الروح ..ما هذا الحزن في قلبك..لا لا تبك.. دموعك غالية على حنانك، ماذا حدث؟ هل واجهت سلوى بالحقيقة؟..
نعم، وراح يقص عليها وقائع كانت قبل لحظات.. وهى تستمع إليه ..تهدئ من روعه.. تعطيه أملا.. تشير وتشور عليه بخطوات تطابقت بما كان يفكر فيه..

وهنا يقف ابراهيم مذهولا! كونها الحبيبة وترأف به وبأسرته وبزوجته.. يقف محتارا.. فالموقف يدعو للتأمل حقا.. لكنه ليس بالخيال، فحنان حقا امرأة عاشقة لابراهيم بكل ذرات كيانها..تريد له الخير ولأسرته السعادة !طيبة القلب،واعية ومدركة لكل الظروف، محبة حد الثمالة له،.. يشعر على أثر محادثتها بهدوء يجتاحه،براحة بال تتلبسه، بأمن وأمان يسرى في كيانه.. فيصمت.. ) ح9

تناول القص بشفافية علاقة الصداقة بين الاب وابنته حين صارح البطل ابنته الكبرى سلوى بحقيقة مرض والدتها وهنا شيء جميل حصل هو تلك المشاركة الوجدانية بين الطرفين ومنح البنت الثقة في اعتماد رأيها ومصارحتها بحقائق الامور ..وهذا ما نفتقده للاسف في مجتمعاتنا عامة فالبنت للاسف ما زالت تعاني من هضم حقوقها على الرغم من المحاولات الفردية القائمة لاخراجها من العتمة الى النور .. هنا وفي سرد جميل تمكن القاص من احتواء الفكرة وبلورتها بشكل يخدم قضية المرأة سواء كانت فتاة في بيت اهلها او امرأة في المجتمع ووضع يده على مكمن الوجع الاساسي الا وهو علاقة الاب بأبنته وكيف يجب ان تكون ..

(جلست ترقب أباها بينما أشعل سيجارته، وارتشف أول رشفة .. نظر إليها بكل عطف وحب وحنان

سلوى، اعلم أنك واعية لما سأقوله لك..اعلم بأنك تستطيعين أن تتفهمي وتعذري تصرفي في إخفاء حقيقة لها شهور طويلة عليكم جميعا.. من أجلكم فقط فعلت هذا! لكن بنيتي جاءت لحظة الحقيقة، أنت صغيرتي الكبيرة، المتفوقة والمدركة و…. قاطعته والحيرة التهمت وجنتيها حمرة فتورد خديها كالجمر،وجحظت عيناها ..أبى ماذا حدث ؟ بدأت أطرافي ترتجف.. أنا خائفة يا أبى، ما الأمر؟ هل حدث شيء لأمي في غربتها؟ ماذا يا أبى؟ أخبرني .. انهمرت دموعها وارتمت في أحضان أبيها وهى تبكى بحرقة ..
لا لا أبدا يا سلوى، أمك بخير، لم يحدث لها شيء.. ليس هكذا الأمر حبيبتي ( ح9

ولم يترك القص حتى أم سعد تلك المرأة المكافحة من أجل إعالة ابنائها هنا تناولها القص بسرعة فائقة لكنها ايضا بقوة بالغة كي تعلق في الاذهان ما تقوم به المرأة حين تفقد الزوج من محاولات وسعي لايجاد عمل شريف تعيل به نفسها واولادها دونما الحاجة الى معونة الاخرين ..

وهذه صورة جميلة تناولها القص لتنصف المرأة في كل مكان ..

ونعود لعلاقة البطل ابراهيم بزوجته نجوى والتي بين القص في بدايته كيف انها كانت متفانية في العطاء وكيف انه كان مستقبلا لعطائها بالشكر والعرفان

( يذهب فكره باتجاه زوجته وحبيبته المغيبة عن البيت قسرا ؟.. والذي فقد دفء وجودها وركنا أساسيا منه ..يتذكرها حين كانت تسارع إلى إشعال فانوس الغاز في مثل هذه الحالة القائمة وهم نيام، لا يشعرون بخطواتها فقد كانت حريصة على راحته، لاسيما وانه يستيقظ مبكرا إلى عمله، ولابد وان يكون مرتاحا ونشيطا، بحكم منصبه المرموق ومسئولياته في سلطة الموانئ ..
كانت تتحرك بهدوء تام و خطوات حانية حتى لا تزعج أحدا.. ) ح3

ولكن يبدو ان كلاسيكية الحياة التي كانت تعيشها الزوجة وجذور المرض النفسي التي ثبتت في عمقها جعلتها تبحث عن سيناريوهات متعددة لانعاش حياتها الزوجية دوما وهنا لم تحتمل فتقمصت كل الادوار وتماهت معها مبتعدة عن الواقع ونسيت انه مهما كان الزوج رومانسيا الا انه رجل ويعيش الواقع ولايمكنه ان يكون رومانسيا طوال الوقت على الرغم من حاجته للحنان كل الوقت لان المجتمع وما فيه من صخب يجبره ان يعيش بواقع يختلف عن الحياة الرومانسية المطلقة ..

(عاد إبراهيم إلى البيت مرهقا .. أخذ حمامه المعتاد، يخرج بعدها إلى طاولة السفرة، حيث كانت أسرته تجتمع من حولها.. والكل في انتظار رب الأسرة، جاء بابتسامته المعهودة والسؤال عن صغيرته، وهل تناولت طعامها أم لا، سؤال تقليدي يقوم بسؤاله متجها برأسه إلى الخادمة والى ابنته الكبرى، فتطمئنه أم سعد بأنها نامت فور تناولها الطعام، فيحمد الله ويبدأ الجميع بتناول الغذاء.. يسترخى بعدها قليلا فيغفو ساعة من الزمن .. ثم يخرج في المساء لتناول القهوة مع بعض الأصدقاء على شاطئ البحر، الذي أصبح جزء من حياته العملية وما بعدها!.. ) ح2

لهذا هو وجد في حنان ما كان يفتقده ايضا في الزوجة ذلك هو مشاركتها له كل مشكلاته وامور حياته صغيرها وكبيرها وهذا ما يحتاجه أي رجل من امرأته ان تكون واعية ومدركة لما يريد وقبل ان يريد .

في الحلقات الثلاث الاخيرة استطاع القاص صيدم التزام حقيقية الظروف التي تحيط بالبطل ابراهيم أولا حين كان اللقاء الذي تم بين نجوى الام وأولادها هنا تشظت إحساساته حين تأكد أن زوجته لم تعد تلك التي يعرفها فهي لا تستطيع العودة الى الواقع على الرغم من عودة الاتزان لها الذي أكده الاطباء وأكدوا ايضا أنها لم تعد قادرة على منحه الحياة ..هنا كان تصرف البطل راقيا ومبدعا حين
تمسك بزوجته ومنحها العودة الى الاسرة مهما كانت طبيعتها ملتزما بمتابعة دوائها وظروفها المنزلية مبعدا عنها كل ما يثيرها او يتعبها

.. اثبت البطل أنه إنسان حقيقي طيب القلب عطوفا شديد الاهتمام بأسرته لكنه ايضا لم ينس أنه انسان وأن من حقه أن يعيش ويغرف من الحنان والحب الذي تمنحه له حبيبة تظل بانتظاره دوما .. ومن وجهة نظري أرى أن ابراهيم كان عادلا جدا فحنان ايضا أحبته وتاقت نفسها اليه كما تاقت روحه اليها ..كما أن من حق الرجل في حالة كهذه أن يعيش هو ايضا كما منحه الشرع هذا الحق ..

نهاية مبدعة لقص جميل جدا ألهبنا شوقا الى متابعته لايام طويلة..

مبدع أيها الكاتب الراقي زياد صيدم واعذر قراءتي فلعلها لم تمنح
القص كل استحقاقته ..

امنيات صادقة بالتوفيق والنجاح

احترامي وتقديري

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.