الفريق الشهيد عبد المنعم رياض في ذكراه

0

 

الفريق الشهيد عبد المنعم رياض في ذكراه
د. أسعد أبو شرخ
كاتب وأكاديمي عربي
غزة – فلسطين
في مثل هذا اليوم التاسع من مارس عام 1969 استشهد البطل العربي المصري الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان الجيش المصري وهو يقود رجاله في أشرس معارك الاستنزاف الذي خاضها الجيش العربي المصري على ضفاف قناة السويس ضد الجيش الإسرائيلي المدعوم أمريكياً.
في مثل هذا اليوم سقط الفارس رمز الجندية العربية المصرية ورمز القائد الذي رفض النكسة وعمل بتفان ليل نهار لإعداد جيش مصر العروبة لمنازلة العدو الصهيوني، حيث كان الأمر اليومي للقتال الصادر من القائد الأعلى زعيم العروبة جمال عبد الناصر، "دكوا مواقع العدو ولا تجعلوه يرتاح ولو لحظة واحدة" .. فتنطلق مئات المدافع والدبابات لتحيل حياة الجنود الإسرائيليين إلى جهنم من اللهب والقذائف وفي كثير من الأحايين كان يسمع صراخ وعويل الصهاينة من الضفة الأخرى لقناة السويس …
كان يوم 9 مارس 1969 يوماً حزيناً وكئيباً وتعيساً .. دق باب غرفتي في الدور الثاني من مدينة عين شمس الجامعية، أحد الأصدقاء من أبناء مصر العروبة، ليسألني، ألم تسمع الأخبار؟! كنت أرى في عينيه ومضة من حزن يشوبها مسحة من غضب! كلا .. قلت ، ولعله بهذه الطريقة أراد أن يخفف وطأة الأمر، وهول المصيبة عليّ قال لقد استشهد عبد المنعم رياض! انفجرت بعض الدموع الصامتة بالعيون، فبكى وأبكى! كانت المدينة الجامعية في حالة وجوم وحزن وخيم على المكان جو من الحزب الشديد والغضب العارم على العدو الصهيوني لفقدان هذا البطل الذي كانت تتطلع إليه الأنظار والأفئدة لقيادة معركة التحرير ..
كان عبد المنعم رياض عائداً من العراق حيث كان يعد لمعركة التحرير وتجميع الطاقات العسكرية العربية لوضع إمكانيات الأمة في المعركة، وكانت كما أوردت الأخبار زيارة موفقة ناجحة في التنسيق العسكري والإعداد للمعركة المنتظرة والتي تستلزم إعداد القوة العربية اللازمة لتحرير وطرد الغزاة الصهاينة بقوة السلاح والمنازلة في ميدان القتال كما حدد ذلك القائد العربي التاريخي جمال عبد الناصر، بقولته المشهورة التي يرددها التاريخ حتى يومنا هذا "إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".
عاد عبد المنعم رياض من العراق إلى جبهة القتال مباشرة ولم يعرج حتى على بيته لقيادة الجبهة الملتهبة، وكانت المعارك شرسة متواصلة عنيفة محتدمة وبلا هوادة، وكان يقود المعركة من موقع متقدم جداً لا تفصله عن العدو أكثر من 250متر إلى أن انفجرت قذيفة فراغية في موقعه، استشهد على أثرها هذا القائد الذي وضع مبدأ جديداً في القيادة ورسخه وطبقه بنفسه وهو أن القائد يكون أمام جنوده وهم يتبعونه وليس العكس، حتى ولو ضحى بنفسه، لقد ألهب استشهاده حماس الجماهير التي أصرت على مواصلة الدرب، طريق القتال حتى النصر أو الاستشهاد كما فعل هذا الجندي الذهبي، رمز الجندية الجديدة التي تتميز بكفاءة عالية في التخطيط الاستراتيجي للحرب على جميع المستويات.
لقد كان قدوة حسنة في حياته العسكرية انضباطاً وكفاءةً وقيادة وشجاعة، وأصبح بعد استشهاده رمزاً للفداء والتضحية والبطولة، إذ لأول مرة في تاريخ الجيوش يستشهد رئيس أركان لجيش وهو في الخندق المتقدم يقود ويقاتل ويقارع وينازل ويتقدم نحو النصر.
كان عبد المنعم رياض جندياً بكل معاني هذه الكلمة من أخمص القدم إلى أعلى الرأس، وكان يعد لمعركة النصر، مصمماً على الانتقام وإيقاع الهزيمة بالعدو الصهيوني وكانت حرب الاستنزاف التي أبدعها الجيش العربي المصري بقيادة عبد المنعم رياض مقدمة لحرب التحرير التي كان يخطط لها هذا العسكري الفذ الذي قالت عنه صحيفة الجارديان البريطانية General Riad was too big for a county like Egypt"" أي أنه جدير بأن يقود أي جيش في العالم، هذا القائد الفذ، أصر على خوض معارك الاستنزاف تمهيداً للحرب الشاملة ضد إسرائيل، إذ يروي الأستاذ الكبير محمد حسين هيكل أنه أثناء زيارة عبد الناصر لروسيا مصطحباً معه الفريق عبد المنعم رياض، طلب الفريق رياض من عبد الناصر عدم قبول الحلول السلمية مصراً على خوض المعركة من أجل كرامة مصر والجيش المصري وكرامته لأن حرب 1967 لم تكن حرباً حقيقية كما كان يرى.
في تلك الحقبة وأثناء حرب الاستنزاف على ضفاف قناة السويس عشنا لحظات عز ومجد وشموخ وكانت مصر – كل مصر، والشعب العربي المصري، بل والشعوب العربية كلها تعيش لحظات من الشموخ والكرامة وهي ترى الجيش العربي المصري يوجه الضربات تلو الضربات للعدو الصهيوني، وكان التحاماً رائعاً بين القيادة والجيش والشعب، بجميع فئاته، وكان الشموخ والعز والكبرياء يشع ويلمع في عيون أبناء الشعب العربي المصري الحبيب وكان أكثر الناس حماساً وتوقاً واندفاعاً للمعركة هم شباب مصر العروبة وخاصة طلبة الجامعات التي كنت واحداً منهم نعيش لحظات السعادة والحزن والعز والكبرياء والشموخ والانتصارات، وكثيراً ما كان طلبة جامعة عين شمس يرتبون زيارات إلى الجنود في ميدان القتال أو ينخرطون بالعمل الفدائي أو يقومون بحملات التبرع بالدم فلا يتأخر أحد من طلبة الجامعات طلاباً أو طالبات، وكانت الوطنية المصرية والعروبة والقومية تتجلى في أسمى معانيها في كل مكان، وكان الإصرار على مواصلة القتال والمعركة ينطلق من العيون والقلوب ورددت ألاف الحناجر لطلبة عين شمس في الذكرى الأسبوعية لاستشهاد البطل هتافاً مدوياً لاستمرار القتال ضد العدو الغاصب في جملة معبرة مازال صداها يتردد في عقلي ووجداني حتى هذه اللحظة وكانت لازمة الهتاف تقول :
رياض، رياض، رياض ما متش
الحرب لسه، لسه، لسه ما انتهتش
كان هذا الهتاف الذي يهتز به المدرج الكبير بجامعة عين شمس حيث تعاهدنا كطلبة أن نسير على طريق الفريق الشهيد الفذ عبد المنعم رياض وهو أحد أهم رموز العسكرية الإبداعية العربية والمعاصرة نعم لم تنته الحرب، ولن تنتهي هذه الحرب إلا بتحرير جميع الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها فلسطين العربية!
وحين هبت مصر في جنازة مهيبة لوداع القائد من جامع عمر مكرم في ميدان التحرير والتي كان على رأسها القائد العربي قائد الأمة العربية جمال عبد الناصر، رأيتني وسط ألاف الجماهير في رحلة وداع هذا القائد الفذ، ورأيتني أحقق حلماً من أحلام حياتي في ذلك الوقت وهو الاقتراب إلى أقرب مسافة من عبد الناصر التي التفت حوله الجماهير لتحميه، حتى كدت ألامسه بيدي! كم أحببناك يا مصر العروبة ومازلنا وندعوك أن تنهضي وأن تستنهضي وكم أحببناك يا شهيدنا عبد المنعم رياض ومازلنا فأنت مازالت رمزاً للشجاعة والشهامة والفروسية والجندية وكم أحببناك يا بطل العروبة جمال عبد الناصر ومازلنا نحبك ونسير على مبادئك لتحقيق أهدافك في تحرير الأمة العربية ووحدتها.
وأخيراً في ذكرى القائد الشهيد عبد المنعم رياض نجدد العهد على مواصلة النضال وعلى قومية المعركة لدحر الاحتلال الصهيوني من كل شبر عربي، "وسنحرر الأرض شبراً شبراً ولو سقط فوق كل شبر شهيد" كما قال الزعم الخالد أبو خالد جمال عبد الناصر.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.