إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مذكرات طفل محاصر ( البرتقال )

imagesCA6XMPXP

بقلم الكاتبة : بثينة رفيع

لا أستطع أن أرى غزة بدون برتقالها .. أو أتخيل أن تخلوا أسواقها منه .. لا لأني أحبه فقط ، بل لالتصاقه بذاكرتي التصاقاً غرسته أمي بمخيلتي الصغيرة وهي تروي لنا قصص غسان كنفاني عن فلسطين وبرتقالها وأشجارها العاشقة لهذا التراب ، ولأن أمي توصيني دوماً ألا أصدق كل ما أسمعه لم أكتفِ بما روته لي فقمت باستعارة روايته أرض البرتقال الحزين من مكتبة المدرسة وحفظتها بكل تفاصيلها ، كنت أشعر بالتمييز دوماً بحبي للبرتقال ، أقضي أوقاتاً طويلة تحت الشمس الحارقة أستمع لأصوات الباعة تنادي عليه بكل أسمائه .. أما بيارات البرتقال القريبة من بيتنا فقد كانت ملاذي بعد انتهاء الدوام المدرسي ، حتى بعد تجريفها في الاجتياح الأخير ظلت رائحتها عالقة بروحي .. بكيتها بكاءً مراً وكأنها اقتلعت من داخلي ، لم أكن أكتفي بحبة واحدة وكثيراً ما كانت أمي تجد صعوبة بتوزيعه علينا عندما نمر بأيام عصيبة فتخبئ لي حصتها منه وتضعها خلسة بخزانة ملابسي دون علم إخوتي وهي تحتضنني بدفء لطالما أشعرني بالأمان في الليالي الطويلة المظلمة .. بيتنا مثل دخل والدي أبسط مما تتخيلون ولولا اعتمادنا على ما تقدمه لنا وكالة الغوث من مواد غذائية كل أكثر من شهر لقتلنا الجوع فالجوع أبو الكفار ، هذا ما كان يردده أبي دوماً ، أذكر أني سألته يوماً هل للجوع أطفال ؟؟ فابتسم بأسى وهو يضمني لصدره قائلاً : وله أحفاد أيضاً يا بني ، لا تعجبوا أنا أيضاً برغم حداثة عمري أعرف من أبي صاحب تلك المقولة ، أبي مثقف وقارئ جيد لكن ذلك لم يحمه من عثرات الزمن وغدره إذ فقد دخله بين ليلة وضحاها مثل كثير من العمال والموظفين ، فالحصار أصابنا جميعاً بأمراض يصعب شفاؤها ، وأصبحت عائلتي لا تملك شيئاً سوى كيس طحين تكور بزاوية بيتنا مثل الفاجعة وصرنا نتدبر ما نأكله يوم بيوم بصعوبة لا تتخيلونها .. إلى أن جاء اليوم الذي كرهت معه البرتقال واللون البرتقالي ، أوقعني المرض ونال مني والحمى أكلت عظمي .. رغم
فقرنا وعوزنا لم تهملني أمي أحضرت لي الطبيب واشترت الدواء من مصروف البيت فالحصار ضيع عليها كأترابها من النساء فرصة ادخار ولو مبلغ بسيط لمثل هذا الظرف الطارىء ، وبوقت قصير نفذت نقود أمي .. ولأنها لم تعتد الاستدانة من أحد باعت آخر ما تبقى في يدها من حلي .. خاتم زواجها .. تمنيت يومها لو أني مت أو ذبت أو ابتلعني الهواء وتلاشيت ، لا أستطع أن أصف لكم مقدار خجلي من نفسي ومن أمي أكثر وهي تضع حبة برتقال في يدي كنت ألح على طلبها أثناء مرضي ، انهمرت دموعي لا أدري كيف بكيت بحرقة لم تعهدهما عيناي نظرت لوجهها دون أن أحرك شفتي ، ألجمتني
الصدمة عن الحركة ليس فقط لأن أمي باعت آخر ما تملك من حلي لتشتري لي البرتقال ، بل لأنها زرعت بوجداني أن المرأة الفلسطينية كانت تبيع حليها ليقتني بثمنها زوجها أو ابنها بندقية هي بمثابة هويته الأخيرة يفخر بها ويصادقها وتكفل له الالتحاق بالمقاومة ، وهاهي أمي تخلت عنه لإطعامنا فقط ، فأي زمن بشع صادر وعينا وأحلامنا .. من يومها لم أعد أقترب من البرتقال ، لكن رائحته لم تغادرني لا زالت تعانقني باستحياء تارة وبشموخ في أوقات كثيرة .. لكنه شموخ ظل أصغر من بقع دم على غلاف رواية غسان كنفاني كانت تسيل من يد غُرست في سلك شائك وهي تحاول التقاط برتقالة من أرض البرتقال الحزين .
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد