إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

العراق فريسة قوتين… الاستقطاب الإيراني الأمريكي: من يزيح الآخر؟

Isteqtaab

الاستقطاب مفهوم تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، حين انقسم العالم إلى معسكرين، الأول يدور حول القطب الأمريكي، والثاني حول القطب السوفييتي، وصارت الحروب تتحول إلى بؤر توتر صغيرة، بينما كانت الحرب الباردة هي الحرب الكبرى.

 
في المطلق يستدعي مفهوم الاستقطاب قوى لا تتعدى في الغالب القوتين، تمارسه ومكان يمارس فيه فعل الاستقطاب، من أجل الهيمنة، والسيطرة عليه بطريق السعي إلى جذب قوى بعينها داخل هذا المكان المراد إخضاعه بكل الوسائل، وهو ما يخلق شكلا من التنافس بين القوتين المستقطبتين، الذي يتوجه نحو التصادم حينا والتوافق حينا آخر، حسب طبيعة المرحلة والحسابات الحاصلة فيها، بعد اقتناع كل من القوتين استحالة الاستفراد بالسيطرة على الحيز الجغرافي المستهدف "دولة كما في حال العراق اليوم الذي يخضع للاستقطاب الأمريكي الإيراني، أو إقليما او حتى العالم أجمع إذا توفرت الشروط الموضوعية لذلك".
 
بعد الغزو، سقط العراق فريسة اثنين من ابرز القوى التي تكالبت على تدميره:
 
الولايات المتحدة وإيران. وسعت وما تزال كل قوة منهما بأهدافها ووسائلها المادية والبشرية إلى توجيه العراق نحو الوضع الذي يضمن لكل منهما فيه، أكثر ما يمكن المصالح الآنية والمستقبلية، وعلى هذا الأساس يستمر الصراع في الظاهر.
 
واغرب ما حصل في ما يتعلق بالصراع/ الاستقطاب الإيراني الامريكي في العراق، هو أن إيران التي تبدو منافسة اليوم للولايات المتحدة على كعكة العراق بل والتي تبدو أكبر فرصة منها اليوم للفوز بالغنيمة العراقية، كانت اصلا إحدى الوسائل الامريكية للإطاحة بالعراق واحتلاله والشروع في تمزيق هويته العربية الإسلامية عن سابق قصد وإضمار.
 
تلعب ايران على الشعور القومي الفارسي، وهو شعور يبدو متأصلا في النفسية الايرانية، كما تلعب "ايران الاسلامية" على مناصرة حزب الله وحماس ومساندة حقوق الشعب الفلسطيني واعتبار اسرائيل عدوها الاول، بينما تعمل من جانب آخرعلى نشر المذهب الشيعي بين دول المنطقة ودعم مطالب المجموعات الشيعية في الدول العربية.
 
كل هذه الوجوه هي وجوه ايران المتعددة وجوانبها المختلفة،والازدواجية وجمع التناقضات لم يكونا ابدا بعيدين عن الشخصية الايرانية.
 
على المستوى العراقي، يعتبر العراق من اكثر البلدان العربية التي لها مساس مباشر بالشأن الإيراني، كما ان العكس صحيح ايضا، يتشارك العراق وايران في كثير من مفردات التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين، كما يتشاركان في حشد من الصراعات والمشاكل العالقة.
 
على الدوام كان هناك نوع من التوجس والقلق العراقي من تهديد ايراني، وهذا التوجس له مايبرره تاريخيا، كما ان تجربة العراق الحديثة مع ايران لم تكن سارة.
 
لاريب ان العراق الان هو من اهم ساحات الاستقطاب الامريكي – الايراني، وهذا الاستقطاب يترك آثاره المدمرة على العراق كبلد وكشعب، على الرغم من ان جهات وقوى عراقية تستغل هذا الاستقطاب لصالحها وتحاول الاستفادة من احد الطرفين عبر الانتماء الى فريقه، في وقت افلح آخرون في الاستفادة من الطرفين معا وفي نفس الوقت محققين بذلك معادلة صعبة، رغم ان نتيجتها لاتصب دائما في المصلحة العراقية.
 
وفي اطار هذا الاستقطاب يحاول كل من الامريكيين والايرانيين استغلال مواردهم وبيادقهم على الرقعة العراقية للضغط على الطرف الاخر، رغم ان النجاح يبدو حليف الايرانيين اكثر في هذا السياق، وقضية "اجتثاث البعث" خير مثال على ذلك.
 
إن حقيقة الصراع أو الاستقطاب الأمريكي الإيراني في العراق اليوم ليست واضحة في نواياها ومقاصدها بشكل كاف، وتحمل كل من يريد الخوض في آفاقها المستقبلية ان يقف عند حدود القراءات/ الفرضيات التي لا يمكن أن تحسم في وضع تصور لنهاية هذا الاستقطاب الاول من نوعه الذي ينتج عن علاقة تحالف أو بالأحرى علاقة بين قوة استعمارية "أمريكا" وقوة عميلة "إيران"، تنشد لنفسها وجودا تحت شمس الحضارات وبين الأمم المتقدمة متوسلة في ذلك طرقا عديدة بما فيها الخسيسة، ضد العراق، كدولة من أمة مستهدفة تاريخا وثقافة ودينا.
 
ومنذ توصلت الادارة الامريكية الى الاستنتاج النهائي والحاسم وهو ان مخططها في العراق هزم واصبح من غير الممكن ترقيعه وانقاذه، لجأت الى بدائل كثيرة اصاب البحث فيها امريكا كلها بالدوار والحيرة نتيجة استحالة تحقيق الهدف المركزي، وهو دحر او على الاقل احتواء المقاومة العراقية التي بقيت تتقدم بلا تراجع وتفرض سيطرتها على المزيد من مناطق العراق.
 
لقد اقتنعت امريكا بعد اكثر من معركة ضد المقاومة العراقية "معركة الفلوجة الاولى مثلا" بانها لن تقدر على هزم الشعب العراقي الذي وقف ومايزال بكل مكوناته إلى جانب حركات الرفض والمقاومة بكل أشكالها، ورغم ذلك استمرت في مخططاتها لدرء هزيمة مشروعها في العراق الى حد ما قبل تفجيرات مرقد الامام علي الهادي في بداية عام 2006، حيث انتهت من تجربة خطط عديدة فشلت كلها فقررت تغيير قواعد اللعبة في العراق.
 
اما ايران فانها، وبعد ان استخدمت القوة الامريكية لتدمير العراق إثر غزوه، شرعت في استخدام قوتها في العراق التي ما كان يمكن ان تتكون لولا امريكا، كاداة ضغط على واشنطن للموافقة على الاعتراف بمصالح اقليمية لإيران في المنطقة، خصوصا في الخليج العربي.
 
وما تريده ايران هو ضم اجزاء من الخليج العربي ـ كما أعلنت أكثر من جهة خليجية ـ والحصول على اعتراف امريكي بأن لها نفوذا دينيا في العراق وبالاخص على المراقد المقدسة.
 
ويعتقد المراقبون أن المشروع النووي الايراني كان وما زال اداة ضغط ومساومة تستخدمه ايران لتعزيز قدرتها التفاوضية مع الغرب واسرائيل لاحقا. لقد اصبح ضروريا من وجهة نظر امريكية – ايرانية الانتقال الى مرحلة جديدة من الصراع التنافسي بينهما حول العراق والمنطقة، واعد كل منهما كافة ادواته وامكاناته للتحرك والعمل.
 
واضح أن امريكا وايران اتفقتا وبإصرار على منع بروز استقطاب ثالث في المنطقة العربية يضاف الى الاستقطاب الثنائي الحالي الذي صنعته اللعبة الامريكية/ الايرانية في العراق.
 
وفكرة الاستقطاب هذه استراتيجية وليست تكتيكية، فامريكا تريد ان تحافظ على دورها بصفتها مركز الاستقطاب الاول في المنطقة العربية ومحيطها الاقليمي معززا بالقوة الأوروبية والحلف الأطلسي والأمم المتحدة.
 
ومقابل ذلك تريد ايران ان تحتوي القوى السياسية المناهضة لامريكا واسرائيل داخل معسكرها واحتكار موقف مناهضة امريكا، لفظيا طبعا، من خلال توليها المبادرة في فتح معارك كلامية ساخنة مع امريكا تكون من شدة ارتفاع النبرة بحيث تطغى على كل الاصوات بما في ذلك صوت المقاومة العراقية التي تخوض لوحدها وبما تيسر لها من وسائل في بيئة اصبحت ضاغطة جدا، معركتها ضد امريكا وإيران.
 
والهدف من الاصرار الامريكي الايراني على منع تحول الاستقطاب الاقليمي الى استقطاب ثلاثي ببروز مركز جذب اخر يمثل المقاومة العراقية ومن يلتف حولها من القوى العربية، هو ان الاستقطاب الثالث يمكن أن يكشف أنّ حروب ايران المظهرية مع امريكا ما هي الا غطاء مقبول من الطرفين، كما اثبتت تجربة غزو العراق، لتمويه حروبهما الحقيقية، اي ايران وامريكا، ضد العرب وهويتهم ومستقبلهم. لكن هل بالإمكان استمرار التجاذب الأمريكي الإيراني في العراق إلى مالانهاية له؟
 
ومالذي تحمله الايام القادمة للعراق في ظل الاستقطاب الامريكي الايراني، وفي ظل المساعي الايرانية لكبح جماح المشروع النووي الايراني، وفي ظل نتائج الانتخابات النيابية التي سيكون لها تأثير كبير على الموقفين الامريكي والايراني.
 
مرة قال هنري كيسنجر في مقال بصحيفة انترناشونال هيرالد تريبيون "الواقع اننا نواجه جملة من المتناقضات "في العراق" فالانتصار العسكري المتمثل باقامة حكومة قادرة على فرض ارادتها في كل انحاء العراق هو امر غير ممكن في الاطار الزمني المتاح للعملية السياسية الامريكية.
 
وبالرغم من هذا لا يمكن تصور حل سياسي بمعزل عن الوضع القائم على الارض، وليس هناك اية دولة مجاورة للعراق، ولا حتى ايران، في موقف يمكنها من السيطرة على الوضع بوجود معارضة من كل الأطراف المعنية الاخرى. لكن اذا اتسمت الدبلوماسية الامريكية بالحكمة والتصميم سيدفع هذا حتى ايران للاستنتاج ان اخطار استمرار الصراع والغليان في العراق تفوق المغريات والتوقعات المرجوة فيه.
 
بالطبع، ربما يعتقد الزعماء الايرانيون ان الرياح تجري لصالحهم، وان اللحظة الراهنة ملائمة بشكل فريد لتحقيق الأحلام القديمة في اقامة الامبراطورية الفارسية لكن لو توفر لايران زعماء يتسمون بالتعقل والحصافة لرأوا ان من الافضل لهم الاستفادة من الظروف المواتية كورقة مساومة في التفاوض بدلا من المجازفة بها في سباق للهيمنة على المنطقة، اذ ليس بوسع أي رئيس امريكي في النهاية، ان يتغاضى عن ايران عندما تصبح عواقب سيطرتها على المنطقة واضحة.
 
ويضيف كيسنجر، ان لروسيا اسبابها الخاصة ايضا لرفض الهيمنة الايرانية والاسلام الراديكالي على الخليج بسبب انعكاسات ذلك على الاقلية الاسلامية في روسيا.
 
ولو أضفنا هذا للجدل الدولي القائم حول برنامج اسلحة ايران النووية سيجد الزعماء الايرانيون ان اخطار التحدي الماثل امامهم أصبحت غير مقبولة.
 
واذا ما وصلت ايران الى مثل هذه النتائج يتعين الايفاء عندئذ بشرطين، أولاً ينبغي الا تستند اية دبلوماسية جادة للافتراض القائل ان الولايات المتحدة متلهفة للوصول الى الاتفاق اي يتعين ان تظهر امريكا وحلفاؤها تصميما في الدفاع عن مصالحهم الحيوية التي تدرك ايران انها معقولة.
 
واضاف كيسنجر، أحد أبرز السياسيين الدهاة في الولايات المتحدة والمخططين لمنطقة الشرق الأوسط "يجب على الولايات المتحدة ان تتخذ موقفا دبلوماسيا يعترف بمصالح ايران الامنية المشروعة بيد ان المفاوضات يتعين ان تبدأ بعد ذلك من خلال منتدى دولي، لان التفاوض على اساس ثنائي بين أمريكا وايران من شأنه ان يثير الكثير من الشعور بعدم الامن في المنطقة في حين ستتمكن الولايات المتحدة من خلال العمل في اطار دولي من اجراء محادثات احادية مع المشاركين الرئيسيين فيه، كما حدث في محادثات المنتدى السياسي السداسي مع كوريا الشمالية".
 
وقبل مدة قصيرة أثار وصول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إسرائيل، الكثير من الجدل في الأوساط السياسية بالشرق الأوسط، اعتبرها البعض "فاتحة خير" لاستئناف محادثات السلام المتوقفة في المنطقة، بينما اعتبرها آخرون إعلانا صريحا من جانب واشنطن، لاعتزامها تدشين التحالف المضاد لإيران في المنطقة، بعد أن نجحت طهران على مدار الأيام القليلة الماضية، في تحويل تحالفاتها "الشفوية" إلى اتفاقات "موثقة"، وهو ما يضاعف المخاوف الأمريكية من تزايد الخطر الإيراني، لذلك كانت زيارة بايدن لإسرائيل بالنسبة لكثيرين، جزءا من توجه أمريكي لاستعادة نفوذها التقليدي في المنطقة، الذي أصبح مهددا بالاهتزاز مؤخرا.
 
وأخطر ما تطرحه زيارة بايدن للشرق الأوسط، هو العودة إلى أجواء الحرب الباردة في المنطقة، لكن هذه المرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع اتجاه كل منهما إلى بناء تحالفات عسكرية في المنطقة، وهو ما يزيد من حالة الاستقطاب السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، التي ظهرت في أخطر صورها من توقيع طهران والدوحة، اتفاقية تعاون أمني بين الجانبين، تمنع الجيش الأمريكي من استخدام قاعدة العديد التي تستضيفها قطر على أراضيها، في ضرب المنشآت النووية الإيرانية، في أي حرب مقبلة بين الجانبين الأمريكي والإيراني.
 
ولقد بدا واضحا بقوة خلال الفترة الأخيرة، أن الولايات المتحدة رفعت الراية البيضاء في مواجهة التصلب الإسرائيلي، وهو ما جاءت زيارة بايدن إلى إسرائيل لتؤكده، فقد انصبت معظم تصريحات بايدن للصحفيين أو المسؤولين الإسرائيليين، في اتجاه واحد، هو التأكيد على دعم واشنطن لتل أبيب، بشكل مطلق، وطمأنة زعمـاء إسرائيل بشـأن الالتزام الأمريكي بكبح جماح برنامج إيران النووي، ولكن من ناحية أخرى، وبجانب هذه الالتزامات الأمريكية المطلقة، حث بايدن كل من إسرائيل والفلسطينيين، على تحريك المفاوضات الراكدة.
 
ويعتبر محللون أن خطاب بايدن، في إسرائيل مؤخرا، هو خطاب لإعادة وزن العلاقات الامريكية في المنطقة، ولإعادة الثقل السياسي لإسرائيل، بعد الخطاب الشهير للرئيس الأمريكي باراك اوباما في القاهرة في يونيو الماضي، والذي رفع سقف التوقعات في المنطقة، وهى التوقعات التي تلاشت على مدار الأشهر الماضية، ويأتي خطاب بايدن المنتظر ليصحح مسارها إلى جهة جديدة، ربما كل المعلوم عنها أنها تصب في صالح إسرائيل.
 
كما أن نتائج الانتخابات العراقية ستحدد ليس فقط الخارطة السياسية وميزان القوى العراقية ولكن هذه النتائج هي التي ستحدد مصير الاستقطاب الامريكي الايراني على ارض الرافدين، ومااذا كان سيستمر ويتواصل ام سيحسم لصالح احد الطرفين لينتهي نفوذ الطرف الاخر، خاصة وان المؤشرات تشير الى ان كلا الطرفين قد وصل الى حالة من القناعة بوضع نهاية لنفوذ الطرف الاخر بل ووجوده في العراق، او ان حالف الحظ العراق بنهاية نفوذ الطرفين معا.
 
وإذا كان الاستقطاب الأمريكي الإيراني داخل العراق قد مكن إيران من بعض القدرة على الوقوف بوجه واشنطن فإن الاستقطاب الأمريكي الذي تفرضه واشنطن على منطقة الشرق الأوسط كلها بوجهيه السياسي، والأيديولوجي الطائفي، يرجح كل شيء إلا أن تقدر طهران الاستفادة من نتائجه هذا إن لم يتحول إلى وضع مناهض لها ومقاوم حتى لمكتسباتها التي حققتها داخل العراق.
 
فإقليم الشرق الأوسط يتجه في ظل أخطاء السياسة الإقليمية الإيرانية وفي ظل احتدام المواجهة الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي وحول الدور الإقليمي الإيراني الداعم لمنظمات المقاومة في لبنان وفلسطين إلى التورط في حالة استقطاب سياسي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على دول المنطقة، ويضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن وتقوده الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل في مواجهة "محور الشر" الذي يضم إيران وسوريا ومنظمات المقاومة في فلسطين ولبنان والذي خفت بريقه على الأقل منذ وصول إدارة اوباما إلى البيت الأبيض.
 
والصراع الطائفي السني/ الشيعي يتوجه إلى شكل من الصراع ليسود العلاقات داخل دول المنطقة بما يؤدي إلى تفاقم العداوة مع إيران وبما يساعد على تقليم مخالبها بعد أن انتهى دورها الذي توهمت أنها قامت فيه باللعب لحسابها بذكاء تباهت به على العرب أجمعين.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد