إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

معركة التراث والهوية مع إسرائيل

jaber temeze

بقلم : جابر الطميزي

 

في الوقت الذي تخوض فيه إسرائيل معركة شمولية ضد كل ما هو عربي وفلسطيني على الأرض الفلسطينية ، ابتداءا من الإنسان وانتهاء بالأرض التي شوهت سحنتها ، ومن سياسة قتل وتشريد وتدمير وسرقة وتزوير ما عليها من مكنوز تراثي وارث اثري وثقافي ، وما لهذه الكنوز من دلالات رمزية ومعنوية ومكانة مادية عميقة الجذور، ما زالت نخبنا السياسية المتنفذة في شطري الوطن منشغلة حتى النخاع في أمور كثير ليس للوطن أو المواطن أو القضية التي يدعون تمثيلها والحرص على مصالحها ناقة أو بعير ، والى جانب ذلك كله استفحال الخلافات واستمرار الانقسام وما يلحقه من آثار وخيمة على مجمل النضال الوطني والقضية الوطنية ، ومن تدمير للنسيج المجتمعي والترابط الأخوي بين أبناء الشعب الواحد.
وإسرائيل هذه البذرة الغريبة التي زرعها الاستعمار بين ظهرانينا ، نبتت وترعرعت في أرضنا وتعالت أغصانها ، وقويت دعائمها بناء على تزوير الحقائق المادية والتاريخية ، ومن يومها الأول عملت على طمس المعالم الثقافية والتراثية والآثار التاريخية للشعب العربي الفلسطيني بشكل ممنهج ، فإسرائيل ورغم جبروتها وقوتها العسكرية التقليدية والإستراتيجية المدمرة ، ورغم إدراكها لتفوقها على جيوش الأنظمة العربية مجتمعة  ، إلا أنها لم تهمل جانب واحد من جوانب المعركة الدائرة بينها وبين خصومها مهما كان بسيطا ، فإلى جانب إبداعاتها العسكرية تفوقت إسرائيل في النواحي الاقتصادية واحترام الحقوق المدنية والاجتماعية والحريات العامة ، وتفوقت عشرات المرات على الدول العربية مجتمعة في الاختراعات العلمية والتكنولوجية والالكترونية وما ترصده وتنفقه من أموال ضخمة على البحوث العلمية العسكرية والمدنية وغيرها ، وكان آخرها ما أعلنته الصناعة العسكرية الإسرائيلية عن الطائرة العملاقة بدون طيار والتي يصل مداها إلى جميع دول المنطقة العربية والإسلامية.
 وبما أننا بصدد الحديث عن الثقافة والتراث ، فإسرائيل ورغم تفوقها إلا أنها تواصل الليل بالنهار من اجل إثبات أن فلسطين ( ارض لشعب الله المختار ) ، وهي بالتالي عملت وتعمل جاهدة على تدمير كل معلم فلسطيني مهما صغر شانه ، إضافة لتشييدها جدار الضم والتوسع والطرق الالتفافية ، ضاربة بعرض الحائط كل القرارات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تُعنى بحماية التراث الثقافي والطبيعي على الصعيدين الوطني والدولي والتي اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو في 16 كانون أول نوفمبر 1972 في باريس ، واتفاقيتي لاهاي لسنة 1907م ولسنة 1954م والبروتوكولات التابعة لها في هذا الصدد ، والتي تلزم دولة الاحتلال على الحفاظ على التراث الثقافي أثناء النزاع والحروب وترغم القوة المحتلة على حماية التراث الثقافي وتدين أعمال التدمير المتعمدة له وتعتبرها جريمة حرب.
وإسرائيل التي لا تملك في هذه البلاد أي اثر وبالأخص في مدينة القدس التي تزعم وجود الهيكل الثالث فيها ، وتدعي زورا وبهتانا  أن هذه المدينة ارث حضاري وروحي لليهود ، على الرغم من حفرياتها المتواصلة منذ عشرات السنين والهادفة إلى تغيير معالمها وطابعها التاريخي ، لم تثبت ما تدعيه أو تتفاخر به أمام العالم على أن لها أي اثر أو معلم ذو قيمة ، دون أن تلجأ إلى اجترار وفبركة الأكاذيب الفاحشة وتزييف الحقائق للرموز الثقافية والأماكن الأثرية الفلسطينية ، بما تمثله هذه المعالم التراثية من كينونة للهوية الوطنية والثقافية للشعب الفلسطيني ، فمن هنا لجأت دولة الاحتلال إلى انتهاج  سياسة أسرلة وتهويد علنية للتراث العربي الإسلامي والمسيحي في فلسطين ، والى سرقة هذه الأماكن الأثرية والتاريخية العربية وضمها لقائمة التراث اليهودي ، وما قامت به إسرائيل أخيرا من ضم الحرم الإبراهيمي الشريف ومسجد بلال ومن قبل حائط البراق ، وما المخطط الإسرائيلي لتغيير واقع البلدة القديمة في القدس ، وحصار المقدسات الإسلامية والمسيحية بمجموعة من الكنس اليهودية والمدارس التلمودية والجمعيات الاستيطانية ، وآخرها إقامة معبد الخراب الذي يعتبره اليهود مؤشرا على قرب بناء معبد الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى ، وحفر الأنفاق في باب العامود وحي سلوان وغيرها ، وما تقوم به شركات سياحية عالمية مرتبطة بإسرائيل من توظيف مسجد قبة الصخرة في إعلاناتها كموقع تراثي إسرائيلي يأخذ بعدا مأساويا تراجيديا ، وإذا ما تم وضع اليد على المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنائس القيامة والمهد والبشارة وغيرها وضمها لقائمة تراثهم المزور والمنحول كما حصل مع الأماكن المقدسة ولأثرية السابقة.
إن إسرائيل سرقت كل ما لدى الفلسطينيين من تراث ونسبته إليها وضمته إلى قائمة أرشيفها ، وتجدر الإشارة هنا إلى ما عمدت عليه شركة الطيران الإسرائيلية العال ، على إرغام مضيفاتها ارتداء الثوب الفلسطيني كلباس رسمي مدعية انه من التراث اليهودي ، وما تزييف وتقليد الكوفية الفلسطينية وما تمثله من رمزية للنضال الفلسطيني ، حيث تم تغيير لونها إلى اللونين الأزرق والأبيض لتتماها مع ألوان العلم الإسرائيلي وصمم تطريزها على شكل نجمة داوود ، وكذلك الدبكات والمأثورات الشعبية ، وسرقة العديد من الأكلات الشعبية الفلسطينية والعربية مثل التبولة ، الحمص ، الفلافل ، الكبة ، والطحينة اللبنانية التي تحمل اسم "طحينة الأرز" ووضعها ضمن الدليل السياحي الإسرائيلي وتسويقها في العالم على أنها أكلات شعبية إسرائيلية ، وقبل فترة وجيزة فازت شركة إسرائيلية بجائزة في احد معارض المواد الغذائية بولاية نيوجيرسي الأمريكية عن إنتاجها من الفلافل. 
وفي نفس السياق لم تسلم الروايات والموسيقى والأغاني العربية ، فلقد أقدمت دور نشر إسرائيلية على ترجمة الكتب والروايات مثل رواية الكاتب علاء الأسواني عمارة يعقوبيان إلى اللغة العبرية بالرغم من رفض مؤلفها ، وكذلك ترجمت أعمال أدبية وقصصية عربية أخرى دون موافقة مؤلفيها ، ومنهم الأديبين يوسف القعيد ونجيب محفوظ، ، وترجمت معاني القرآن الكريم والأيام لطه حسين وعودة الروح لتوفيق الحكيم ، ولا ننسى ترجمة وسرقة معظم الأغاني والألحان العربية لعمالقة الطرب العربي أمثال فريد الأطرش وغيره ، وأقيمت في إسرائيل فرقاً موسيقية تتغنى بالشعر العربي وخاصة الموشحات الأندلسية ، وقبل أيام قدمت فرقة الفنون الشعبية الإسرائيلية العديد من نماذج الفولكلور الشعبي الفلسطيني ، أثناء مشاركتها في مهرجان اللوز بمدينة أجرجينتو الايطالية ، ونسبت رقصات الدبكة الفلسطينية الفلكلورية إلى تاريخها الثقافي والفني المزعوم ، فمتى يا ترى ستدق هذه القرصنة ناقوس خطر لتشكل قضية امن قومي دفاعا عن الثقافة والحضارة العربية بشكل عام ؟!!! .
 وما هذه الإجراءات الإسرائيلية الوقحة وهذا النهج البائس والهزيل ، وجرائم سرقة الأرض وتدمير معالمها وتزييف التاريخ و نهب الموروث الحضاري والثقافي والاجتماعي للشعب العربي الفلسطيني إلا انعكاس لمشروع أكبر تعمل عليه إسرائيل من اجل لي عنق الحقيقة وشرعنة لصوصيتها وتثبيت أحقيتها المزعومة في هذه الأرض ، والطامة الكبرى إذا ما تم السكوت على ذلك من قبل الفلسطينيين والعرب كما تم السكوت في السابق عن أشياء كثيرة كأنما شيء لم يحصل !!! ، وهنا يستحضرني قول المناضل الأمريكي الأسود مارتن لوثر كينغ ( إن المصيبة ليست فقط في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار أيضا ) ، فالساكت عن الحق شيطان اخرس فمن من الفلسطينيين والعرب وقوى الخير والسلام في العالم يقبل بذلك ؟!!!.
 إن الحركة الصهيونية ومنذ تأسيسها أدركت أهمية التراث بالنسبة لإثبات وجودها ، فقد بدأت بسرقة تراثنا وثقافتنا وتاريخنا من خلال التنقيبات الأثرية في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر وفي حقبة الانتداب البريطاني ودفعت هذه الحركة الشوفينية المندوب السامي البريطاني الصهيوني هربرت صموئيل لإنشاء دائرة للآثار الفلسطينية ، وتم ذلك من خلال استصدار قانون الآثار القديمة رقم 51 الصادر في 31 كانون ثاني / ديسمبر 1929 وفي 19 يونيو حزيران 1930 وضع حجر الأساس لـ متحف الآثار الفلسطيني ، وفي حزيران  يونيو1967 احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين وسيطرت على مدينة القدس وعلى المتحف ، وأطلق عليه المحتلون متحف روكفلر ، وبدأت عمليات سلب ونهب حثيثة لمحتوياته ونقلها إلى المتاحف الإسرائيلية.
ورغم سياسة الاحتلال ضد الأماكن الأثرية الفلسطينية ، إلا انه يوجد في الضفة الغربية وقطاع غزة ما يزيد عن ( 2000 موقع أثري رئيسي وما يزيد عن عشرة آلاف معلم أثري وتاريخي ، وما يربو عن خمسين ألف مبنى تاريخي ) ، وحسب الاتفاقيات الدولية وما دمنا لم نوثقها ونسجلها رسميا ضمن التراث العالمي في اليونسكو تصبح حقا لدولة الاحتلال الإسرائيلي ، لان اسم إسرائيل مدرج في قائمة اليونسكو بينما اسم فلسطين الغائب الأكبر ، ومن اجل أن نحافظ على هذه الكنوز الثمينة ، مطلوب من المستوى الرسمي الفلسطيني صياغة قانون وطني لحماية التراث والأماكن التاريخية وإخراجه إلى النور ، هذا سيحشر إسرائيل في الزاوية وسيضعها في مواجهة المنظمات الدولية المعنية ، وعلى الرغم من أن مشروع هذا القانون جاهز وقد وعد رئيس الوزراء الفلسطيني د سلام فياض في منتصف تشرين أول أكتوبر 2009م في جامعة بيرزيت بإقراره ، ولكن للأسف حتى كتابة هذه السطور لم يصدر هذا القانون الذي بدونه لا نستطيع تسجيل تراثنا في اليونسكو.
 فالحفاظ على هذا الإرث المكنوز واجب وطني وقومي ، يساهم بشكل مباشر في مقاومة الاحتلال وتفنيد مزاعمه وإبطال أطماعه ، ويحافظ على الهوية الوطنية والانتماء ، ويساهم في بناء الدولة المستقلة ذات السيادة ، وهو أيضا يعتبر مكونا بنيويا جذريا وأساسيا يساهم في خلق ثقافة وطنية ووعي فلسطيني جماعي حضاري وأنساني.
المطلوب أيضا تأسيس مركز رسمي للتراث الفلسطيني ، ورصد الأموال والموازنات الكافية لذلك في الوزارات المعنية ، من اجل المحافظة على هذا الإرث الحضاري والثروة الوطنية وعلى قيمتها المعنوية والمادية وعلى أهميتها التاريخية ، وترميم تلك التحف العمرانية والمعمارية النادرة وصيانتها وإعادة بناء المهدم منها على أيدي خبراء ومختصين مهرة ، وتعريف المواطنين وخاصة فئة الشباب والطلاب بها وبقيمتها الحقيقية ، وحمايتها من مخاطر العبث والاندثار والهدم ، لتصبح أماكن جذب سياحية تساهم في الدخل القومي الفلسطيني ، والمطلوب أيضا إنشاء سجل وطني لهذه المعالم يشتمل على قائمة رسمية بجميع هذه المعالم والآثار ، وأرشفة مصادر المعلومات والبيانات والحوادث التاريخية المرتبطة بها ، والمطلوب أيضا المحافظة على تراثنا بأبعاده النظرية والبحثية وإبرازه في الفعاليات الثقافية ، ومن خلال المؤتمرات والدراسات العلمية وغيرها ، حتى نستطيع المواجهة في معركة التراث والهوية مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي العنصرية.

 
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد