إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أغلق الباب خلفك قبل أن تموت لو سمحت!

 

خيري حمدان

عذرًا عزيزي، أخبرتك منذ البداية بأنك تركض فوق حقل من الألغام. إذن أنت والموت على موعد! لهذا أرجوك ابتعد عن الطريق المعبّد أمامي، لقد تعبت كثيرًا حتى تمكنت من الوصول إليه "عنوة"! ورجوت الشمس أن تصل إلى أرصفتي، ثم علقت عند المرفأ منارة، وجلست أصطاد السمك، ومن مقهىً قريبٍ صدحت موسيقى، حتى أن الغناء أنهك سمعي! إنها الحياة تنهمر في خلايا الحضور فلا تغيّبني.

 

أغلق الباب قبل أن تموت لو سمحت! هناك متّسعٌ لنهارٍ آخر، وقبلةٌ أخرى وحريقٌ في القلبِ وهمسةِ عاشق .. يا ربّي! هل كثيرٌ علينا أن نغرق في عناق خاطئ على شواطئ تتنكّر للنورس شتاءً؟ لكنها تفتح مصارعها للطيور المهاجرة صيفًا. أكاد أتلمس الطريق نحو النهار، دعني أعبره بحقّ الله، لقد أمضيت دهرًا من الزمن في العتمة. ما ذنبي إذا كنت أنتَ مصرًّا على بؤسك؟ هذا ليس سؤالاً عابرًا، ولكنّي .. أحاول قراءة الروح قبل أن أغلقَ الدفاترَ وأكسرَ القلمَ المتيقظَ بين أصابعي.

 

انطلقت صفارة القطار معلنة ساعة الرحيل. لا تضحك أرجوك! أعرف بأنني نويت السفرَ مجدّدًا قبل هذه اللحظة، وكنت قد حزمت أمتعتي. ولكني الآن تخليت عن كلّ الأحزمة الممكنة، ليكون الرحيل ميسّرًا. أنا أتبع الطيور المهاجرة نحو الدفء. والدفء هذا العام ما يزال جنوبيًا! إذا شئت الموت فافعلها لوحدك، وأغلق الأبواب قبل أن تفنى. أريد أن أُبْقي صدحَ الغناءِ يصمّ الآذان، سئمت البقاء مكتوف اليدين.

 

ماذا لو لم تتوقف الثلوجُ عن الهطول حتى ساعات الصباح وما بعد مقتل الشمس؟ أشعر بالبرد دفّئني برجع الهوى، وما تبقّى من خبايا الخريف كستناء تفرقع فوق كانوني المتوقّد الليلة. ربّما بقي همسة من الوقت قبل حلول الربيع. يمكنك الانعتاق من بؤس الخوف ألا فانطلق نحو بدايات الخلق واصرخ بملء الفم لغجرية عابرة "أحبّك عنوة"، رغمًا عن عشيرتك المسافرة دومًا نحو الموج المتصاعد في أصل المحيط. كانت تبتسم أثناء نومها، ابنتي كانت تحلم بثوبٍ جديد وعسكرٍ أقل في منزل أبناء عمومتها هناك! قالت لي ابنتي هل البندقية تقتل أو يمكننا الهرب من فوج الرصاص كما في الأفلام؟ أجبتها بأن مسرح الحياة قاتل فاحذري البنادق الصمّاء، نارها تخترق القلب وأنا ما زلت مسافر.

 

أغلق الباب خلفك قبل أن تموت، تعلّم معنى الحياة، لا تقتل نهارك، لم يبقَ على هطول المطر سوى أيلول، ثمّ يلتئم شمل السحب وتقطر السماء عذب الماء. ربّما تؤمن بحياة أخرى، وأنا مثلك أدرك بأن أجنحتنا لا تتكسر بعد الموت، ولكن رغبتي عارمة في ترك بصماتي في دفتر الحياة فافعل مثلي واشرب الشاي ولا تنس فنجان القهوة ودعوات أمّك وأنت تقف بالباب.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد