الفكر الاجتماعي في العصر الحديث – الحلقة التاسعة – مدرسة الفلسفة الذرية

0

 

الفكر الاجتماعي في العصر الحديث

الحلقة التاسعة

مدرسة الفلسفة الذرية

 

يوسف حجازي

 

تشكل الفلسفة بمعناها الواسع في التاريخ موضوعا للبحث والدراسة ، لأنها تشكل شكلا من أشكال الثقافة وعنصرا من عناصر الإنسانية الفاعلة ، وترتبط بشكل مباشر بالعقل الإنساني وقوانين التطور الاجتماعي والمعرفة ، ويكتسب الإنسان في عملية المعرفة الفلسفية مجموعة من المفاهيم الثقافية العامة والمبادئ الفلسفية الخاصة التي يستخدمها في نشاطه العقلي  في فهم الطبيعة والإنسان ، ولذلك تعتبر المعرفة تعبيرا عن تحرر الإنسان من الطبيعة وتحويلها إلى موضوع للمعرفة ، ولم يكتف الإنسان بذلك بل تجاوزه إلى محاولة معرفة ذاته وتحويلها إلى مشروع للمعرفة ، وهذا ما أدى إلى أن تكون الحقيقة المعرفية في مختلف أشكالها وألوانها موضوعا إشكاليا من حيث المعايير المؤسسة لها ، ومن حيث إمكانية تحقيق الموضوعية ، ومن حيث قيمتها النظرية والمعرفية ، ولذلك لم تعد عملية بناء المعارف تعتمد على الملاحظة الدقيقة للواقع التجريبي ، ولكن  لعبت البنية العقلية دورا كبيرا في عملية هذا البناء ، كما لعب  الخيال العلمي والصدفة دورا في تطوير هذا البناء أيضا  ، ولكن تحقيق ذلك يشترط تحقيق ثلاثة شروط وهي ذات عارفة وموضوع خارجي تنصب عليه المعرفة وامتلاك أدوات المعرفة ، ولذلك ونظرا لذلك ولأن وظيفة المعرفة تحرير الإنسان من الطبيعة وتحويلها إلى موضوع للمعرفة ، وتحرير الإنسان من ذاته وتحويلها إلى موضوع للمعرفة ، لا يمكن كتابة تاريخ الفلسفة إلا بالانفتاح على التاريخ الفلسفي في مجموعه ، وتصوره تصورا كليا في التحليل والمفهوم والمبادئ والمناهج ، وهذا يفترض فينا أن نعود إلى المدرسة الذرية الذي أسسها الفيلسوف ليوكيبوس في مدينة ايديرا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وكان ليوكيبوس يقول أن الوجود يتألف من كثرة لا نهائية من الأجزاء التي لا ترى بالعين المجردة ، وأن هذه الأجزاء تتحرك في الفضاء ، وأن الكون نشأ من اتحاد وانفصال هذه الذرات ، وأن النفس وهي مبدأ الحياة والشعور تتألف من ذرات متحركة ، وعند الموت تتناثر ذرات النفس في الفضاء ولذلك لا مكان لحياة أخرى بعد الموت ، وان المادة إذا كان لها أن تنقسم فأننا سوف نصل إلى وحدات لا تنقسم وهذه الوحدات هي الذرات ، والذرات هي المكونات النهائية للمادة وهي لا متناهية في الصغر ولا يمكن إدراكها بالحواس ، وهي تترابط وتنفصل ، وهذا يفترض أن يكون هناك مكان خالي تستطيع الذرات فيه أن تترابط وتنفصل ، وهذا يفترض وجود حقيقتين مطلقتين وهما الذرات والمكان الخالي أي الوجود واللاوجود ، وهكذا يكون اللاوجود موجود شأنه شأن الوجود ، وقد تأثر ليوكيبوس بالفيلسوف انكساغوراس الذي ولد في كلازومينيا في أسيا الصغرى في عام 500 ق م ، وكان هذا الفيلسوف الذي ولد في أسرة نبيلة قد أهمل أملاكه من اجل المعرفة والفلسفة وترك موطنه واستقر في أثينا ، وقد افترض انكساغوراس أن العقل والمادة موجودان منذ البداية جنبا إلى جنب كمبدأين مطلقين أصليين ، كما انه كان أول من ادخل فكرة الغائية إلى الفلسفة باللجوء إلى التفسير في إظهار الغرض العقلي بالنسبة إلى الأشياء ، وفي اظهارالتطلع إلى غاياتها ، ولذلك قام مذهبه الذري على وجود عقل يدير العالم نحو غاية محددة ، لكن أثينا وجهت إلى انكساغوراس تهمة الإلحاد والتجديف لأنه قال أن الشمس حجر ملتهب احمر وأن القمر مصنوع من الأرض ، لأن اليونانيون كانوا يعتقدون أن الأجرام السماوية كائنات إلهية ، وحتى أفلاطون وأرسطو كانا يعتقدان ذلك ، لكن انكساغوراس استطاع أن يهرب من السجن بواسطة صديقه السياسي بركليز وهي كلمة تعني باليونانية المحاط بالمجد ( 495 ق م – 429 ق م ) ، كما انه تأثر بالفيلسوف بارمنيدس مؤسس المدرسة الايلية ( 500 ق م – 450 ق م ) الذي رفض رأي الأيونيين الذين كانوا يعتقدون أن الحركة والتغيير هي طابع الوجود وقال أن الوجود ثابت لأن القول بالتغيير يعني انتقال الوجود من الوجود إلى اللاوجود ،  ولكن ارسطاطاليس ) 384 ق م – 322 ق م ) رفض رأي بارمنيدس وقال انه يمكن الانتقال من مرتبة في الوجود إلى مرتبة أخرى مثل انتقال الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل ، ولذلك كان الانتقال عند ارسطاطاليس انتقال من وجود إلى وجود وليس انتقال من وجود إلى لاوجود ، كما خالف بارمنيدس هيراقليطس الافسوسي ( 535 ق م – 475 ق م ) الذي كان يقول أن السمة الغالبة على الوجود هي الحركة والتغيير ، ولكن بارمنيدس وجه اهتمامه إلى مشكلة العقل والحواس مثل هيرقليطس ، واعتقد أن الإنسان يجب أن يتبع العقل وحده ، لكن العقل أوصل بارمنيدس إلى نتيجة هي عكس ما وصل إليه هيراقليطس ، لأن بارمنيدس قال لا شيء يتغير وان العالم كينونة واحدة غير متغيرة وغير متوالدة وغير قابلة للانهيار ككل ، وقال هيراقليطس كل شيء يتغير ، وقال بارمنيدس أن الكون لا يدور على الإطلاق ولكنه ساكن سكونا مطلقا وان التغيير والحركة والتبادل ليس سوى أوهام مصدرها الحواس ، وقال هيراقليطس الحكمة هي فهم الطريقة التي يدور بها العالم ، لكن ورغم هذا الاختلاف بين بارمنيدس باتجاهه العقلي وهيراقليطس باتجاهه الحسي إلا أنهما كانا من رواد الفكر الفلسفي وهما اللذان مهدا الطريق إلى الفلسفة ، بارمنيدس بالثبات والسكون وهيرقليطس بالتغيير والصيرورة ، بارمنيدس الأب الروحي للسفسطة وهيرقليطس الأب الروحي للمنطق ، ولذلك كان التغيير والثبات هما الفلسفة خلال القرن الرابع قبل الميلاد ، وقد كان أول من طبق الفلسفة الذرية وتوسع فيها وجعلها نظرية مشهورة الفيلسوف ديمقريطيس تلميذ ليوكيبوس الذي قال أن الأشياء تتألف من ذرات ثابتة لا تتغير وتتحرك في المكان الخالي ، وأعطى تصورا علميا عن الذرة وسماها الاتوم ، وان التغيرات الذي نلاحظها في الطبيعة ليست نتيجة تحول حقيقي ، وافترض أن كل الأشياء تتشكل من وحدات بنائية صغيرة جدا لا ترى بالعين المجردة ، وان كل واحدة من هذه الوحدات إذا أخذناها على حدة سنرى أنها سرمدية ولانهائية وثابتة ولا تتغير ، وقد أطلق على هذه الوحدات اسم الذرات ، وقال أن الطبيعة تتألف من عدد لا متناهي من ذرات ثابتة لا تتغير ، بعضها مستدير ناعم وبعضها مقوس خشن ، واختلاف أشكالها هذا هو الذي يتيح لها أن تتجمع في تكوينات متنوعة ولا نهائية ، ولكنها ورغم عددها واختلاف أشكالها إلا أنها سرمدية ثابتة لا تنقسم ولا تتجزأ ، وعندما يموت جسم كائن حي ويتحلل فإن الذرات تتشتت وتتفرق ويمكنها بعد ذلك أن تتجمع من جديد ، ولم يكن ديمقريطس يعتقد بأن هناك قوة أو روح يمكن أن تتدخل في العمليات الطبيعية ، وكان يرى أن الشيء الوحيد الفعال هو الذرات والفراغ ، كما انه لم يكن يعتقد بنظرية الصدفة ، ولكنه كان يؤمن بان القوانين الطبيعية المادية هي التي تحكم حركة الذرات والفراغ ، لكن إذا كان ليوقبوس قد أسس الفلسفة الذرية وإذا كان ديموقريطس قد طورها بتوسع اكبر ، فإن ابيقور ( 341 ق م – 270 ق م )  هو الذي عدل وبسط هذه النظرية ، وكان ابيقور هذا هو الذي أسس المدرسة الابيقورية ، وأضاف إلى مذهب ديموقريطس فكرة الميل في التحرك الآلي للذرات مما يؤدي إلى التصادم بينها وتكوين الظاهرات الكونية ، ولذلك كان يعتقد أن هذا العالم آلة ميكانيكية محكوم بأسباب طبيعية لها نتائجها الطبيعية ، وأن الحياة نشأت على الأرض ولم تهبط من السماء ، ولذلك نشأت فكرة وصف الأرض بالأم ، لأنها ولدت كل ما فوقها ، ولأن الحياة تحصيل حاصل لعملية تنظيم المادة نفسها ، ومن أقواله أن الدين ينبوع كل شر وان مهمة الفلسفة الأولى هي التخلص من الدين ، كما انه كان ينكر ظاهرة العناية الإلهية لأن وجود الشر يتناقض مع فكرة العناية الإلهية ، وقال أن العناية الإلهية وهم من الأوهام ، فكيف تكون هناك عناية إلهية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا في جزء بسيط ، وكيف يكون هناك عناية إلهية وتترك الإنسان حيوان اعزل وبدون أي سلاح ، ومن أقواله المشهورة ،

هل يريد الله أن يمنع الشر ولكنه لا يقدر ؟ هذا يعني أن الله ليس كلي القدرة  

وهل يقدر الله أن يمنع الشر ولكنه لا يريد ؟ هذا يعني أن الله شرير

وهل يقدر الله أن يمنع الشر ويريد أن يمنع الشر ؟ فمن أين يأتي الشر أذن

وهل يقدر الله أن يمنع الشر ولا يريد ؟ فلماذا نطلق عليه اسم الله إذن

ولماذا أخاف من الموت ؟ إذا كنت موجود فالموت لا وجود له ، وعندما يكون الموت موجود أكون أنا لست موجودا ، فلماذا أخاف من ذلك الشيء الذي لا وجود له عندما أكون موجود ، ومن أقواله أيضا لو أن الآلهة تنصت لصلاة الناس لهلك الناس جميعا لأنهم لا يتوقفون عن الصلاة التي يدعون فيها أن يصيب الشر بعضهم بعضا ، وأخيرا قال أنا لا أبالي بالناس لأن ما اعرفه لا يوافقون عليه وما يتفقون عليه لا اعرفه ، ولا وجود  لعدل في ذاته ولكن العدل تعاقد مبرم بين المجتمعات الغاية منه ألا يلحق أحدا ضررا بغيره وألا يلحق منه ضرر، وهكذا نرى أن ابيقور كان يعتقد أن هناك مصدرين يسببان القلق للعقل البشري وهما الخوف من الآلهة والخوف من الموت ، وكان يعتقد أن هذه المخاوف لا أساس لها ، لأنها مبنية على معتقدات خاطئة ، ولأنه يمكن التغلب عليها ، لأن الآلهة موجودة ولكنها لا يجب آن تشكل مصدر خوف ، لأنها توجد بعيدة عن البشر ولا تهتم بأمورهم ، لأن ذلك يتعارض مع سعادتها ، ولأن الخير والشر يكمنان في الشعور والموت ينهي الشعور ، وإذا تحرر الإنسان من هذه المخاوف يستطيع آن يعيش حياة سعيدة بالسعي إلى الملذات وتجنب الألم ، ولم يكن ابيقور يقدر من فروع الفلسفة إلا ما يبحث في الأخلاق ومعيارها الذي يقاس به الخير والشر، وكان الفرد عنده أساسا للأخلاق ، وقد اعتبر اللذة وحدها غاية الإنسان ، فهي وحدها الخير ، والألم وحده هو الشر الذي يفر منه الإنسان ويتجنبه ، وقيمة الفضيلة في نظره هي فيما تشتمل عليه من اللذة ، ولكنه لم يعني باللذة اللذة الوقتية أو اللذة الجسمية ، ولكنه قال أن اللذة العقلية اكبر قيمة من اللذة الجسدية ، وأن أفضل طريقة للحصول على اللذة وتجنب الألم هي الالتزام بالعقل والاعتدال والعدل والشجاعة والصداقة ، وقد كان ابيقور غزير الإنتاج ولكن لم يبقى من الكتب الذي كتبها إلا أجزاء من الحكم  وثلاث رسائل ، رسالة موجهة إلى هيرودوتس في العلوم الطبيعية ، ورسالة موجهة إلى ميناقايوس في الأخلاق ، ومائة وواجد وعشرون فكرة هي ملخص المذهب الابيقوري ، وهذه جميعا حفظها ديوجينس اللايرسي في القرن الثالث الميلادي ، ولكن إذا كان ليوكيبوس هو الذي أسس النظرية الذرية وديموقريطس هو الذي عدلها وبسطها وابيقور هو الذي طورها فإن الشاعر والفيلسوف الروماني تيتوس لوكريشيس هو الذي خلدها في قصيدته العلمية حول طبيعة الأشياء التي تعتبر من روائع الأدب اللاتيني ، وقد استلهم هذه القصيدة التي اشتهرت على مر الأجيال من مبادئ وتعاليم ابيقور لتخليص البشرية من الخوف اللامعقول من الخرافات والموت ، وتقديم تفسيرا منطقيا لبعض الظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين وغيرها حتى لا يعتقد البشر أنها ظواهر خارقة للطبيعة ، لكن وفي العصور الوسطى حدث تجاهل تام للفلسفة الذرية بسبب رفض أرسطو لهذه النظرية من جهة ، وسيطرت نظريات أرسطو على مجال الفلسفة في العصور الوسطى من جهة أخرى ، لكن فكرة كون الذرات هي وحدات البناء الأساسية لكل المواد لم تمت ولكنه عادت إلى مجال الفلسفة بقوة في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين نظرا لاعتناق مؤسسي العلم الحديث  من أمثال العالمان البريطانيان فرانسيس بيكون واسحق نيوتن ، والعالم الايطالي غاليلو لهذه النظرية رغم أنهم لم يضيفوا شيئا يذكر إلى هذه النظرية ، لكن الميلاد الحقيقي للنظرية الذرية الحديثة كان في عام 1750 على يد العالم اليوغسلافي رودجر بسكوفتش الذي خرج بفكرة مؤداها أن ديموقريطس ربما يكون قد اخطأ بتصوره أن الذرة تحتوي على أجزاء اصغر وهذه بدورها تحتوي على أجزاء اصغر واصغر وهذه بدورها تحتوي على أجزاء اصغر واصغر وأصغر وهكذا حتى وحدات البناء الأساسية للمادة ، وقال أن وحدات البناء الأساسية هذه لا بد أن تكون نقاطا هندسية بدون حجم على الإطلاق ، وذلك بالإضافة إلى علماء الفيزياء الذي يعتنق معظمهم صورة حديثة لفكرة بسكوفتش من أمثال العالم البريطاني جون ملتون الذي قال أن ذرات كل العناصر متماثلة تماما في الحجم والشكل والكتلة ، وأن الذرات عندما تتجمع لتكون مركبا معينا تتجمع وفق نسب عددية محددة ، ولذلك يصبح تركيب اى كتلة من مركب معين هو نفسه على الدوام ، وعالم الفيزياء البريطاني جوزيف طمسون الذي اكتشف أن الذرات قابلة للتفتت ، والعالم البريطاني ارنست ذرفورد الذي قال أن كل وزن الذرة يتركز في نواة دقيقة الحجم ، وأن هذه النواة محاطة بالالكترونيات ، والعالم الدنمركي ليز بور الذي قال أن الالكترونيات تنتقل فقط في مجموعة محددة من المدارات ، والعالم الفرنسي لوي دي بروجلي الذي اكتشف أن للالكترونيات  خواص الموجات ، وذلك بالإضافة إلى العلماء وولفغانغ باولي وايرفين شرودينغر من النمسا ، وماكس بورن وفريز هيسينبرغ من ألمانيا وغيرهم من العلماء الفيزيائيين ، وذلك بالإضافة إلى بيار كاسندي وتوماس هوبز وبندكت سبينوزا الذين كانوا يعتبرون أن عالم الوعي في جوهره ينتمي إلى عالم الجسد أو عالم الحواس ، وان الكون يسير سيرا آليا ، وأن كل ما يقع في الكون يسير سيرا أليا ، وجون ستيوارت ميل ( 1806 – 1873 ) وكان ميل الذي كان له تأثير على المجتمعات الأوروبية بشكل عام والمجتمع الانكليزي بشكل خاص قد اقتبس مذهبه الذري من مذهب توم التجريبي الذي يعتبر التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة ، ومذهب جيرمي بنثام القائم على مفهوم المنفعة ، وعلى مبدأ أن صحة الفكر تعتمد على ما يؤدي إليه من نتائج عملية ناجحة ، وكان الفيلسوف الأميركي تشارلز ساندرزبيرس هو أول من استخدم اسم البرغماتية ، ومذهب والده الترابطي الذي يقوم على مفهوم أن كل وحدة ما هي إلا أجزاء صغيرة ، وان الإنسان عندما يدرك الوحدة يدرك الأجزاء قبل أن يدرك الوحدة نفسها ، ولذلك تقوم المدرسة الترابطية على مفهوم الترابط ، وعلى مفهوم أن كل العمليات العقلية تتكون من ارتباطات سواء كانت مكتسبة من المواقف أو من السلوك ، وعلى مفهوم أن المعرفة تبدأ عن طريق الحواس ، ومفهوم أن العالم عالم فوضوي والعقل هو الذي يقوم بتنظيمه ، لأن الأشياء التي ندركها تتألف من إحساسات منفصلة يقوم العقل بربطها ، وقد سميت هذه المدرسة بالترابطية لأنها قامت على أساس ترابط الأفكار ، وشروط الترابط وجود تجاور في الزمان وتجاور في المكان وتشابه في الأحداث وتناقض في الأحداث ، ومن أشهر فلاسفة الترابطية بنجاهوس وثورندايك وبافلوف ، ولكن ورغم اختلاف ميل مع والده بسبب مراقبته ومحاولة فرض أفكاره عليه ، وقد كان لا يؤمن إلا بالعلم والمنفعة والماديات ، وانزعاجه من توجه ابنه للرومانتيكية ، واختلافه مع جيرمي بنثام  وخاصة بعد إصابته بالانهيار العصبي ، ولذلك رفض إقرار بنثام بأن القيمة الكمية هي التي يجب أن يأخذ بها ، وقال أن القيمة الكيفية هي التي يجب أن تحكم حكما عادلا ، وكذلك في موضوع المنفعة واللذة لأن بنثام يدعو إلى تحقيق المنفعة واللذة لأكبر عدد من البشر وهذا يبرز قصور المذهب النفعي الذي لا يراعي المعاقين والأطفال والمرضى لأنهم لا يعتبرون اغلبيه لكي يتم إشباع رغباتهم وطلباتهم المادية ، وقد أدرك جون ستيوارت ميل ذلك بعد إصابته بالانهيار العصبي ، ولذلك قال أن العقل يجب أن يطور لكي يحقق المتعة الحقيقية ، وهذا يعني أن الرغبات الصغيرة وغير المهمة وأن زاد الإقبال عليها يجب أن لا تنفذ لأن العقل أهم من الحواس ، ولذلك قال أن النفعية ليست إلا سعي أناني وراء المصلحة الشخصية ، والاختلاف مع توم الذي  ينتقد التصور الكلاسيكي الذي يعتقد أن التجريب وحده ينتج التحليل ألسببي ويقول أن العلم لا يمكنه أن يكون علما إلا إذا انفتح على الافتراضي والخيال ، لكن ليس معنى ذلك الخلط بين العقلانية والتجريبية واختزالهما معا باعتبارهما يمثلان المذهب الوضعي بالمعني الذي يقابل المذهب الديني ، ولذلك شدد جون ستيوارت ميل على المدى المحدود الذي وصلت إليه النظريات التجريبية والعقلية والترابطية مجسدا في تركيب رائع النظرية الذرية القائمة بين الإنسان والعالم ، وكان جون ستيورات ميل منظر وفيلسوف الليبرالية من أكثر الفلاسفة تحمسا لقضية المرأة ، ومن الفلاسفة الذين كرسوا جزء من فلسفتهم من اجل قضايا النساء ، وذلك على عكس بعض المفكرين الذين كانوا لا يرون في مساواة الرجل والمرأة ضرورة لتقدم البشرية ، وبعض الثوار والمتمردين على التقاليد الاجتماعية الذين كانوا أعداء للنساء ، وقد تابعت الكاتبة الأميركية سوزان موللر اوكيه الموقف من النساء في الفكر الغربي منذ نشأة هذا الفكر في بلاد اليونان واكتشفت نغمة الكراهية للنساء التي تتسم بها كتابات الفلاسفة والشعراء الإغريق وفي مقدمتهم أفلاطون وسقراط ، فالمرأة في وجهة نظرهم أول البلاء في البشرية ، وحتى أن صفات الإلهة المؤنثة في التراث اليوناني كانت صفات رجولية ، كما كانت حقوق المواطنة في أثينا تطبق وفق المراتبية الاجتماعية التي لا توفر للنساء والعبيد الامتيازات التي تمنح للرجال الأحرار ، ولذلك بقي تراث الفكر الإنساني يتراوح بين القبول والرفض لحقوق المرأة ، وفي عصر النهضة الذي بدأ فيه الفلاسفة في البحث عن مفهوم المواطنة التي يتساوى فيها البشر أمام القانون ، لم يكن هذا العصر عصر الاهتمام بقضية المرأة رغم دور المرأة في الثقافة والحياة الاجتماعية والسياسية ، لأن الفلاسفة في ذلك العصر وخاصة جان جاك روسو كان يرون في المرأة قصور عن الوصول إلى مواهب الرجل ، وكانوا يرون فيها موضوعا جنسيا يجب أن يحجز في البيت ، لأن وظيفة الرجل هي التفكير والإبداع وهو يملك قدرة غير محدودة على التفكير والإبداع ولكن وظيفة المرأة هي وظيفة حسية وفيزيقية وهي لا تملك القدرة على التفكير المجرد ، ولذلك كانوا يرون أن المرأة هي مصدر الشر وعقابها ولادة الأطفال بالوجع ، لكن وللحقيقة يجب أن نقول أن جان جاك روسو كان يخاف النساء لأنه كان يعاني من مرض الزهري الذي ساهم في تعكير مزاجه إزاء النساء ، وهذا الأمر يشير إلى الرابطة الوثيقة بين التجربة الشخصية والمواقف الفكرية ، لكن جون ستيوارت ميل فيلسوف الليبرالية والمدرسة الذرية والذي كان محاطا بمجموعة من النساء الذكيات الموهوبات وفي مقدمتهن حبيبته وزوجته هاريت تايلور وهي كاتبة في مجال حقوق المرأة كان من أكثر الفلاسفة تحمسا لقضية المرأة وأول المفكرين الذين نادوا بحق المرأة في التصويت الانتخابي ، وأول من قال أن استعباد النساء ليس ألا مبدأ شريعة الغاب الذي كان الرجل فيها يعتمد على قوته البدنية ، ويعتقد أن كتابه منح حرية الانتخاب للنساء كان نتيجة مساهمة مشتركة بينه وبين هاريت تايلور ، ولكن من النادر أن ينسب إبداع الرجل إلى امرأة رغم القول الشائع خلف كل رجل عظيم امرأة حتى ولو كانت هذه المرأة هاريت تايلور التي كانت تملك من الذكاء وقوة التأثير ما يمكنها من أن تجعل منظر وفيلسوف من وزن جون ستيوارت ميل على تطابق مع أفكاره التي كتبها في كتابه الحرية والمذهب الليبرالي ، والى جانب قضية المرأة كان جون ستيوارت ميل يشارك في المناقشات البرلمانية حول المسألة الايرلندية ويبدي تعاطفا مع قضية السود في جمايكا وتنقد سياسة الاحزاب البريطانية ، ولذلك سقط في الانتخابات البرلمانية في عام 1868 وعاد إلى عزلته في منزله الصغير في سانت فيران يعاني من مرض الانهيار العصبي بسبب اختلافه مع والده الذي كان يعتقد بصحة معتقداته الفلسفية واختلافه مع بنثام الذي كان أيضا يحبه ويعتقد بصحة معتقداته الفلسفية ، وبسبب وفاة هاريت حبيبته وزوجته الذي تعرف عليها في عام 1830  وهام بها وأراد أن يثبت لها انه فارسها ولذلك تزوجها في عام  بعد عشرون عاما من الحب والغرام في عام 1858 ، وقد بادلته الحب  والغرام ووجد عنها رقة عاطفية مميزة توخي من خلالها أن يجد نافذة فكرية يطل منها على القضايا الفكرية والإنسانية التي كانت مثار اهتمامه ، وقلب الرجل لا يخلو من المرأة ، قد تكون امرأة حية أو امرأة ميتة ، وقد تكون زوجة أو صديقة ، وقد تكون شيئا آخرا ، لذلك أصيب جون بالانهيار العصبي أو الجنون ، والجنون هو الرفيق السري للعبقرية ، ولذلك أطلقوا عليه اسم العبقري والمجنون ، ولو كان بالإمكان أن نجري فحصا نفسيا على أولئك الذين ماتوا والذين ما زالوا أحياء من الفلاسفة والعلماء ربما لوجدنا أن الكثيرون جدا منهم مرضى بالانهيار العصبي أو الجنون ، ولكن ذلك لا يمكن أن يقف في وجه المؤرخين في الحكم على الكثيرين منهم بالانهيار العصبي أو الجنون ، ولم يقتصر دور هاريت على حقوق المرأة ولكن وبتأثير منها دافع جون ستيوارت ميل عن الاشتراكية في كتابه الاقتصاد السياسي وقال أن الاشتراكية ليست خطرا على حرية الفرد ، ولكن ورغم ذلك لم يعترف به القادة الاشتراكيون لويس بلانك وبوردون ورفيق دربه سالن ، وكان في نظرهم يمثل التجسيد الحي لإصلاحي ليبرالي راديكالي برجوازي وديع ، وقد اقر ذلك أيضا الاشتراكيون الفابيون الذين كانوا يعتبرونه الأب الروحي لهم ، وكان هو نفسه يقول أن كل ما يقيد المنافسة الحرة شر مطلق وكل ما يطلقها خير مطلق ، كما كان جون أول من دافع عن حرية التعبير عن طريق الكلام أو الكتابة أو العبادة أو الصحافة أو التظاهر السلمي أو أي عمل فني وبدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة  ومضمون الأفكار والآراء خرقا للقانون مهما كان هذا الرأي غير أخلاقيا في نظر البعض ، ومن أقواله في ذلك ( أن البشر جميعا لو اجتمعوا على رأي واحد ، وخالفهم في هذا الرأي شخص واحد ، لما كان لهم أن يسكتوه ، بنفس القدر الذي لا يجوز لهذا الشخص أن يسكتهم حتى لو كانت له السلطة والقوة ، لأننا إذا أسكتنا صوتا واحدا فربما نكون قد أسكتنا الحقيقة ، وأن الرأي المجمع عليه لا يمكن قبوله على أسس عقلية إلا إذا دخل واقع التجربة ، وأن هذا الرأي ما لم يواجه تحديا من وقت إلى آخر سيفقد أهميته وتأثيره ) وكان الحد الوحيد الذي وضعه جون لحدود حرية التعبير هو إلحاق ضرر بشخص آخر ، ولكن هذا الحد ما يزال مثار جدل حتى اليوم وخاصة في موضوع ماهية الضرر ، فقد يختلف ما يعتبره الإنسان ضرر الحق به من مجتمع لآخر ، وفي حين كان جون من الداعين إلى النظرية الفلسفية التي تنص على آن النتائج الجيدة لأكبر عدد من الناس هي الفيصل في تحديد اعتبار العمل أو الفكرة عمل أخلاقي أم لا أو فكرة أخلاقية أم لا ، كانت هذه الأفكار تتناقض مع المدرسة الفلسفية التي تعتبر العمل اللااخلاقي سيئا حتى ولو كانت نتائجه جيدة ، وقد استندت هذه المدرسة على الدين الذي يصنف الأعمال والأفكار إلى جيدة أو سيئة ، واقوي برهان على ذلك الكذب لأن جون يعتبر الكذب مقبولا إذا كان فيه فائدة لأكبر عدد من الأشخاص في مجموعة معينة على عكس الدين الذي يعتبر الكذب تصرفا سيئا حتى ولو كانت نتائجه جيدة ، كما انه يمكن لأي شخص أن يسبب الأذى للآخرين ليس فقط بالفعل ولكن أيضا بالامتناع عن الفعل ، وبالإضافة إلى قضية المرأة والاشتراكية والحرية كتب جون في موضوع المجتمع المجزأ وقال أن تحقيق وحدة أي مجتمع مجزأ يشترط وجود سلطة مركزة تعلو على سلطة القادة والأنظمة المحلية وتستقطب ولاء الشعب ضد سلطة القادة والأنظمة المحلية وقد كتب في ذلك يقول ( ليس من المحتمل لشعب تمرس على الشجاعة بصراعات مع الطبيعة وجيرانه ، ولكن دون أن يعرف الطاعة المستقرة الثابتة لسلطة عليا ، أن يحصل على هذه العادة ( أي الطاعة لسلطة عليا )  في ظل حكومة جماعية تمثله ، أن جمعية تمثياية تمثل أجزائه المختلفة تعكس فقط تمرده المتقلب ، المجتمع المجزأ يعجز عن تحقيق وحدته بطريقة ديمقراطية حتى وان كانت الوحدات التي ينقسم فيها تمارس ديمقراطية محلية فعالة ، أنني لا اعلم بأي حقل تاريخي استطاعت فيه هذه الذرات أو الخلايا السياسية أن تتحد في كيان واحد ، أو تتعلم بأن تكون شعبا واحدا دون خضوع سابق لسلطة مركزة تشملها جميعها ، ولم يكن جون مفكرا متخصصا في دراسة المنطق ولكن التطور الاقتصادي الذي عاشته بريطانيا خلال الثورة الصناعية والإفرازات الاجتماعية والسياسية استقطبت نشاطه ، كما أن الإشكاليات الجديدة التي برزت بعد نشوء المجتمع الصناعي أثارت مسألة الحرية ومفهوم حقوق الفردية في الحياة المدنية السياسية ، وقد كتب جون موقفه في مسألة الحرية في كتابه بحث في الحرية في عام 1859 وكتابه أفكار حول الحكم التمثيلي في عام 1861 ودعا إلى توسيع مساحة الحرية العامة المدنية ، ولكنه ورغم انه قد أبدى تخوفه من نتائج بعض المبادئ الديمقراطية كالمساواة في حق الانتخاب إلا انه نادى بحق الرأي في الانتخاب  ، وعارض الانتخاب السري الذي كان مقترحا في بريطانيا لأول مرة بحجة انه يجب أن يكون لدى المواطنين الرغبة في أن يتركوا جيرانهم يعرفون كيف أدلوا بأصواتهم ، وعارض التوسع في التوظيف الحكومي وقال انه إذا أصبحت نسبة كبيرة من المواطنين موظفين حكوميين أو منتفعين فإن حرية الصحافة ودستور التشريع العام لا يستطيعان الحفاظ  على حرية البلد إلا بالاسم فقط ، ولذلك كان ينظر إلى الحكام وكأنهم بالضرورة في وضع معادي للشعب لأن سلطتهم كانت أما عن طريق الإرث أو عن طريق الاحتلال ، وفي الحالتين لم يكونوا يمارسوا سلطتهم برضي المحكومين ، ولذلك كان يبرر الثورة على الحكام أو إقامة ضوابط دستورية تؤمن نوع من الحماية ضد استبداد الحكام ، أو أن يكون الحكام الذين يستلمون شؤون الدولة وكلاء آو مندوبين عن المحكومين ويعزلهم متى أرادوا ، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يعطي المحكومين الضمانة في أن لا يساء استعمال سلطة الحاكم في غير صالح المحكومين ، وفي تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع وضع جون ستيوارت ميل حدا شرعيا لسيادة الإنسان على نفسه بحيث يكون للفردية جزء الحياة الذي يهم الفرد ، وأن يكون للمجتمع جزء الحياة الذي يهم المجتمع ، وذلك على قاعدة أم من ينال حماية المجتمع يكون مدينا للمجتمع ، وأن العيش في مجتمع يقتضي حتما أن يتقيد كل فرد بخطة من السلوك تجاه الآخرين ، وعدم الإضرار بالمصالح التي يجب أن تعتبر حقوقا أما بموجب القانون أو بموجب تفاهم ضمني وأن يتحمل كل فرد نصيبه الذي تقرر وفق مبدأ منصف ، وكان ميل يرى في الأخلاق خيرا قد لا يرتبط بالدين في بعض الأحيان لأنه كان يرى أن الحرية هي قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها بحسب منظوره شريطة إلا تكون مفضية إلى إضرار الآخرين ، وان السبب الوحيد الذي يجعل الإنسانية أو جزء منها تتدخل في حرية أو تصرف أحد أعضائها هو حماية النفس فقط ، وأن السبب الوحيد الذي يعطي الحق لمجتمع حضاري في التدخل في إرادة عضو من أعضائه هو حماية الآخرين من أضرار ذلك التصرف ، كما كان جون ستيوارت ميل يقدر تقديرا كبيرا للقوة العسكرية رغم انه كان يقول أن الحرب شيء قبيح إلا أنها ليست أقبح الأشياء ، فالوضع الأخلاقي المنحط والمنحل والشعور بالوطنية الذي يشك بأن لا شيء يستحق الحرب هو أسوأ بكثير من الحرب نفسها ، فالشخص الذي ليس لديه شيء يرغب في القتال من اجله وليس لديه شيء أهم من سلامته الشخصية هو مخلوق بائس وليس لديه فرصه في أن يكون حرا إلا إذا جعل حرا وحوفظ عليه حرا من قبل رجال افصل منه ، ولذلك كان يقول ( لا تنحني لأحد مهما كان الأمر ضروريا فقد لا تأتي لك فرصة للوقوف مرة أخرى .                                        

 

 [email protected]

 

 

 

 

                                        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.