إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

يراهنون على أزمة لن تقع

necola naser(8)

بقلم نقولا ناصر*

 

(لقد حان الوقت لتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الأميركي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط فلسطيني مسبق للقبول بأي دور أميركي للوساطة في حل "سلمي" للصراع)

 في مقر الرئاسة برام الله المحتلة، ربما تهنئ القيادة المفاوضة لمنظمة التحرير الفلسطينية نفسها في الوقت الحاضر بما تصفه بعض وسائل الإعلام ب"أزمة" في العلاقات بين الإدارة الأميركية وبين حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولأن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن "أدان" الإعلان عن القرارات الاستيطانية الأخيرة في القدس المحتلة أثناء زيارته لدولة الاحتلال، ولأن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون اعتبرت ذاك الإعلان علنا "إهانة" لإدارتها وبلادها وأعلنت "استياء" إدارتها و"خيبة أملها" منها، ولأن المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل أجل زيارة كانت مقررة له إلى دولة الاحتلال إلى ما بعد اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في موسكو، وهو تأجيل فسره المراقبون بتعبير عن ذاك "الاستياء"، ولأن الاتحاد الأوروبي و"الرباعية" بدورهما انضما إلى "الإدانة" الأميركية.

 

وربما تعتبر القيادة الفلسطينية المفاوضة، وقادتها يفركون أيديهم حبورا، كل هذه المؤشرات وغيرها دليلا على صحة استراتيجيتهم وعلى وقوف المجتمع الدولي معهم، مما يسوغ لهم أمام شعبهم، كما قد يعتقدون، الاستمرار في الانفصال الكامل عن حركة شعبهم المتصاعدة في مواجهة التهويد المتسارع للقدس، لا بل يسوغ لهم منع هذه الحركة الشعبية من التصاعد والاتساع إلى حركة انتفاضة شعبية "سلمية" شاملة طالما دعوا إليها كبديل للمقاومة التي يستمرون في تنسيقهم الأمني مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لاجتثاثها، ليستمروا في الرهان الخاسر على أزمة أميركية ـ إسرائيلية لن تقع، وعلى وسيط أميركي تحرص إدارته على استمرار الانقسام الفلسطيني أكثر من حرصها على الوفاء بوعودها لهم كما أثبتت العقوبات التي فرضتها الخزينة الأميركية على مصرف وفضائية فلسطينيين في غزة الخميس الماضي.

 

صحيح ان الجانبين أكدا وجود "اختلاف" بينهما، لكن الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال كلتاهما نفيا رسميا وجود "أزمة" بينهما واستبعدا حدوث أزمة كهذه.

 

فقد نفى الرئيس باراك أوباما نفسه الخميس الماضي في مقابلة مع "فوكس نيوز" وجود أزمة بكلمة "لا" قاطعة جازمة "لأن بيننا وبين الشعب الإسرائيلي رابطة خاصة لن تنتهي"، كما قال مضيفا: "مع أن الأصدقاء يختلفون أحيانا". وهذه "صداقة" وصفها سفير دولة الاحتلال بواشنطن، مايكل أورين، في اليوم نفسه بأنها "عميقة وذات مستويات متعددة"، بينما أشاد بيان في ذات اليوم وزعه مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ب"التزام أوباما بأمن إسرائيل" وبالصلة "العميقة" بين الدولتين، مشيرا أيضا إلى أن بايدن "المهان" قد هاتف نتنياهو يوم الثلاثاء الماضي. وكانت كلينتون في اليوم السابق قد أكدت "الالتزام المطلق" لإدارتها "بأمن إسرائيل" ومؤكدة أن "لدينا رابطة وثيقة لا تهتز بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل وبين الشعب الأميركي والإسرائيلي"، دون أن يحول ذلك دون وجود "اختلاف صريح" بين الجانبين بالرغم من "الشراكة الهامة" بينهما كما قال فيليب غوردون، مساعد كلينتون.

 

وبالتالي لا يوجد أي مسوغ لحبور القيادة الفلسطينية، فلا جديد لا في الاختلاف الأميركي ـ الإسرائيلي الجديد ولا في "الإدانة" الأميركية التي أصبحت ممجوجة لكثرة ما تكررت قولا دون فعل.

 

وعندما يتحول أي اختلاف كهذا إلى أزمة حقا بين مصالح الطرفين تعطي واشنطن فيها الأولوية لمصالحها، وهو أمر مستبعد جدا في أي مدى منظور، عندها فقط يمكن أن تكون أي إدارة أميركية مؤهلة للقيام بدور وسيط في الصراع العربي الإسرائيلي، يمكن للعرب، والفلسطينيون في مقدمتهم، أن يراهنوا عليه.

 

والعرب والفلسطينيون بالرغم من كل عوامل الفرقة والانقسام والعجز التي تميز وضعهم الراهن ما زالوا يملكون إمكانية تخيير واشنطن بين مصالحها وبين مصالح دولة الاحتلال، لكن قادتهم باختيارهم لا يفعلون لسبب بسيط واحد هو ان معظمهم ما زال يستقوي بواشنطن نفسها على بعضهم البعض.

 

غير أن العرب إن كانوا يملكون رفاهية أي اختيار كهذا، فإن المفصل التاريخي الحاسم الذي يمر فيه الوطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية لم يعد يسمح بأي رفاهية فلسطينية مماثلة، فقد حان الوقت للتوقف عن استقواء الرئاسة الفلسطينية بواشنطن في الانقسام الفلسطيني الراهن.

 

بل حان الوقت لاستقواء كل قوى الحركة الوطنية الفلسطينية بوحدتها الوطنية على مواجهة استمرار الانحياز الأميركي السافر إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي. فهذا الانحياز على وجه التحديد ما زال هو السبب الرئيسي في استمرار الاحتلال، وفي عزل المجتمع الدولي عن المساهمة في حل الصراع العربي الإسرائيلي حلا يمتلك الحد الأدنى من العدل طبقا للقانون والشرعية الدوليين.

 

ومثلما توصل الإجماع الفلسطيني إلى أن وقف الاستعمار الاستيطاني اليهودي قد تحول إلى شرط مسبق لاستئناف أي مفاوضات لها الحد الأدنى من الصدقية، فإن الوقت قد حان أيضا لتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الأميركي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط فلسطيني مسبق للقبول بأي دور أميركي للوساطة في حل "سلمي" للصراع.

 

غير أنه ليس من المتوقع، كما تشير كل الدلائل، أن تكون القيادة الفلسطينية المفاوضة مؤهلة لتبني أي شرط مسبق كهذا للتعاطي مع أي وساطة أميركية في ضوء خروجها على الإجماع الفلسطيني المصر على الوقف الكامل للاستيطان كشرط مسبق لاستئناف التفاوض.

 

لقد كشفت الهبة الشعبية الفلسطينية المتصاعدة ضد التهويد المتسارع للقدس أن هذه القيادة المفاوضة تعارض أي انتفاضة شعبية سلمية شاملة ضد الاحتلال بقدر معارضتها لمقاومة الاحتلال، وفي هذا السياق يصبح من نافل القول إن مطالبة هذه القيادة بان تحمل القمة العربية المقبلة في ليبيا أواخر الشهر الجاري اسم القدس وأن تتخذ إجراءات ملموسة لدعم المدينة المحاصرة والمعزولة في محنة تهويدها ولدعم صمود أهلها، إنما هي مطالبة لا تحمل في طياتها من الجدية أكثر مما تحمله "الإدانة" الأميركية المتكررة لقرارات تهويد المدينة المقدسة بالاستيطان، ناهيك عن التناقض الكامن بين هذه المطالبة وبين تقاعس القيادة المفاوضة نفسها عن اتخاذ إجراءات دعم تطالب غيرها باتخاذها.

 

إن القيادي المخضرم في حركة فتح ومسؤول ملف القدس فيها، وعضو المجلس التشريعي عنها لسلطة الحكم الذاتي، حاتم عبد القادر، الذي سبق له أن استقال من منصبه كوزير لشؤون القدس في حكومة د. سلام فياض برام الله متهما السلطة وحكومتها بإهمال القدس، قد جدد الاتهام نفسه خلال هبة القدس الأخيرة، مضيفا إليه أن السلطة وحكومتها "تمنعان" التضامن الشعبي في الضفة الغربية مع القدس وقائلا إن "المقدسيين يستصرخون العرب من أجل دعمهم ومساندتهم، في حين يتخلى عنهم الشارع في الضفة بسبب حالة الكبت التي يتعرض لها".

 

ومع أن عبد القادر قد تحدث كمن في "فيه ماء"، أو "كالبالع سكين"، لأنه "شاهد من أهله"، فبرأ الرئاسة المفاوضة من اتهاماته لكنه أدان حكومتها (!)، فإنه بالرغم من حراجة موقفه قد أكد ما يقوله القطب الآخر المعارض لكليهما في الانقسام الفلسطيني الراهن، فاستحق تحذير الرئاسة في رام الله له بمساءلته إن استمر في تصريحاته التي وصفتها ب"الخطيرة"، بينما حدد الاحتلال يوم انعقاد القمة العربية في سرت الليبية موعدا لمحاكمته عسكريا لأنه يحاول في القدس ما يتهم السلطة والحكومة في رام الله بالاستنكاف عنه.

 

* كاتب عربي من فلسطين                                          

  [email protected]*
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد