إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة .. بقلم: د. مضاوي الرشيد

3elaqat

في مسيرة البحث عن شرعية مرت الدولة السعودية في ثلاث مراحل اولها شرعية دولة التوحيد وثانيها دولة التنمية وثالثها حالياً دولة العلاقات العامة.

في المرحلة الاولى سوقت الدولة لنفسها ومشروعها على انها دولة توحيد تصبو الى تركيز دعائم الجماعة الموحدة دينيا وارتبط المشروع في عملية مسح شامل للهويات المناطقية المرتبطة بالطقس الديني والممارسة الروحية والمذهبية والقضائية. فاسدل الستار على التنوع والاختلاف في سبيل المشروع وهو صهر المجموعة تحت غطاء واحد يقلص الحدود بل يلغيها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. وقد تعثر المشروع في بدايته الا انه استطاع ان يحقق نجاحاً خاصة وانه ارتبط بانشاء مؤسسات تصهر الاختلاف وتمسحه حتى في مجالاته الاجتماعية كالملبس والمأكل والقيم الاجتماعية.
في المرحلة الثانية والتي ارتبطت بالثروة النفطية استطاعت السلطة أن تلجأ الى التنمية الاقتصادية كعامل يربط الاطراف بالمركز ونظريته في التطور والرقي فجاءت هنا فرصة تاريخية لاستبدال شرعية التوحيد بشرعية النمو الاقتصادي والذي ظل مرتبطا بالمشاريع الكبيرة كالمدن الصناعية وصناعة النفط ومن ثم في فرص الاستثمار القديمة والجديدة خاصة تلك المتعلقة بالخصخصة حيث خلقت سياستها مجالات جديدة تربط شرائح كبيرة اجتماعية بالفرص الجديدة من استثمار عقاري ومشاريع خدمات ومعلومات وغيرها.
وكما تعثرت المرحلة الاولى في خطابها وممارساتها عندما اصطدمت بحقيقة الواقع على الارض نجد ان المرحلة الثانية التنموية هي ايضا قد تعثرت وتراجعت رغم انها سجلت نجاحا في بعض الاوساط المجتمعية واحدثت نهضة ولو جزئية وسطحية لكنها واضحة وصريحة. نجد ان الدولة اليوم قد دشنت المرحلة الثالثة وهي مرتبطة بتحولها الى دولة علاقات عامة فرضتها عليها مرحلة العولمة والتي جاءت بما يصلح تسميته بالحكم المعولم. ولهذه المرحلة الحالية خصائصها المميزة التي تختلف عن المرحلتين السابقتين.
ارتباط السعودية بالاقتصاد الرأسمالي العالمي بسبب نفطها كمادة مهمة لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي وكسوق مهمة للاستثمار والبيع جعلها تدخل مرحلة الحكم المعولم حيث أن شأنها الداخلي لم يعد حكرا على سلطتها وشعبها بل هو اليوم شأن عالمي يهم الولايات المتحدة اولا واوروبا وآسيا ثانيا والكل يرتبط بعلاقات اقتصادية قديمة ومتجددة مع الاقتصاد السعودي لذلك اصبحت الاسئلة حول الكيان السعودي شأنا عالميا وليس شأنا محلياً وبما ان هذا الاقتصاد يدور في اطار الدولة القومية التي تكون سياستها مهمة لتثبيت استمرارية انتاجه وسوقه لذلك لم تعد الشرعية السعودية شرعية داخلية بل هي معولمة تماماً كما هي ساحات اقتصاده الحالية. لذلك بدأت الدولة تلجأ الى المساحات المرتبطة بالعلاقات العامة حتى تثبت شرعيتها واستمراريتها. يرتبط مشروع دولة العلاقات العامة بمؤسسات ليست محلية بل هي عابرة للبحار من مهماتها الرئيسية تطمين السوق العالمية واللاعبين الكبار فيها بشرعية النظام واستمراريته وأمنه. من هنا نستطيع أن نفهم تهافت الدولة على توظيف شركات العلاقات العامة وخدماتها في مشروع انتاج خطاب الاطمئنان هذا وتسويقه الى المجتمع الدولي وكذلك تمويل مراكز الابحاث العلمية والاكاديمية التي تنتج الخطاب المرجو حيث تسوق هذه المراكز تحت التمويل السعودي وثقله المقالات والكتب والاحصائيات عن الداخل السعودي وترصد التحركات السياسية وتعلبها باطار يخدم مصلحة دولة العلاقات العامة الممولة للمشروع. هذا بالاضافة الى استقطاب الصحافة العالمية وجذبها الى الداخل السعودي حتى تصبح شاهدا على التحولات الايجابية التي تشهدها السعودية وتسوقها وكأنها قفزات بهلوانية نحو الرقي والتقدم والحرية والازدهار. ومن ثم تحشد الجماهير المعولمة والتي منها رؤساء شركات الاستثمار والدبلوماسيون والطامحون لفرصة يتقنصونها في عصر الانفتاح السعودي ويلقنون ابجديات التحولات السعودية الجريئة التي تسوق على انها قفزات جريئة. في عملية التسويق هذه تغيب محطات التعثر او الفشل وتمسح علامات الاستفهام والنقد الجريء ولا يبقى سوى مقولات الازدهار والفرص اللامتناهية.
ويسدل الستار عن اخطاء الماضي وتصبح في خبر كان. اذ ان مهمة العلاقات العامة الاعلان والدعاية وليس الحوار والنقاش والمراجعة. وان كان هناك اعتراف بأخطاء الماضي فهو دعوة لمرور الكرام على زلات سابقة والمطلوب من الحضور ان يطوي صفحات بل مجلدات كبيرة قد تعري الخطاب الاعلامي الذي تروجه مهنة العلاقات العامة. وقد تنبهت دولة العلاقات العامة لاهمية الخطاب الاكاديمي في صياغة الرأي العام خاصة في دول تقرأ الكتب وقد تقتنع بنقاشاتها واطروحاتها لذلك كان من الحتمي ان تلجأ الدولة الى مراكز صنع الخطاب الاعلامي الاكاديمي حتى تحتضنه وتنميه حسب متطلبات المرحلة الحالية فجاءت اموال النفط لتبني مشاريع المراكز المختصة بدراسات الشرق الاوسط والاسلام في جامعات العالم وتدخل معها في شراكة ان كانت لا تملكها كليا حتى تصدر البحوث التي تسطح الحقيقة وتغيب محطات كبيرة في مسيرة الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع.
لقد تحولت سعودة الدراسات الاسلامية والعربية الى مشروع عالمي تديره السعودية من خلال مراكز ابحاث انشأتها خلال العقدين السابقين وليس من المستغرب ان تتبنى شخصيات، ارتبطت بالعمليات الاستخباراتية، هذا المشروع وتموله وتتصدر انتاجه وقد ساعد هذا المشروع تهافت المراكز التعليمية وخاصة الغربية على فائض النفط السعودي بعد ان تعرضت هذه المراكز لتقليص واضح وصريح في تمويلها من حكوماتها المحلية. فأصبحت القدرة التمويلية السعودية ملجأ لها تستلم المعونات منه ومن ثم تنتج الخطاب المرجو والذي يصب في مصلحة الدولة الممولة. ويظل الممولون يلعبون دور الحاجب الذي يمرر قدومهم الى الداخل السعودي والغطاء الشرعي لوجوده على الارض.
وبينما تبقى جامعات الداخل ومراكز تعليمها وخاصة تلك التي تعنى بالانسانيات والتاريخ والعلوم الاجتماعية والسياسية على هامش الثقافة تتحكم بها شخصيات وامارات صغيرة مهمتها تقليص حلقات الحوار والنقاش والتدريب نجد ان نظيرتها في الخارج تنتفع من السخاء السعودي وتوفر فرص عمل لجيل جديد من المثقفين والاكاديميين الذين تدفع رواتبهم من الصرة السعودية المهداة لمراكز العالم الثقافية. ويلعب هؤلاء دور الملقن والمعلم لجيل جديد من السعوديين انفسهم والذين يفرض عليهم ان يدفعوا اكثر من ثلاثة اضعاف تكلفة التعليم الموفر للشباب المحلي في كل بلد. وبينما تدعي هذه المراكز والجامعات حفاظها على مقاييسها العلمية وحريتها التاريخية الاكاديمية الا ان تلقي التمويل من الخارج وخاصة من السعودية الرسمية يجعلها تفقد الكثير من حريتها وحياديتها الاكاديمية تحت ضغط الضائقة الاقتصادية الحالية. وكم من باحث ألغيت مشاركته في مؤتمر عالمي بسبب آرائه التي تختلف عن خطاب العلاقات العامة او بسبب مواقفه من الشأن السعودي والتي لا تصب في خانة البهرجة الاعلامية. اما اولئك المستعدون للمداهنة والتملق فيدعون لكتابة المقالات المشتركة مع نظيرهم السعودي من اجل اعطاء شرعية المحلي واصباغها على الخطاب الخارجي. فيأتي الصوت والقلم السعودي ليكرسا اصالة الابحاث وقربها من فهم الواقع الداخلي السعودي ولو بطريقة بهلوانية شكلية. اصبحت سعودة الدراسات العالمية مهمة ضرورية فرضتها مرحلة دولة العلاقات العامة. ان ابعاد هذه المرحلة وتداعياتها على البحوث والفكر والثقافة تذكرنا بخطاب ادوارد سعيد المشهور عن الاستشراق حيث كتب وخط الاطروحات التي عرّت مرحلة سابقة عندما كانت اوروبا اولا والولايات المتحدة ثانيا تصنع المعرفة عن منطقة الشرق اما اليوم فلو كان ادوارد سعيد حيا لكان اصّل للمرحلة الثانية وهي تتميز بسعودة العلم والفكر حاليا.
لقد انتهت الحقبة الاستشراقية وبدأت الحقبة التي تتميز بسعودة الانسانيات والعلوم الاجتماعية والسياسية والدينية. المهمة الاساسية اليوم هي صناعة علم يخلو من علامات استفهام ويفيض بالمبالغة والتنميق والبهرجة هو علم يكتسب شرعيته من تمويل هدفه الاول الرئيسي المبالغة بخلق مساحات اطمئنان وتدعيم لشرعية اصبحت ضرورية في عصر الحكم المعولم. وبينما تهدر اموال النفط على مشاريع العلاقات العامة تبقى الجامعات المحلية مهمشة وخطابها قاصرا على الوصول الى درجة تسمح له بأن ينافس العالم في سوق عولمة الافكار والانتاج الثقافي وتفتقر هذه الجامعات الى تمويل يجعلها تحتضن المؤتمرات في اروقتها حيث تهاجر المؤتمرات الى فنادق خمسة نجوم تحت عباءات كانت في الماضي تتخصص في عمليات ابعد ما تكون عن الثقافة وحدودها اللامتناهية.
ولن نتنبأ كالعرافة بالمرحلة الرابعة التي ستلي مرحلة دولة العلاقات العامة. ولكن لا بد لنا ان نقف وقفة تأمل على مخاطر سعودة العلوم والفكر ونترك تداعياتها لدراسات قادمة بعد ان تكتمل الصورة والافرازات.
 
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد