إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المصريون والبرادعي: شعب يبحث عن قائد.. بقلم: فرانسوا باسيلي

Barad3e(10)

 في 19 فبراير الماضي هبطت طائرة د. محمد مصطفى البرادعي عائدا إلى مصر لتستقبله الآلاف من مختلف أطياف الشعب المصري استقبالا عارما مفعما بالفرحة والأمل والشوق بشكل لم تعرفه مصر خلال قرن من الزمان سوى في ثلاثة زعماء هم سعد زغلول زعيم الأمة ومصطفى النحاس زعيم الوفد وجمال عبد الناصر زعيم العرب، وإذا نجح البرادعي والمؤيدون له في إحداث التغيير الشامل الذي يريدونه في مصر فقد يحتفظ التاريخ المصري بالعودة المدهشة تلك باعتبارها الخطوة الأولى في مسيرة التغيير فيطلق عليها تعبير "حادثة 19 فبراير"، بنفس الدرجة التي احتفظت بها الذاكرة الوطنية بيوم مشهور آخر من هذا الشهر أطلقت عليه "حادثة 4 فبراير"(عام 1942)، وهو اليوم الذي وصل فيه زعيم الوفد مصطفى النحاس إلى رئاسة الوزارة ضد إرادة الملك فاروق تحت تهديد سافر من الإنجليز الذين أرادوا تأمين جبهة مصر الداخلية خلال الحرب العالمية عن طريق حكومة قوية لها شعبية كييرة وعرفوا أن النحاس زعيم الوفد هو وحده القادر على القيام بهذا، ولذلك كان من مفارقات التاريخ أن يأتي الزعيم المحبوب من الشعب إلى سدة الحكم بتأييد وضغط من قوة أجنبية أمام رفض من الرأس الأعلى في البلاد وقتها فاروق الأول ملك مصر والسودان! وتحت التهديد بعزل الملك ومحاصرة قصره بالدبابات الإنجليزية رضخ الملك، وأعلن النحاس رفضه للتهديد الإنجليزي للملك ولكنه قبل واستلم رئاسة الوزارة ودخلها محمولا على أعناق مؤيديه.

            وها هو شهر فبراير يأتي لنا مرة أخرى برجل استطاع أن يجذب في سرعة مدهشة محبة ولهفة قطاعات واسعة متنوعة من المصريين رأيناهم يخرجون بالآلاف لاستقباله في مطار القاهرة رغم تهديدات أمنية معلنة مسبقا بالقبض على من يفعلون ذلك! لكن شباب الفيس بوك مع رجال ونساء من دلتا مصر وصعيدها مع قيادات لحركات سياسية واجتماعية مع رموز ثقافية وقامات فكرية وإعلامية ذهبوا كلهم للمطار فأحبطوا آمال الذين هددوا وتوعدوا، وشاهدنا ذلك المشهد المدهش الذي ألقى فيه المئات بأنفسهم فوق سيارة الرادعي الليموزين الطويلة فغطوها بالكامل وهم يهرعون خلفها محاولين الإمساك ولو للحظة بذلك الأمل الجميل القادم، إنها حادثة 19 فبراير  2010  التي قد تكون بداية لتغيير تاريخ مصر.
معنى حادثة 19 فبراير
 
            إن اللهفة والفرحة والبكاء والنداء التي رأيناها على وجوه المستقبلين في المطار وما تلاها من عشرات اللقاءات والتعقيبات والمقالات الصحفية والمداخلات التلفازية والحراك السياسي والوطني المكثف المنفعل المتفائل الذي شهدته مصر في الأسابيع التالية لحادثة 19 فبراير كشفت لنا عن إحساس جياش دفين في أعماق المصريين هو أقرب ما يكون إلى الإحساس باليتم، الإحساس بغياب من يهتم ويصغي ويحترم ويشارك ، الإحساس بفقدان المثال والقدوة والقيادة القوية القادرة على انتشال الإنسان والوطن والدفع بهما إلى الأمام، لقد صدمتنا وأدهشتنا مشاهد كاشفة لشعب يبحث عن قائد بعد سنوات طويلة من التيه والضياع والتخبط والتدهور، شعب أصابه الملل والسأم والقنوط والإحباط وهو يرى ويسمع أمامه قيادات لا تتغير ولا تتبدل، أسماء هي بعينها يسمع لها وعنها لربع قرن وأخرى لثلث قرن، أجيال من الشباب تولد وتموت أو تهرب من البلد وهي لا ترى وتسمع سوى الوجوهنفسها التي لا تتغير، في الوقت الذي يستمر كل شيء في مصر في الانحدار نحو هاوية جديدة، والفشل تجده في كافة مناحي الحياة في قطاعات الخدمات الأساسية في مصر كالصحة والمواصلات والتعليم والإسكان والبنية التحتية والفوقية والعمالة والصناعة والثقافة والفنون والاعلام مع الأمية والبطالة المتفشية، هذا مع تراجع دور مصر السياسيوالثقافيفي المنطقة العربية نفسها مما أدى إلى فراغ رهيب قفزت لتحتله دول من خارج المنطقة مثل تركيا وإيران في غياب مفجع لدور مصر الذي كان دائما رياديا.
 
 وكأن هذا الفشل والوجع كله ليس كافيا رأينا في العقدين الأخيرين تهتكا متزايدا في نسيج الوحدة الوطنية داخل مصر بين المسلمين والمسيحيين، حتى كاد أن يصل الأمر إلى انفصام حاد في الشخصية المصرية، فبخلاف علاقات بين شخصيات عامة تظهر الودّ الرسمي، وبخلاف علاقات العمل الاضطرارية، فقد انقطعت العلاقات الاجتماعية تقريبا بين الأقباط والمسلمين على المستوى الشعبي بشكل لم تعرفه مصر على مدى قرن أو يزيد، وذلك على خلفية اتهامات متبادلة بين الأقباط والمسلمين تملأ الفضائيات والإنترنت والشوارع، وهو أمر بالغ الخطورة لم أكف عن الكتابة محذرا منه لأكثرمن عقد من الزمان وكل ما يقدمه النظام لنا هي حلول أمنية سطحية ووهمية بينما يستشري سرطان الكراهية وانعدام الثقة بين الطرفين في داخل جسدالوطن المثخن بالجراح والأورام مما يهدد وحدة مصر وأمنها القومي. 
شعب يبحث عن قائد
 
            تحت ضغط كل هذه الآلام والقروح المزمنة التي لم تعالج بحزم وحكمة وحيوية طوال ثلاثين عاما على الأقل شعر شعب مصر باليتم فهو لا يجد له قيادة تعرف ما تريد وتعرف كيف تحققه، انتظر الشعب طويلا بصبره المعهود وكاد أن ييأس من أمل التغيير، حتى قامت مجموعة من المصريين المخلصين الشجعان عام 2005 بتكوين حركة "كفاية" كان لها أصداء حول العالم وفي أرجاء مصر، وقالوا لا للتمديد ولا للتوريث، مطلب وحيد محدد سهل الفهم لا لبس فيه ولا ضياع أيديولوجي يعتريه. ورغم النجاح الذي حققته كفاية-وكان لها بالتأكيد شرف القيام بكسر حاجز الخوف والمطالبة العلنية – لأول مرة في تاريخ مصر الممتد لخمسة آلاف عام –  بعدم التجديد للرئيس وعدم التوريث لابنه – وكان هذا إنجازا هائلا في حد ذاته، إلا أن تأثير الحركة بدأ في التراجع تزامنا مع بدء جنوحها نحو مواقف أيديولوجية خارج إطار معارضتها لبقاء الحكم، وراحت القوى السياسية المتصارعة على الساحة تحاول اختطافها كل لصالحها، وتنازعت عليها التيارات الإسلامية والناصرية والقومية والاشتراكية والليبرالية، كما تنازعت قياداتها على الزعامة! فلم تستطع أن تتحول من حركة نخبوية إلى حركة شعبية شاملة.
           
أما الأحزاب التقليدية المخضرمة كالوفد والتجمع والناصري ومؤخرا الجبهة الوطنية فلم يستطع أي منها أن يحدث حراكا سياسيا شعبيا وظلت أحزابا إسمية أو وهمية بلا دور يذكر ما عدا دورها غير المباشر في تجميل النظام الحاكم وحزبه المزمن بمشاركتها في مسرحية "أزهى عصور الديمقراطية" التي يتقن النظام إخراجها وتوزيع أدوارها وتلقين ممثليهاوهي مسرحية يعرف كل مصري نظيف مدي ابتذالها وتهافتها.
            أما الأخوان المسلمون، وهم أيضا مزمنون كالنظام تماما لا يتغيرون ولا يتقدمون ولا يقدمون فكرا جديدا متطورا، فيعيدون إنتاج خطاب السلف الديني المنغلق الماقبل محمد عبده.. وكان الأولى بهم أخذ ما أعطاه محمد عبده والمضي به لآفاق أبعد لتحقيق مصالحة إسلامية مع العصر وتحديث الخطاب الديني. ورغم انتشار فكرهم ورؤيتهم المتزمتة للمجتمع وللمرأة وللآخر (الأقباط) وللفنون وللفكر والعلم والإبداع، إلا أنني أعتقد أن المصريين – حتى البسطاء منهم –يحملون داخلهم من مخزون الزخم الحضاري وتراكماته عبر آلاف السنين ما يكفي لإفاقتهم من الغيبوبة وحالة الدروشة المفرطة التي أدخلهم فيها فكر الأخوان وتأثير الوهابية بأموالها وذراعها الطويلة الممتدة حول جسد مصر وروحها في غيبة – و تواطؤ بائس – للنظام المصري الذي يرى كل هذه التحولات والانحدارات والانهيارات الاجتماعية والثقافية والإنسانية تحدث أمام عينية وتحت قديمه وهو لا يحرك ساكنا بسبب ضعفهوفساده  وفقر مخيلته وغياب رؤيته لمصر ودورها وعدم فهمه وتقديره لمكانتها.
            هذه القوى كلها تتصارع الآن لاختطاف البرادعي – أمل مصر – لكي تصل به وعبره إلي تحقيق أهدافها. وهي كلها قوى قد فشلت – منفردة ومجتمعة في تحقيق التغيير المنشود في مصر، وهي – بدون البرادعي – لا محالة ستجد نفسها أمام مبارك الأب لستة سنوات أخرى أو مبارك الابن لثلاثين سنة قادمة، ومع ذلك أستغرب أن بعضها يضع اشتراطات يطالب بها البرادعي، وكأن أمامها خيارات عديدة لديها ترف الاختيار بينها.
هل معركة البرادعي مستحيلة؟          
أمام البرادعي معركة تبدو للوهلة الأولى مستحيلة، أن يمنع النظام القائم المزمن في مصر من التمديد والتوريث معا وهو الأمل الذي هرعت به إليه الآلاف التي استقبلته في المطار. ولكي يمكنه ذلك أمامه مهمتان بالغتا المشقة، يحتاج كل منها إلى قدرة بطولية لتحقيقها، الأولى هي مصارعة النظام القائم الجاثم لإجباره على القيام بالتغيير المطلوب في الدستور لمنع التمديد والتوريث، وهذا يعني التصدي لكل الرزالات والمناورات وحملات التشويه المعنوي والجسدي التي سيشنها النظام وجماعات المنتفعين وكتبته وحراسه وحاملو مباخره، وقد بدأوا فعلا في هذا ، والمدهش أن قيادياً في الحزب الوطني هو الدكتور جهاد عودة قد اعترفضمنياً في برنامج العاشرة مساءا بأنه من الخطأ تصور أن البرادعي أكبر من أن يتعرض النظام له بأذى!! بل واعترف بأن هذا هو ما فعله النظام مع أيمن نور، إذ قال ما معناهأنه عندما شاهد النظام شعبية نور تتصاعد وتزدهر أبعده من الطريق!! وهذا اعتراف علني بصحة ما كان يقوله أيمن نور من أن التهم ضده كانت سياسية! ها هو النظام إذن يهدد بأسلوب علني سافر بأنه لن يتورع عن أن يفعل بالبرادعي ما فعله بنور. وهذا ما سيواجهه البرادعي وعليه أن يستعد لضربات تحت الحزام توجه إليه في الظلام والعلن وعليه تدبير ردود أفعاله وأيضا خطواته وخططه المضادة بل والاستباقية التي تحقق له النجاح، فهو ليس مقبلا على نزهة.
            أما المهمة الشاقة الثانية التي تستدعي جهدا بطوليا من البرادعي فتتمثل في تجميع وقيادة مناصريه ومؤيديه والمتحمسين له المستعدين لنزول الساحة للعمل معه على تحقيق هدف التغيير السلمي المنشود، فالبرادعي لن يستطيع التصدي للنظام وإحداث التغيير بمفرده، وقد أكد هو ذلك، ولكن المهمة الشاقة هي في اختيار هؤلاء الذين سيعملون معهعلى أعلى المستويات، وكلهم يأتون إليه مثقلين بأهداف وأيديولوجيات واشتراطات وتوقعات متضاربة، كل يأمل أن يفرضها على الآخرين، فالمعارضون في حركاتهم وأحزابهم وتياراتهم ممتلئون حماسة ووطنية وثورية ولكن تنقصهم الحنكة السياسية بل يفتقد الكثيرون منهم للواقعية ويميلون للتطرف والإنجراف وراء شعارات ومثاليات لا تجعلهم قادرين على تحقيق أي شيء ملموس على أرض الواقع، ومنهم من يتصورون أنفسهم جماعات ثورية وليس سياسية ولا يفرقون في خطابهم بين لغة الثورة التي تنفر وتبعد الكثيرين ولغة الواقع التي يحتاجها ملايين المصريين المطحونين. ومن المفرح حقا أن الشباب من مؤيدي البرادعي يتحدثون ويعملون بأسلوب يبدو متجاوزا لثورية الشعارات التي تخطاها الزمن ولم يتخطاها أصحابها بعد، ولذلك على المخضرمين أن يستمعوا للشباب وأن يلحقوا بهم إن كانوا يأملون في التواصل مع الملايين وليس مع المئات كما هو حالهم اليوم.
 
 المرجو من كل هذه الحركات أن تتبنى حراكا سياسيا جديدا يمكنها من النزول مع البرادعي في معركته السلمية دون اشتراطات عقائدية مسبقة، عائدين إلى اعتناق هدف حركة كفاية الأصلي وحده–لا للتمديد ولا للتوريث، وبعد تحقيق هذا يمكن أن يطرح كل شيء أمام الشعب في عملية ديمقراطية واسعة شفافة ليختار الشعب منها ما يناسبه ويحتاجه من توجهات وسياسات. والتحدي الذي يواجهه البرادعي هو إقناع هذه الحركات المتلاطمة في التجمع حوله متحررين من "ثوابتهم" التي – إن تمسكت كل جماعة بها – لن تؤدي سوى إلى انفراط العقد وتفتت الجهد، بينما ينزل النظام إلى المعركة وهو جبهة واحدة تعرف ما تريد وتملك أعلى درجات المناورة ولا تكبلها قيود فكرية مسبقة أو "ثوابت" لا تتزحزح عنها معها ارتطمت بأرض الواقع.
           
إن مصر في هذه اللحظة التاريخية المصيرية تبحث عن قائد تلتف حوله قوى المعارضة الطامحة للتغيير الذي طال انتظاره، وقد وجد البرادعي نفسه وسط رياح تدفع به لكي يكون هو هذا القائد، وكثيرا ما يدفع التاريخ بأفراد إلى مواقع من القيادة لم يكونوا ينتظرونها أو يتخيلونها. فغاندي لم يكن يملك مقومات الزعامة أو القيادة أو حتى القوة الشخصية الظاهرية، ولم يكن يتصور من يشاهده جالسا بين معزاته وفي يده مغزله أن هذا الإنسان البسيط الهزيل سينتزع استقلال الهند من بين أسنانالامبراطورية العالمية الأولى في عصره. كما خرج نلسون مانديلا من السجن المؤبد ليقود حركة الانتصار على العنصرية وتحرير بلاده من مستعبديها البيض. ولم يكن سعد زغلول يخطط لكي يكون زعيم الأمة، وكل ما أراده عبد الناصر وضباطه الأحرار هو إصلاح أحوال الجيش فإذا به يصبح زعيم العالم العربي ورائد حركة تحرير الشعوب في أفريقيا وآسيا، ومن يهاجمون البرادعي على كل شيء قائلين أنه غير مؤهل لرئاسة مصر نقول لهم أنه أكثر تأهيلا من كل من حكموا مصر على مدى القرن الماضي لحظة  استلامهم للسلطة.   
للتاريخ حركته التي تمضي قدما، ومنطق العصر يقول لنا أنه لا يصح ولا يجوز ولا يستقيم أن يظل رئيس يحكم مصر لأكثر من ثلاثين عاما، هذه فترة سحيقة لا يحق لأي إنسان حر يحترم نفسه أن يدافع عن فكرة زيادتها إلى ستة وثلاثين عاما تحت أي مبرر مهما كان، ولا يصح أيضا أن يأتي إلابن بعد ثلاثين عاما من حكم الأب تحت أية أوهام لانتخابات نزيهة ففي تلك الحالة تنحاز كافة الأجهزة الحكومية والأمنية والاعلاميات "القومية"للرئيس وأسرته التي تعودوا عبادتها طيلة حياتهم، وبالتالي لا يمكن لانتخابات يخوضها الإبن بينما أبوه علي رأس البلاد أن تكون نزيهة،ولذلك فبالبرادعي أو بدونه لا يستقيم إلا أن تخليأسرة مبارك مكانها لغيرها.
  وسيحكم التاريخ على مؤيدي التمديد والتوريث بأنهم وقفوامع الجمود والاستبدادضد رغبة الشعوب الطبيعية في التجديد والتغيير، وسيذكر التاريخ للبرادعي ومن معه شرف المحاولة،وعلي قدرعزيمتهم سيتوجهم بتيجان النجاح وافتتاح صفحة جديدة مشرقة من تاريخ مصر لتعود لنا أم الدنيا جميلة نبيلة رائدة قائدة، ولأول مرة في تاريخها: ديمقراطية!
كاتب من مصر يقيم في نيويورك
           
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد