إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الجامعة العربية خمسة وستون عاما من العجز والتراجع

 imagesCAWOLOXR(3)
 

د . لطفي زغلول

 في الثاني والعشرين من شهر آذار / مارس 1945 أعلن عن تأسيس جامعة الدول العربية والتي بدأت بسبع دول عربية آنذاك هي المملكة الاردنية الهاشمية ، المملكة العراقية الهاشمية، المملكة العربية السعودية ، المملكة المتوكلية اليمنية ، المملكة المصرية ، الجمهورية السورية،  الجمهورية اللبنانية . وفي هذه الأيام وتحديدا في الثاني والعشرين من آذار / مارس 2010 تبلغ الجامعة العربية من العمر خمسة وستين عاما .

 إستهلالا ، لا بد من الحديث عن دور بريطانيا التي كانت تستعمر معظم الأقطار العربية آنذاك في تأسيس جامعة الدول العربية . لقد كانت الحرب العالمية الثانية في أيامها الأخيرة ، وكان العرب يتوقون كغيرهم من الشعوب المستعمرة الى جلاء القوات الاجنبية عن بلادهم والتحرر من الاستعمار ، والاستقلال . وقد ناضلوا بشتى الوسائل من أجل تحقيق هذه الاهداف .

 وإلى جانب هذه الاهداف القطرية الوطنية برز هدف قومي عربي كانت له الصدارة بين الجماهير العربية ، تمثل في الوحدة العربية التي كان ينظر اليها على أنها بيت العرب ولامة شملهم وحامية حماهم ، ومحققة أهدافهم المستقبلية في كل المجالات .

 لقد أدركت بريطانيا آنذاك هذا التوجه وما يمكن أن يحدث من تأثيرات سلبية وخطيرة على مصالحها الآنية واللاحقة في العالم العربي . وكان لا بد لها والحال هذه من أن تستوعب هذا التوجه القومي ، فتفتق تفكيرها عن هذا الشكل  " الإتحادي " المتمثل بجامعة الدول العربية ، وهي أقل ما يقال فيها انها جامعة دول لا شعوب .

 وهكذا كانت الجامعة التي قامت على الأسس المعروفة حاليا ، وأنشىء لها مقرر دائم في القاهرة العاصمة المصرية . وبمرور الأيام استقلت بقية الاقطار العربية تباعا ، ودخلت الواحدة تلو الاخرى في هذه الجامعة التي أصبح تعداد دولها اثنتين وعشرين بما فيها السلطة الفلسطينية .

 ان الحديث عن جامعة الدول العربية ايجابياتها وسلبياتها ذو شجون وأشجان . الا أن ما يهمنا هنا هو الاجابة عن الاسئلة التالية أولها : هل استطاعت هذه الجامعة خلال خمسة وستين عاما هي عمرها أن تحقق الأهداف القومية العربية وهي كثيرة ؟ وهل كانت جامعة دول وأنظمة أم أنها كانت جامعة شعوب عربية ؟ وهل هذا الاطار بوضعه الحالي وأنظمته وميثاقه ومؤسساته قادر على تلبية تطلعات الجماهير العربية للتحرر والسيادة ، والرؤى العربية الموحدة في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية ، وغيرها ؟ وأسئلة كثيرة اخرى تتبادر الى الأذهان .

  بداية ليس هناك من مواطن عربي غيور على مصلحة أمته العربية القومية لا يهمه وجود اطار سياسي واقتصادي اجتماعي ثقافي يجمع أبناء الأمة العربية ضمن أي شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد أو التعاون المتعارف عليه في قواميس السياسة ، بشرط أن يكون هذا الاطار حقيقيا وقادرا على تلبية حد معقول من الاهداف تنعش آمال الجماهير العربية وتبعد عنها خيبات الأمل والاحباطات المتلاحقة ، وتخرجها من حالات التقوقع القطري والتفكك والتشرذم والضعف في زمن لا يؤمن الا بالتحالفات وتكتلات الاقوياء .

 الا أن الواقع شيء والتوقع شيء آخر بعيد جدا عنه . لقد ظلت جامعة الدول العربية على ما هي عليه طوال خمسة وستين عاما ، فلم تتطور مؤسساتها ولا آليات عملها ، وكانت انجازاتها تتقلص شيئا فشيئا ، حتى أن مؤتمرات القمة العربية وهي تعتبر الحد الأقصى في توجهات القومية ، قد أصبحت قراراتها قرارات ما دون الحد الأدنى ، وفي كثير من الاحيان فان هذه القرارات ليس لها رصيد فعلي لتوظيفها على ارض الواقع العربي ، وظلت حبرا على ورق ، تجتر العجز والضعف والتشرذم .

 لقد عجزت جامعة الدول العربية ، أو انها بصحيح العبارة ولاعتبارات تخص أعضاءها من الدول العربية التي تسود فيما بينها حالات من الانقسام والاختلاف في الرأي والرؤيا والتحوصل القطري الضيق تصل في أحيان كثيرة الى درجة القطيعة والتعادي ، عجزت أن يكون لها منجزات قومية في مجالات عدة ومثالا لا حصرا الأمن العربي والسياسة والاقتصاد والاعلام والثقافة والتربية .

 لقد كان المرتجى من الجامعة أن يكون لها على أقل تقدير ، ومثالا لا حصرا اذاعتان عربيتان قوميتان شاملتان مرئية وصوتية تغطيان العالم العربي وتنطقان باسمه موحدا ، اضافة الى وسائل اعلامية اخرى مقروءة . الا أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث ، علاوة على أن هناك اصرارا على ما يبدو من الانظمة العربية على عدم خروج فضائية الثقافة العربية الى الهواء . والأخطر من ذلك لقد عجزت هذه الجامعة أن توحد كتابا واحدا في مناهج التعليم والتربية على مستوى العالم العربي .

قبل عدة اعوام ، أثير موضوع ادخال اصلاحات على هيكلية الجامعة وتطويرها بحيث تصبح قادرة على التماشي مع روح العصر والاستجابة للمستجدات والتحديات في الساحة العربية ، وتفعيلها خدمة للاهداف العربية القومية والدفاع عن مصالح العالم العربي بعامة وكل قطر من اقطاره بخاصة .

 وفي هذا الصدد برزت افكار اصلاحية تتمثل في تأسيس برلمان عربي ، ومحكمة عدل عليا ، اضافة الى تغيير آلية التصويت بحيث تعتمد الأغلبية بدل الاجماع المعمول به حتى الآن والذي أعاق اتحاذ القرارات الهامة أو تطبيقها . الا أن واحدة من هذه الافكار لم تبصر النور حتى الآن ، أو أنها بصحيح العبارة كانت مجرد مقترحات عابرة غير قابلة للتطبيق عربيا ، وطويت في ملف النسيان .

لقد افترست إسرائيل الضفة الغربية ومعها القدس . ان مشروعاتها الإستيطانية قد حصدت الأخضر واليابس . آلاف الوحدات الإستيطانية تلو الأخرى . وها هي القدس تشهد هذه الأيام هجمة شرسة هي الأشد والأشرس منذ احتلالها . ان التهويد يزحف صوب المقدسات الإسلامية ، والهدف هذه المرة هو المسجد الأقصى المبارك ، وهذا غيض من فيض السياسات الإسرائيلية التي باتت تطبقها جهارا نهارا . فماذا فعلت الجامعة العربية ؟ والجواب صمت مطبق سمح لإسرائيل أن تفعل ما تفعل ، وأعطاها الضوء الأخضر .

 ان الاوضاع العربية على كافة الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية مزرية . والعالم العربي مهدد بعروبته ، ذلك أن الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة الاميركية لايجاده لا يقوم على اساس عروبي قومي وحدوي ، وانما تلعب الطائفية والانقسامات المذهبية والعرقية فيه دورها الفعال .

 وهذا وحده كفيل بتوسيع مساحة شرذمة العالم العربي وتجزئته واضعافه وتفريغه من كل ما تبقى من أهدافه القومية ، الامر الذي سيفرغ هذه الجامعة من كل ما تبقى لها من مضامين عروبية . ولسنا نبالغ في أن هذا المخطط الأميركي ، ما كان ليطرح لولا ما وصل اليه المشهد السياسي العربي من ترد في مهاوي التمزق والتشرذم والتعاجز .

 واضافة إلى هذا المخطط الأميركي ، هناك اسرائيل تصول وتجول ، تتوالى اجتياحاتها للأراضي الفلسطينية ، تصادر الأراضي ، تقيم المستوطنات ، تهود القدس ، تعتدي علىالأقصى المبارك ، وقد أصبحت لا تخفي نواياها تجاهه . إلا أن الأخطر من هذا كله اشتراطاتها الأخيرة لأية عملية سلمية أن يتخلى العرب عن حق العودة ، وأن يعترفوا بها . ولا يتسع المجال هنا للحديث عن الأحوال المزرية في العراق ، أو السودان ، أو الصومال الذي تجاهلت الجامعة عروبته .

 ان التحديات التي يواجهها العالم العربي بعد خمسة وستين عاما من تأسيس جامعة الدول العربية التي ترهلت قدراتها وتآكلت أهدافها القومية ، فأصبحت هما من هموم العرب ، ان هذه التحديات خطيرة ولا ينبغي الا التصدي لها على كافة المستويات القومية ، وهي مسؤولية تاريخية أمام الاجيال العربية تفرض على الأنظمة العربية اصلاح هذه المؤسسة انقاذا للواقع العربي المزري وتوجيهها وتسييرها في مسار قومي قبل أن تفقد مبررات وجودها .

كلمة أخيرة ان جامعة الدول العربية مرآة تعكس بصدق صورة الواقع العربي المزري على كافة الصعد ، وما لم يتحسن هذا الواقع فان المرآة ستظل على ما هي عليه ولن يجدي كل الشروخات والتشوهات التي أصابتها في الصميم أي تجميل في مظهرها نفعا .
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد