إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

صفحات عراقية متقدة بين يدي القذافي

صفحات عراقية متقدة بين يدي القذافي

 

الأستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس

   أكاديمي عراقي

 

     قبيل و بعد احتلال العراق, انقسم العرب الى صنفين رئيسيين، الأول هو مَن سقط من العرب الرسميين تحت تاثير الضغط الصهيوأمريكي الهادف للتخلص من النظام العراقي تخلصا جذريا وبما  يؤدي الى رفع العقبة الكأداء التي يمثلها موقفه الثابت من مسيرة الاستسلام والتطبيع للكيان الصهيوني الغاصب و لحالة فقر الدم العام والنحول العام التي فرضت على العرب. والصنف الثاني هم العرب الساكتون على ما جرى ووقفوا يتفرجون بانتظار ما يسفر عنه ضجيج التغيير المسمى بالفوضى الخلاّقة والذي تغذيه ماكنة الموت التي أزهقت الى اللحظة أرواح مليونين ونصف المليون من العراقيين. وكلا الصنفين من العرب الرسميين كان خاسرا في حساباته وسطحيا في طريقة تداوله مع فكرة الغزو و الاحتلال ونتائجها حيث يبدوا انهم  قد خضعوا لهوى النفس النازع للتخلص من النظام القومي العروبي العراقي و صدقوا التطمينات السرية من جهة وجعجعة الماكنة الاعلامية الغازية من جهة أخرى، من أن العراق سيعاد تشكيله ليكون المانيا أو يابان العرب وانه سيتحول الى روضة من رياض السلم المدني والديمقراطية الوديعة التي تجعل منه خيط حرير بدلا من سيف بتار … الخيط الحرير طبعا هو ملبس طحاطيح العرب وعز مناهم في مطارح الترف والرخاء لدنيا لايرون فيها الا النساء والاوراق الخضراء التي اقلق انسيابية بعضها النظام العراقي وهو يمارس عقيدته الثورية القومية الاشتراكية التقدمية ويسلط سيف الامة المظلومة على رقابهم وأهواءهم وانحطاط حالهم.

     بعد حين قصير من الزمن تبين للعرب انهم فقدوا الظل الذي كانوا به ينامون رغدا دون أن يقدروا قيمته الحقيقية .. تبين لهم ان جدار الصد قد أزيل وان أبواب الجحيم قد أنفتحت وأتجهت منها صقر تحرق عباءاتهم وثيابهم وأربطة أعناقهم على حد سواء, نار الطائفية المزروعة بين جنبات اضلعهم, و نار الفتنة النائمة تحت وساداتهم بكل ألوانها ومصادرها وعناوينها, تحركت مع ذبح العراق واستأسد أبناء وبنات آوى وتفتقت عبقرية الثأر الظاهر والباطن من كل أطرافه لتحز بسيوفها رقاب الكثيرين بطريقة بطيئة غير أنها مقننة ولا تبخس الاعلان عن نفسها حقه بطريقتها الخاصة. وجد العرب انهم أمام عراق جديد يُبنى ويعاد تشكيله تحت حراب أميركا وقوى أقليمية معروفة ليُعادي العروبة بل يقتلها في مهدها العراقي ويجتثها ويقصيها علنا جهارا، بل وبكل واجهات الفخر لهذا الفعل الخسيس من قبل الخونة العملاء القائمين عليه, وعراق جديد تدق فيه أسافين التقسيم العرقي والمذهبي. عراق بلا جيش, وبلا صناعة ولا زراعة, عراق بأطر تعليم تزرع الفتنة وتخرب العقل العراقي المتحضر وتستبدل مكوناته العبقرية المبدعة بمكونات قاصرة لاترى في هذه الدنيا غير مطالب خدمية حقيرة في مقاييس الشعوب المتمدنة مثل الخدمات البلدية والكهرباء والماء الصالح للشرب وتحقيق الامن المدني, الذي يفترض أن يكون بديهية من بديهيات الواجب الحكومي في كل دول العالم, أسودها وأبيضها, عادلها وظالمها وتحقيق الحد الادنى من مستلزمات العيش والاشتغال والرعاية الصحية حتى صارت هذه المطالب وكأنها حلم الشعب بالفردوس المفقود وانها لا طريق لتحقيقها في سنوات أحتلالية عجاف وعسيرة الولادات الاّ عبر الانتخابات الامريكية البائسة التي سخرت مقولة (جوع كلبك ليتبعك) بأحط وأحقر ما يمكن ان يتخيله عقل انسان. عراق تصطرع فيه كل متناقضات الخليقة البشرية بعد أن كان العالم كله يتغنى ويشيد بوحدتة الجغرافية والطوبغرافية وبالسلم الاجتماعي الذي يكتنف حياته وارثه وسفره العظيم .عراق تحركه مافيات الفساد المالي والاداري ويضييع بلايين الدولارات من ثرواته في مهب الريح وفي لصوصية وحرمنة متواصلة تسجل ضد مجهول.

   سنوات الاحتلال أفرزت هذه المعطيات المريضة وسواها كثير كنتائج مباشرة للاحتلال وتفريخاته .. غير انها أيضا أفرزت صورة أخرى, لم تكن لا في حسبان أميركا وأعوانها من الدول والاحزاب والأفراد ولا في حساب النظام الرسمي العربي لا بشقه المتعاون مع الغزو والاحتلال ولا بشقه المتفرج .. انها صورة العراق المقاوم المنتصر. صورة عراق نقيض ما أظهرته جعجة اعلام الغزو والاحتلال على أنه عراق انهزم بدبابتين ولم يقاتل غير أسبوعين ذاب بعدها جبله العظيم في غمضة عين أو طرفة رمش .. ألا خسئوا وخاب ظنهم مدلسين وكذابين … نعم ان حقائق الميدان كانت تحكي قصة أخرى غير هذا الفحيح وزبده الطافح. قصة تحكيها ذرات تربة العراق وأفياء بساتينه ونوارس أحراشه .. قصة الجبل الذي تخفى ثم عاد ليتشكل بصورة أخرى أذهلت العالم وفرضت عليه سككا وأجندات لم تخطر على بال أحد من الذين خيل وترأى لهم ان أميركا قادرة على كل شئ .. كل شئ حتى أختصاصات رب العزة خسئوا. انها قصة رجال العراق النشامى والغيارى من قواته المسلحة بكل صنوفها وقواه الامنية بكل تشكيلاتها ومناضلي الحزب الذي جاءت أميركا بكل ثقلها وثقيلها لتجتثه وتنهي كينونته وأبناءه البررة البواسل من رجال الخط القومي والوطني اضافة الى أسود الحركة الاسلامية الذين تشكلوا جميعا في خطة المقاومة الموضوعة والمخطط لها سلفا والتي مُنهجت في صيغة القتالات غير النظامية وحرب العصابات المستندة على مبدأ أضرب وأهرب وربك يحميك فاطاحت بأوهام وأحلام أميركا وأسقطتها في شر أعمالها مثلما أوقعت العرب الرسميين في محنة اعادة قراءة المشهد العراقي وهم الذين لا يجيدون قراءة سطر واحد في الطبيعة التركيبية لشعب العجب شعب الذرى ولا يفقهون شيئا من الكيمياء التي أجاد تحريك تفاعلاتها شهيد الامة صدام حسين وحزبه العظيم حزب الامة العربية حزب البعث العربي الاشتراكي فانتج بها أعظم ما أنجزه العرب في العصر الحديث والمعاصر.

     وفي اللحظة التي استفاق فيها العرب ليعايدوا رقبة صدام حسين وهي تنحر في صباح عيد الله الكبير عيد المسلمين الاكبر, عيد الاضحى المبارك, كانت الصدمة قاسية على البعض من العرب الرسميين للحد الذي صارت تلك اللحظات وكأنها بالنسبة لهم نهاية الخليقة ليس حبا بصدام حسين بل تحسسا لرقابهم التي ماعاد من حاجز بينها وبين المقصلة الامريكية من مانع البته من جهة، ولان المشهد قد حرك كل عتبات التاريخ وكل مكونات الحاضر الشعبي العربي مما أرهب الحكام العرب وفرض عليهم البحث عن آليات أمنية ومخابراتية لاحتواء رد الفعل الجماهيري المخيف على اعدام أعظم قائد قومي افرزته قرون الوهن العربي بقرار الامريكان الصهاينة وبسيف الطائفية الفارسية.

    صار واضحا للعرب وسواهم ان العراق العربي الذي تم غزوه وتدميره قد وضع في طريق يراد له ان ينتهي خارج حاضنته وكينونته وهويته العروبية بأدوات هائلة القدرات. فمن جهة كانت الشوفينية العرقية الكردية تقطع رأس العراق العربي فان الشوفينية الفارسية معضدة بالمذهبية السياسية تقطع اطرافه وتؤدي الصهيونية واجبات تمزيق الاحشاء من جهة أخرى .. ألا خسأ الخاسئون.

هذه هي الاوراق المتقدة التي على العرب عموما وعلى القائد الليبي معمر القذافي ان يتمعنوا سطورها بدقة وعناية. ونحن حين نفرد للزعيم معمر القذافي شأنا متفردا في القراءة فلنا أسبابنا العديدة. ولسنا هنا بصدد كيل المديح لا للعقيد القذافي ولا لسواه رغم ان الرجل بموقفه من العراق عموما يستحق المدح والثناء فضلا عن ان هذا القلم ان مدح من يراه أهل ويستحق المدح فلا مثلبة عليه لانه قلم يقبع بين أنامل عربية مسلمة مجهولة الشخصية قدر تعلق الامر بالمدح الذي لاينطق عن هوى ولا يروم تحقيق مصلحة لشأن ذاتي والعياذ بالله … 

ان على القائد الليبي أن يديم زخم تفهمه العظيم لمجريات الاحداث في العراق الذبيح وأن يفرض أرادة رئاسية وقورة  وموضوعية مبنية على حقائق ماعاد لاحد ان يجافيها ويغض الطرف عنها على القمة. ورغم اننا لانخوض في الوهم ونحن نعرف ان القمة لن تكسر اطواق المستحيل وهي التي كبلت نفسها بقيود الاستسلام والخنوع والهوان … غير ان بوسع الاخ القذافي ان يستخدم سلاح المقاومة العراقية وانجازاتها العظيمة التي قزمت العملاق الامريكي وقلمت مخالبه وكان لعملها البطولي ادوارا أسطورية في تقوية أوربا والصين وروسيا وايران امام العنجهية الامريكية السابقة. وان بوسعه ان يستثمر انتصارات المقاومة العراقية ليبني عليها في امكانية عودة العراق العربي الموحد قريبا باذن الله وليقرع بذلك اجراس النصر العراقي الذي لانريد له, نحن ابناء العروبة النجباء ورفاق صدام وعزة الشرفاء ان يُنجز والعرب في حالهم المزري هذا بل نريده ان يتحقق والعرب, بصيغة أو باخرى, هم جزء من مكونات النصر واسبابه ونتائجه. أن الفشل الذريع للعملاء ولسيدتهم اميركا في الوجه المدني للاحتلال الذي اطلق عليه اسم العملية السياسية والانتخابات والتي كرست بوضوح روح الفرقة العرقية والمذهبية السياسية المجرمة .. هي الركيزة الاخرى لما يمكن للاخ القذافي ان يصفع بها المواقف العربية المتخاذلة والمترددة وينطلق في تبني حق العراقيين الذين أعلن عن نفسه ناطقا باسمهم في القمة بعد أن برهنوا  لسيادته انهم ناطقين باسمه وباسم العروبة البطلة في سوح الوغى والمقاومة الاسطورية ويحقق موقفا عربيا يعترف بالمقاومة ممثلا شرعيا وحيدا لشعب العراق وان يؤسس لركائز الدعم المطلوبه لتنجز العشرة الاخيرة بأتم وجه . والله اكبر .

 

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد