إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عرس العرب وعزاؤهم: قمم النجاح في الفشل.. بقلم: علي الصراف

Qemma(4)

 

حققت القمة العربية في سرت نجاحا باهرا فاق جميع "النجاحات" التي حققتها كل القمم العربية السابقة، وفاق جميع التوقعات، ووضع الأمة العربية أمام مستقبل مشرق، وجدد الأمل بامكانية الوصول الى مشروع نهضوي عربي، يعيد بناء التضامن العربي، ويضع الدول العربية أمام مهمات تنموية مشتركة جادة، وساهم في تقريب اليوم الذي نرى فيه دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس (الشرقية.. إذا أمكن).
كل هذا تحقق، بمجرد نجاح الزعيم الليبي في إدارة أعمال قمة فاشلة كغيرها من القمم الفاشلة الأخرى!
ما كان متوقعا، هو ان الزعيم الليبي سيقود القمة العربية لتكون آخر القمم العربية.
وهذا ما لم يحصل. فهو قاد قمة بدت إعتيادية للغاية، ولم يخرج منها أي زعيم عربي بزعل ليقول "لن أعود الى هنا أبدا".
وما كان متوقعا، هو أن تكون قمة سرت أول قمة عربية لا يحضرها الرئيس الفلسطيني، ولكنه حضر. وعندما قيل انه سيعود من القمة، فقد اتضح انه كان على موعدٍ للقاء الزعيم الليبي. بل انه حصل من هذا اللقاء على الدعم المالي الذي كان ينتظره… "لتعزيز صمود القدس" طبعا.
وما كان متوقعا هو ان تشهد القمة فوضى بروتوكولية بحيث يختلط الحابل بالنابل، فلا يعرف رئيس الوفد أين ينام وزير خارجيته، او ماذا حل بفريق حمايته، او عندما يطلب فنجان قهوة لا يأتيه عصير مانجا من انتاج قبائل الزولو.
وهذا ما لم يحصل، فقد مضت الامور بسلام تام، حتى شعر الزعماء العرب انه يمكنهم المجيء الى ليبيا من دون خوف في المرات القادمة.
وما كان متوقعا هو ان يحصل الزعماء العرب على معاملة من ملك ملوك أفريقيا تجعلهم يشعرون انهم دخلوا الى غابة لا مخرج منها.
وهذا ما لم يحصل، فقد حظي الزعماء المشاركون بالقمة على معاملة تليق بمكانتهم كاخوة متساوين. وبالتأكيد فانهم جميعا عادوا سالمين من مكان يختفي فيه الناس عادة، وبعضهم كان يأتي ويختفي ويقال انه ظهر في إيطاليا!
وما كان متوقعا هو ان يرتدي الزعيم الليبي ملابس تثير الفزع، أو يضع إشارات وصور تقصد رفع شعارات أو قول أشياء لا علاقة لها بالقمة.
إلا انه لم يفعل.
وما كان متوقعا، هو ان الفوضى كانت ستجعل من اجتماعات القمة مناسبة لكل المهاترات والأعمال الصبيانية بين الزعماء العرب.
وهذا ما لم يحصل أيضا، لأن إدارة أعمال القمة تجاوزت الرغبة بالمهاترات والمناكفات. كل من كان يرغب بالادلاء برأي، ادلى به. وكل من كان يريد موقفا حصل عليه، وكل من كان يريد عرض قضية، عرضها، وفي الآخر، فان الكل خرج سعيدا، بما يكفي لكي يعود مرة أخرى، الى قمة أخرى، ليدلي بالرأي نفسه، وليطالب بالحصول على الشيء نفسه، وليعرض القضية نفسها. من دون أن ينظر الى الماضي ليقول: اللعنة، لقد فعلت ذلك 22 مرة من دون طائل.
وكان متوقعا أن يغيب نصف القادة العرب على الأقل، لتحاشي الوقوع في فخ غير مضمون النتائج.
ولكن غاب ثلثهم فقط، ولم يكن هناك أي فخ، والنتائج لم تكن أفضل ولا أسوأ من نتائج أي قمة أخرى.
التوقعات المنخفضة للغاية من قمة سرت، هي التي جعلت ما لم يحصل "نجاحا باهرا".
على الأقل فقد بقيت هناك بقية أمل بعقد قمة أخرى لعلها تحقق ما لم يحققه غيرها من القمم.
وعلى الأقل، فان الموضوعات المطروحة على جدول أعمال القمة، ستعود لتطرح على جدول أعمال قمة مقبلة، بدلا من أن تكون فوضى قمة سرت إعلانا بنهاية كل وجه من وجوه التعاون العربي.
فالزعيم الليبي لم يقترح إعلان الوحدة مع أوكرانيا ولا مع دول الكاريبي. وبدا وكأنه قائد عربي، عربي، ولم يقل ما يوحي بانه يفضل التعامل مع ملوك غابات افريقيا على التعاون مع الزعماء العرب.
وما لم يكن هذا نجاحا باهرا، فلا أدري ما هو النجاح الباهر؟
لقد نجونا من فخ ومنزلق كان يمكنه أن يشكل كارثة على المستقبل العربي. فالحمد لله… الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
ولقد خرج الزعماء العرب من سرت، وهم يقولون انها لا تختلف عن أي بلدة عربية أخرى جرت فيها قمم مماثلة.
صحيح ان النتائج التي خرجت بها قمة سرت كانت من نوع النتائج التي لا قيمة فيها، فالحقيقة هي أن احدا ما كان يتطلع الى شيء أفضل. بل فقط أن نفوز من الغنيمة بالأياب، وأن نعود بخفي حنين، وأن ننجو بالوهم في إمكانية الوصول الى نتائج أفضل في قمة ما مقبلة.
وبدلا من قمة "مفاجآت" غير منتظرة، انتهينا بقمة بلا مفاجآت.
وهذا ما يمكنه ان يعزز الأمل بان المفاجآت السيئة ليست بالضرورة هي قدرنا الوحيد.
وربما كان الزعيم القطري واحدا من أشجع الزعماء العرب، فهو سلم قيادة القمة الى الزعيم الليبي من دون أن يدّعي تحقيق أي نجاح، بل انه قال بوضوح ان قيادته المباركة لم تحقق أي شيء، وانه ليس لديه ما يقدمه.
وهذه صراحة استثنائية، وموفّقة.
في المقابل، فكل ما كان مطلوبا من الزعيم الليبي هو ان يقدم عرضا معقولا لقمة ليس لديها ما تقدمه؛ قمة تفشل كما فشل غيرها؛ قمة تُعقد كعرس وتنتهي كعزاء، كما فعل غيرها.
وهذا ما حصل. وهذا ما يجب تهنئة سرت عليه. انها "العاصمة" العربية التي لم تضف الى الوجع خذلانا إضافيا، ولم ترش على الجرح ملحا.
ما كان متوقعا هو ان يقود الزعيم الليبي قمة تبدأ كعزاء وتنتهي كتراجيديا.
ولكنه انتهى بقمة حققت نجاحا باهرا، فقط لانها لم تحقق أي شيء يفوق او ينقص ما "حققته" القمم الأخرى. وهذا مكسب تاريخي يُبقي الأمل حيا.
لقد كرست القمم العربية تاريخا من اللاجدوى. وكل ما فعلته قمة سرت هو انها انضمت الى هذا التاريخ من دون أن تضيف عليه أي كوارث.
لقد كان أبعد من أبعد الأحلام ان تقدم ليبيا حلولا او مخارج للأزمات العربية، أو أن تقدم قيادة عربية رشيدة تقود معتركا تنمويا او تخوض سباقا حضاريا، او تتقدم معركة حرب أو سلام، او تنتصر لقضية تحررية ما. فأربعون عاما من الضياع والفوضى انتهت بليبيا ان تكون شيئا لا فائدة فيه، يكاد لا يشكل فرقا في أي اتجاه، بل لا يزيد او ينقص عن بلد ضائع في التوازنات الاستراتيجية العربية.
الفاشلون الى هذا الحد، ماذا يفعلون عادة عندما تتاح لهم الفرصة؟
يحولونها الى كارثة.
ولكن هذا ما لم يحصل.
لقد كان متوقعا من قمة سرت أن تهيل التراب على جسد نصف حي- نصف ميت، وان تصلي على جثمانه قبل وقته، وان تؤذن لصلاة الظهر في العشاء والفجر في المغرب. ولكنها لم تفعل. تركت العليل كما هو، لا هي عالجت علته، ولا كانت سببا في قتله. وهذا عمل عظيم للغاية، ويحيي الكثير من الأمل، بان قيادة عربية ما، في زمن ما، ستظهر في مكان ما، لتقدم دليلا للخروج من المأزق.
وإذا تأملت بما يمكن التطلع اليه أو الدعوة له أو استمرار "النّق" من أجله، فستجد ان "النجاح" الذي تحقق في سرت هو بالأحرى عملٌ أفضل بكثير من أي عمل "حققته" أي قمة عربية أخرى.
فعدم الوقوع في الحفرة، كان خطوة كبيرة على طريق النجاة. وهذا مؤشر الى ان القاع الذي كان لا قاع له، وصل الى حده. حتى ليجوز لمؤرخ المستقبل أن يقول: كان لنا في "قمة" سرت قاعٌ ما دونه قاع، ومنه بدأ الصعود ولو بطيئا ومتعثرا.
فشكرا لزعيم لم يرتد خارطة افريقيا، ولا وضع على صدره صورا من اجل الاستفزاز، ولا دعا الى الوحدة مع اوكرانيا، ولا اقترح مشروعا لالغاء الأمة العربية، واستقبل رجب طيب اردوغان من دون أن يدعو الى إعادة تشكيل السلطنة العثمانية، وتجاهل نظريته الفاطمية، وعمل جاهدا من اجل أن يكون زعيما عربيا لا ملكا لملوك الغابات في افريقيا. وعقد قمة مثلها مثل غيرها. نجحت بمقدار ما حققت من فشل. وفشلت بمقدار ما فشل غيرها. ولكنها لم تندفع بالعرس لكي يبدأ بمأتم. وظل لكل آذان صلاة.
ويبدو أن أحدا ما كان وراء النصيحة، بان يتقي الله فينا. فاتقى.
وهذه، لوحدها، معجزة.
فرجل قاد بلاده الى الخراب والفوضى، كان من المرجح ان يقود آخر ما بقي من العلاقات العربية الى الخراب والفوضى أيضا.
إلا انه لم يفعل.
وهذه تقوى تكفي، لوحدها، أن تُبقينا في الجحيم، وتُدخله الجنة.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد