إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حين يصبح الزواج مشروع اغتصاب

 

خيري حمدان

يصبح الزواج كارثة، والمجامعة الجنسية التي وقّع عليها المأذون اغتصابًا شرعيًا، عندما تبدأ معاناة وشقاء الفتاة القاصر التي لا تملك من أمرها شيئًا، وتجد على عجل من يقوم بالتوقيع نيابة عنها. هكذا تبدو اللوحة في العديد من الدول العربية وفي العديد من المجتمعات العربية المتخلفة، والتي لا تتوانى عن إدخال فحلٍ لاقتحام عذرية وطفولة فتاة صغيرة في العاشرة أو الثانية عشرة من العمر. على أية الحال الشقاء والبؤس والكآبة تبدو نتائج طوباوية ولا تعني الكثير في المفهوم العربي الإسلامي المعاصر، فهناك ما هو أمرّ وأنكى من ذلك، وأقصد الموت بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى!

 

التكوين البيولوجي للمرأة بات مختلفًا عما كان عليه قبل ألف ويزيد من الأعوام، في تلك المرحلة يا أكارم كانت الحياة خالية من التعقيدات والملوثات البيئية، وكان الفتى أو الفتاة يبلغان سنّ النضوج الجسدي وليس العاطفي بالطبع حوالي العاشرة من العمر أو يزيد قليلاً، ولكن الصورة اختلفت بشكل كبير في هذه الحقبة من الزمن. حيث يحتاج المرء ومن كلي الجنسين إلى سنوات طويلة للتأهل ودخول الحياة الزوجية وتكوين أسرة سعيدة وناجحة على الأقل. بعض الدول تعتمد سن الثامنة عشرة للنضوج، وفي أمريكا نجد بأن سن البلوغ واحد وعشرين عامًا. عدا عن كلّ ما ذكر يطالب الإسلام الذي ننتمي إلى حظيرته بالأخذ برأي الفتاة قبل الزواج ويستوجب موافقتها على ذلك. وبربكم الذي تعبدونه وتصلون له خمس مرات كل يوم يا معشر المسلمين، كيف يمكن الأخذ برأي فتاة في العاشرة أو الثانية عشرة من عمرها في قضية قد لا تعرف معناها أو أبعادها كالزواج، فهي وإن كان جسدها قد بدأ يتكون فهي ما تزال تمتلك عقلية طفلة في طريقها للمضي نحو النضوج.

 

الحوادث التي أدت إلى موت الفتيات نتيجة لنزيف حادّ كثيرة، وآخرها موت الفتاة اليمنية الهام مهدي العيسى ذات ألاثني عشر ربيعا بعد معاشرة زوجها الذي يكبرها بضعف عمرها، وبعد مضي ثلاثة أيام على شهر العسل!

 

]حتى الحيوانات تنتظر نضوج الإناث قبل المعاشرة الجنسية![

 

هل انقطعت النساء والفتيات البالغات لكي تغتصب طفولة لم تعرف معنى الحياة، وتحويل طفلة لربة بيت قبل أن تكمل دراسة متوسطة أو ثانوية أو تخضع لعملية تثقيف وتأهيل ميداني لمواجهة تحديات الحياة. إلى متى تستمر هذه الممارسات يا رؤساء دولنا وفقهاء أمتنا؟

 

الفكر الإسلامي قابل للتطور إذا رغب العلماء والفقهاء بذلك. وبدلا من إلقاء الفتاوى من على شاشات التلفزة وكأنها مضادات حيوية، لا بد من مواجهة هذه الظواهر الهمجية وغير الإنسانية. وهنا أوجه سؤالي أيضًا لفضيلة الشيخ القرضاوي، ألا ترى يا شيخ بأن الوقت قد حان لتتخذوا موقفًا حاسمًا لحماية القاصرات من الفتيات من الزواج المبكر جدًا وغير المتكافئ، والعمل على حماية الطفولة في عالمٍ عربي غارقٍ في مشاكل اقتصادية وتنموية مصيرية؟ من يتحمل وزر الهام مهدي العيسى؟ ولماذا تقوم مؤسسات حقوق الإنسان الأجنبية بالدفاع عن مصير الفتيات المسلمات من قرارات وعادات تقليدية قاتلة أحيانًا ومهينة غالبًا؟ لست هنا في مواجهة سلبية للفكر والدين الإسلامي، وأنا مدرك حجم تأثيره وانتشاره في العالم، بل ومدرك للعدالة التي يطالب بتحقيقها، والرحمة والسلام وهما عنوان كلمة الإسلام. ولكني بحاجة كمفكر عربي أنتمي لهذه الحضارة لإجابات مقنعة أو على الأقل، فتح باب الحوار بين جميع الأطراف للنهوض بهذه الأمة إلى مراحل متقدمة تضمن حرية الفرد وتحمي كرامته ولا تسرقه حقّ الاختيار لديه في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 

في هذا الصدد، أرى بأن تكفير الآخر واتهامه بالخروج عن السنة والمألوف لمجرد التعبير عن رأيه أمرٌ يتعارض مع المنطق ومع تعاليم جميع الشرائع السماوية. لا يمكن فرض مفاهيم دينية عقائدية غير قابلة للنقاش على قضايا دنيوية كتحديد سنّ زواج في زمن متغير. وها نحن نرى نتائج بعض هذه الإجراءات المخالفة للضمير الإنساني، ويقوم بها وليّ الأمر ]الوالد[ دون الشعور بالرحمة على فتاته التي لم تشبع بعد من نداء الأبوة والأمومة.

 

المحامية اليمنية شذى ناصر تقوم الآن بالدفاع عن المغدورة الطفلة الضحية الهام، ولا أعتقد بأنها قادرة على تحقيق الكثير في هذا الشأن. فالوالد قد يسارع إلى تزويج البنت الأخرى بعد أن يهدأ اللغط الذي أثير حول هذه القضية. ويبقى القرار الفاعل والنافذ لإنقاذ الطفولة من الزواج المبكر وسرقة قرارهن في تحديد مستقبل حياتهن في أيدي المشرعين والرؤساء والبرلمانيين والمفكرين وأصحاب الضمير.          

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد