إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

يوم سقطت بغداد ..

Baghdad(2)

جلال / عقاب يحيى
     كنا كلما ذكرنا سقوط بغداد على يد هولاكو(656ه ـ 1258م) إلا واقشعرّ بدننا لهول تلك الفظائع التي ارتكبت، فترتسم في الذهن صورة دجلة المخضّب بالدماء وحبر الكتب وقد صار لونه كحلياً، وأكوام الجثث المكدّسة لعبور الغزاة عليها، وعلى آلاف المؤلفات، عصارة الحضارة والإضافات العربية الإسلامية فيها.. فنمتلئ حقداً واندفاعاً، ثم نرقد على ضفة التاريخ، باعتبار الغازي من طينة(البرابرة) الذي لم يعرف معنى وقيم الحضارة، واحترام الروح البشرية، وإبداع الإنسان، وحقوقه، وتراثه، أو موقع الثقافة في التكوّن والتكوين.. فنكتفي بالتلمّظ، والنكران ..وكأنّ ذلك لن يتكرر ثانية لأن المدنية غسلت ذلك الوجه البشع(المتوحّش) للغزاة، وسلّحتهم بالفتّاك من الوسائل التي تقتل بنعومة، أو بطريقة تبدو أكثر"رحمة" وعصرية وهي تتلطى بشعارات كبيرة عن المَدَنية والتحضر المنقولة في فوهات المدافع ومباضع التفسيخ والتقسيم ..
 
    بين سقوط بغداد ذاك.. وسقوطها في التاسع من نيسان.. قرون عرفنا فيها سقوط المدن والعواصم العربية أمام الغزاة الاستعماريين، واعتبرنا ذلك مرحلة ومضت.. ثم كان سقوط أول عاصمة عربية (القدس) بالعدوان الإسرائيلي (1967) فابتلعنا الحدث كجزء من هزيمة كبرى.. انتظاراً لسقوط بيروت التي قاومت منفردة لثلاثة أشهر(حزيران أيضاً 1982) بحجة إخراج قوات الثورة الفلسطينية.. وما أعقبها من مجازر صبرا وشاتيلا المصغّرة عن مجازر بغداد القديمة ـ الجديدة، فقلنا : هو وجه من وجوه صراعنا المفتوح مع الكيان الصهيوني ..
 
كثير اعتقد أن أيام الاستعمار والاحتلال ولّت إلى غير رجعة، وأن القرن الحادي والعشرين، قرن العولمة، والتعاون الدولي(الذي حوّل العالم إلى قرية) والصورة الفاضحة، لن يُد شّن بعودة الاستعمار القديم بأبشع صوره، وان الذي بيننا وبين الكيان الصهيوني صراع تاريخي مفتوح لن يتوقف حتى يُحسم نهائياً.. حتى كان الذي كان ..وسقطت بغداد بطريقة أفظع مما جرى قبل قرون، وهولاكو العصر أكثر نَزَقاً وإجرامية وهمجية وتدبيراً من ذلك البدوي(البربري) هولاكو.. فاستبيحت بغداد بتخطيط مسبق . نهبت وسرقت معالمها وآثارها، ولوحقت مبانيها وحضارتها ومتاحفها وبهاءها، وعلماءها وفرسانها ونسورها.. بصورة أكثر تطوراً وفظائعية من ذلك الذي جرى قبل قرون.. كي تفتح بغداد جروحنا التي لم تندمل، فتسقينا علقم المرار، وغضب الحقد، وارتفاع ضغط الدم.. وما زال الجرح ينزّ دماً، وما زالت بغداد تُذبح، وتنتهك، وتنزف.. لكنها تقاتل وتقاوم وترفض المفروض .
 
ـ أطنان الكتابات والكتب، والأشرطة، والأفلام، والأقوال، والتحليلات، والتوقعات.. كتبت وقيلت، ونُشرت عن الذي جرى لبغداد(ومسوّغاته)، وفيها الكثير من الأكاذيب والافتراءات والتأليف، وما زال سوق الاستهلاك يطرح المزيد.. وبين أسلحة الدمار الشامل الشمّاعة المفضوحة، المطعّمة بأكذوبة اللقاء مع القاعدة، ثم الرسو على بضاعة : إسقاط النظام الدكتاتوري لأجل إقامة الديمقراطية ونشرها في وطن الاستبداد العربي، وكأننا نكتشف الإدارة الأمريكية الأم الرحيمة على العرب، الحريصة على حياة وحقوق الإنسان، التي لا همّ لها ولا شاغل سوى أوضاعه، وترقيتها.. حتى لو كانت محمولة في فوهات الموت، وعلى جثث ملايين العراقيين، وأنقاض الدولة العراقية، وجسامين عقول وطياري وضباط وعديد وطنيي وشباب العراق الأبيّ ..!! ، وإذ بالعراق أنموذجاً مُحرجاً لكل دعاة الحريات الديمقراطية، المناضلون والمؤمنون الحقيقيون بها، وأكوام المتزلفين، الانتهازيين ركّاب الأمواج والموضة، الذين عُقروا بما يجري للعراق، وأصيبوا بوجوم الانبهات، بينما يعرّبد نظام الاستبداد العربي وقد حُقن بمبررات جديدة لاستمرار نهجه، وقد صنع من العراق الشاهد والأمثولة .
 
ـ الأكاذيب فضحت نفسها، وأبانت الحقائق وحشاً إمبريالياً مفترساً يتلظى حقداً بتعبئات دينية متخلفة، أين منها أقصى المتطرفين الظلاميين، الدمويين، مجبولة بجوهر مشروع وفكر صهيونيين وضع العراق على الدوام نصب تخطيط التدمير والإفناء، للتشدّق بأكاذيب الأساطير وهي تشرب من مياه دجلة والفرات، وتمضغ لحم العراق الحيّ ثأراً وانتقاماً، وتحضيراً لوعود الكذب، فيغني حاخامات التلفيق والعنصرية، والحقد الدفين اللحن الجنائزي لمقتل نبوخذ نصر وتعليق المشانق له ولأصحابه، وقد سُرقت لوحة السبي البابلي بتدبير مكين مسبق، وفي ليل بهيم.. لينتشي قتلة التاريخ من بن غوريون، إلى كيسنجر، مروراً بالإبليس شمعون بيريز.. وخلفائه الكثر، الحاضرون بقوة في كل مراحل التخطيط لغزو العراق، وأصحاب البصمة الواضحة في تفتيته، وتدمير الدولة العراقية، وإرجاعه إلى القرون الموغلة، حبث ينتصب اللئيم بول وولفوتيز معانقاً الصهيوني ريتشاربيرل، وكومة الصهاينة ك : لويس ليبي وإيليوت أبرامز .. وأصحابهم في البنتاغون، وبيرقهم رامسفيليد، والدموي النهم الجشع ديك تشيني، وشلة كبيرة من المخططين.. رموز المحافظين الجدد، أو الصهاينة المجلببين بحكايات التاريخ المصنّع، والمهوّد وفق المصالح الاستراتيجية والخاصة .
 
ـ احتلال العراق فكرة قديمة لاعلاقة لها البتة لا بأسلحة دمار ولا ما يحزنون، ولا بنظام ديكتاتوري (ليس الوحيد في المنطقة)، ولا بترهة الديمقراطية التي أسفرت عن وجهها الكريه فوجهت أكبر طعنة لحركة الديمقراطية والقوى الديمقراطية في المنطقة . القصة باختصار : أن العراق من أغنى الدول العربية، وربما العالمية بكومة من الثروات الهامة التي يأتي النفط والغاز على رأسها . إنهم يعرفون مسبقاً أن احتياطي العراق من النفط يفوق المكتشف والمتوقع لاحتياطيي السعودية . وفوق ذلك، ولعل أهم من ذلك، أن العراق، بتاريخه، وبَصْمته الحضارية القديمة وهو يعلم العالم الحروف الأولى والأرقام ولوائح الحقوق والقوانين، والتي توجتها بغداد عاصمة الدنيا لتلك الإمبراطورية العملاقة، بتكوينه، وشعبه، وموقعه، ودوره، وطبيعته، عمود الأمة الاستراتيجي، ناجدها، واتكاؤها في الحروب والملمات، وقلعةٌ مفترق في أهم المفارق الاستراتيجية.. لذلك وضعت له الخطط منذ عقود، بانتظار الذرائع، والتغطيات.. وقد صنّعوها، وإن كانت إدارة بوش المتصهينة لا تحتاج إلى أي ستار، بدليل اختراقها لكل المواثيق، والشرعية الدولية، ولجلّ الرأي العام العالمي المناهض لتلك الحرب العدوانية القذرة، الفاضحة، المفضوحة .
 
                                                     ****
 
لم نكن متوهمين بمآل الحرب، فالموازين شديدة الاختلال، وسنوات الحصار الوحشي ـ الاستثناء، وما قبله العدوان الثلاثيني، أنهكت العراق، وخلخلت قواه العسكرية والاقتصادية، وحتى بناه المجتمعية، وحجم المؤامرة الكبير، وهول، وكثرة التدخلات الخارجية(بما فيها جلّ النظام العربي) لم تترك لنا فسحة لأمل بانتصار، وإن كان أقصى ما توقعناه صموداً في المدن، وحرب شوارع تستنزف الغازي وتوقع به أفدح الخسائر، فيطول زمن الحرب، وقد تدخل عوامل أخرى على المعادلة، وإن كان صمود أم قصر المفاجئ زرع الأمل، وأحيى الاندفاع الذي اعتدناه فينا، وقد راح الذهن يرسم تصورات أقرب للخيال عن حدوث مفاجآت ما(تقارب المعجزات)، خصوصاً وأن تصريحات السيد محمد سعيد الصحاف، ومؤتمراته الصحفية اليومية، وطريقة تعامله مع يوميات العدوان.. أنعشت رغباتنا فاختلطت الأمور بين حساب العقل، ودفع العواطف.. حتى يوم الإعلان عن دخول المطار ..ثم الوعد بطرد المحتل شرّ طردة، وبوسائل(غير تقليدية ستفاجؤه)، تلك الليلة التي لم يغمض لنا فيها جفن ونحن ننتظر موعد الإعلان عن المفاجأة بلسان الصحاف، ولهفتنا وهو يعلن النبأ، ثم وصول ورقة صغيرة إليه غيّرت سحنته وتقاطيع وجهه، فقطع المؤتمر وخرج لدقائق انخلع فيها القلب، وعندما عاد محاولاً ترقيع الوضع.. وضعنا اليد على القلوب، وأدركنا أن خللاً ما حدث، وأن شيئاً كبيراً وقع في المطار، وأن فجيعة في الطريق.. تنتظر الإعلان تلك الليلة الطويلة(كأنها ليلة سقوط غرناطة في المسلسل الشهير الذي رواها).. تلك الليلة التي عممها الصمت، فقصف مقرّ الجزيرة واستشهاد مراسلها وعدد آخر في مقرات أخرى.. لينبلج الصبح على ذلك المنظر المهول : بضع دبابات غازية تتجوّل وكأنها في نزهة على جسر الجمهورية، فإسقاط التمثال بساحة الفردوس بتلك الطريقة المسرحية.. فسقوط بغداد …..
 
ـ كنت أعرف العراق عبر زيارات متعددة، خاصة في إطار "مؤتمر القوى الشعبية"، وأعرف أن الوصول إلى المطار يعني طعن خاصرة بغداد، وتمهيد الطريق إلى قلبها . وأعي فعل سنوات الحصار في جميع المناحي، رغم الإرادة الكبيرة لتهشيمه، والتغلب عليه، ويدرك الجميع أنه حصار عربي بالأساس، وأنه حلقة لتنفيذ القادم، والقادم توضّح منذ أن اعتلى بوش الصغير رأس الإدارة، وحمل معه ذلك المشروع المحضّر منذ سنوات لغزو العراق وتلفيق الغطاء، وفي زيارة للمكسيك أعلن صراحة عن نواياه المكشوفة بغزو العراق . وكان هذا يعني أن القيادة العراقية الأعرف بنوايا الإدارة الأمريكية لا بدّ وأن تعدّ العدّة لذلك، وطالما أنها ترفض التسليم، والاستسلام، فإنها تستند إلى بدائل، كان ذهننا الباطني يروح ويجيء تقليباً فيها، خصوصاً وأن الرئيس صدّام أعلن النيّة والعزم على (انتحار الغزاة أمام أسوار بغداد)، فطار بنا الصحّاف أياماً إلى أخيلة مجنّحة بالخوارق، فأصبنا بنوع من اللوثة ..
 
ـ كنت أيامها أظهر كثيراً على شاشة التلفزة الجزائرية التي استنفرت كل وقتها، وكنت منقسماً بين عقلي المدرك لاستحالة مواجهة ذلك التفوّق الكاسح، وفي الوقت نفسه تختلط الصور بالأمنيات، وبعقلنا اللاواعي الذي ينقّب في موروث الخوارق، فننقسم داخلياً، في حين يقتضي الواجب شدّ العزائم، وزرع الثقة في النفوس الخائفة، وانتظار(المفاجآت) التي يعرف معظمنا أنها لن تحدث .. حتى كان التاسع من نيسان.. وذلك الصمت السديمي الذي جعلنا كالسكارى، وهو يطرح عشرات الأسئلة عن الذي حدث، وأسراره، وكيف سارت الأحداث بذلك الشكل الدرامي الرهيب، فخلت بغداد من كل أثر لجيش أو مقاومة أو مؤسسات دولة، وكأنها سلّمت عن سابق إصرار وتصميم، فاختال الغزاة زهوا، ومعهم جوقة العملاء وهم يستعرضون نصرهم السريع، ويدبّجون تاريخاً يكتبون فيه ما يريدون .
 
ـ كان العقل أميّل إلى التفسير البوليسي لما جرى، وحصره بجملة من الخيانات، والتخاذلات، خصوصاً وأن عديد (السيناريوهات) راحت تتلاحق عن خيانة هذا القائد في الحرس الجمهوري، أو ذاك قائد الفرقة الفلانية، أو الضابط الكبير في الحرس الخاص، أو تحميل المسؤولية للمدنيين من القيادة السياسية الذين نصّبوا مشرفين وقادة لفيالق الجيش في القطاعات الأربع الرئيسة، وبالتحديد إلى المرحوم قصي المشرف على الحرس الجمهوري والمسؤول عن خطة الدفاع عن بغداد، وما قيل عن صغر سنه، وامتعاض كبار الضباط من فرضه، وتدخلاته، أو (فتوى) السيستاني المخالفة لفتواه الأولى بوجوب مقاتلة الغزاة، بإلقاء السلاح وترك قطعات الجيش، وقصص كثيرة راجت تملأ رأسنا فيفيض القلب انكساراً وحسرات، ولم يكن الوقت يسمح بتحليل جملة العوامل التي قادت إلى تلك النتائج (بينما اكّدت الوقائع اللاحقة أنه لا وجود لخيانة من قبل أي ضابط قائد، وأن المرحوم قصي، بتصريح من قائد الحرس الجمهوري، وغيره، لم يكن عنصراً معرقلاً لقرارات القادة العسكريين، وأن معارك المطار وما استخدم فيها من سلاح أشبه بالنووي كانت المفصل والمنعرج، وأن حالة اليأس التي عمّت، وثقل دعايات الغزاة وعملائهم خلقت جوّاً يسهل انتشار روح الهزيمة، واللاجدوى، وترك القطعات، ورمي السلاح، خاصة وأن الخسائر البشرية العالية في صفوف القوات المسلحة، والفدائيين العرب، وفدائيي الحزب وجيش القدس بتلك الأسلحة غير التقليدية أرخت ظلالها الكثيفة على المشهد، وعلى النتائج، فكان القرار بالانسحاب الشامل والانتقال إلى المرحلة الثانية : مرحلة المقاومة ….) .
 
ـ ورغم حالة الإجماع التي كنّا نرددها، وغيرنا، على ما يعتبر خيانة وتخاذل، وانهيار شامل، فيجب أن يسجل المرء للصديق الكاتب الصحفي عبد العالي رزاقي تصوّره المختلف عن السائد في جملة المحللين والضيوف، حيث انفرد باعتبار ما جرى خطة متفق عليها في القيادة العراقية.. عندما تصبح الحرب النظامية بلا جدوى، ومجلبة للدمار المجاني بالتحوّل إلى المقاومة الشعبية، وأن اختفاء الدولة العراقية بجميع مؤسساتها وجيشها دفعة واحدة جاء بقرار مسبق للانتقال إلى المرحلة الأخرى التي جرى التحضير لها قبل سنوات ..وهي : المقاومة المسلحة المنظمة.. والتي بدأت فعلاً بعد أيام قليلة من سقوط بغداد، كأسرع مقاومة يعرفها التاريخ .
 
ـ لكن بغداد العزيزة، المدماة، المستباحة تستحق الدمع والبكاء الحار(هو أكثر ما نملك)، كما تستحق الغضب والحنق، ووجع القلب.. وقد أرخت بكلكلها على عموم الشعب هنا فاشتلعت الأحلام، وعممت اليأس، وكأن الجميع على رؤوسهم الطير، وحالة التوهان عامة، والغضب يفيض بحثاً عن تصريف، وكانت قوافل المتطوعين لا تنقطع بالآلاف، والكثير جاء دون وثائق أو جواز سفر، سلاحه الإيمان بوحدة أرض العرب والمسلمين، والشوق للاستشهاد هناك في مواجهة الغزاة والصهاينة.. فحدث الانكسار، وبغداد الغالية تنحر الأحلام والأمل، فينتحر كثير على وهج دمائها، ومناظر استباحتها ونهبها، فتسقط بقايا الأماني، ويعمّ ليل السواد على بلد السواد والعرب ..
 
ـ ثقيلة، طويلة تلك أيام نيسان، مشحونة بالغضب والألم، والغزاة يقصّون ويفصلون. ينهبون ويغتصبون، ونهر الدماء يذكر العديد بهولاكو القديم، وإذ بهولاكو الجديد أكثر حقداً، وإذ به يفوق ذاك بخلفية محقونة بالثأر والتخطيط الشيطاني، وترهات الأساطير، وإذ بالعراق على رقعة التفتيت، والتقسيم والدمار المنظم لمحوه : جغرافيا وتاريخاً ودوراً، وإذ ببريمر(الحاكم المفوّض) يضع الخرائط على المشرحة فيعمل مبضعه بالجسد العراقي : حلّ مؤسسات الدولة العراقية بالكامل، وأولها الجيش العراقي العتيد، حامي الحمى والأرض الواحدة، ورمي عشرات الآلاف إلى شوارع الحاجة، والغضب، والبطالة، وإذ بالعراق الذي قالوا أنهم جاؤوا لإنهاضه من(عثار) الدكتاتورية يغرق في الدماء، والأرامل والقتلى والمعتقلين والمهجّرين، والمغتالين والنهب المنظّم، والتدمير، وإذ بفرق الموت المستوردة ـ المرتزقة، وتلك القادمة من سواد المظلمة المحقونة تثقب العراق بمثاقب قديمة لاختراق عمق اللحمة الوطنية وعقول التفتح والتعايش والإخاء والوطنية العريقة في عراق أبى إلا أن يقاوم المحتلين في جميع أحقاب التاريخ، واستبدال الصراعات السياسية والفكرية بأخرى من عهود أهل الكهف، وزواريب الانقسامات المذهبية، وإذ بإيران صاحبة شعارات(الشيطان الأكبر) تتلاقى وإياه على ذبح، واقتسام، ونهب العراق فيتوحّد شيطانيّ المصالح الخاصة فوق جسد العراق الدامي، وإذ بالنظام العربي الذي شارك جلّه بعملية الغزو ينبطح مقدّماً رقبته بانتظار سيف سيد الإدارة الأمريكية لتقديم مزيد من ولاءات الطاعة، وتسول الحفاظ على الكراسي والمصالح، وقد أغمضوا الأعين عمّا يصير للعراق وشعبه، وكأنه لا يعنيهم، وكأنّ الأهم هو الاعتراف بشرعية الغزو والاحتلال.. عسى سيدهم يرضى عنهم فيفصّل شرق أوسط كبير وهم وجود فيه، وليس على جثثهم المهترئة .
 
ـ كثيرة مصائب العراق التي حلّت به، وأكثر منها إيلاماً وتأثيراً حال المعارضة العراقية التي تشدّقت سنوات بالمظلومية، وبالحرص على رفض الدكتاتورية والاجتثاث وتصفية الخصوم، وكثير كثير من فيض الكلام الذي انبطح أرضاً منذ اليوم الأول لبدء الغزو حين قبلت واعية، أو مساقة أن تكون المطيّة والبيدق، شاهد الزور، والمعلف، ثم وهي تمارس فعلاً يجعل قطاعات كثيرة في الشارع العراقي (ومن غير البعثيين) تترحّم على أيام زمان، وعلى ما كان يوفره النظام من أمن وأمان، ومن وحدة العراق الترابية، واستقلالية قراره(ولن نخوض في التقويم المبتسر هنا)، بل وحتى في القمع وأسبابه ونتائجه.. ناهيك عن فعل التطييف المبرمج، ومخطط المحاصصة القائمة على أسس طائفية وعرقية، ومحاولة خلع العراق من عمقه العربي، ورميه نتفاً للمقايضة به مع المحتل، وبينه وبين بعض الدول الإقليمية .
 
ـ كثيرة صور العراق المؤذية التي تحتاج كتباً لتوثيقها، لكن الأكيد أن آخر ما تبقى من حجج غزو العراق قد سقطت وارتدّت وبالاً على صانعيها، كما ارتدّت على عموم الديمقراطيين في الوطن العربي .
 
فديمقراطية المحتل وهي تحفر تلك اللوحة القاتمة، المدمّاة في جسد العراق أسقطت جوهرها وعرّته، لكن هزاتها الارتدادية العنيفة ألحقت الدمار والخراب ليس بالعراق وحسب، بل في عموم المنطقة .
 
لقد أملت الشعوب العربية وقواها الحيّة بأن عصراً جديداً تدشّنه البشرية عنوانه الكبير : الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن أوان وزمان أنظمة الاستبداد الدموي، والأحادية الفتّاكة، والفردية الاغتصابية، وزمر المافيا النهبية قد ولّى، وان ذاك الحراك الاجتماعي المتصاعد يبشّر بالخصب والعطاء.. في مسيرة التغيير السلمي ـ الطبيعي التي تحاصر الاستبداد وتضيّق الخناق عليه حتى الموت أو القبول بإرادة الأغلبية الشعبية.. وإذ بأهوال(ديمقراطية) العراق تنزل كالصواعق على الرؤوس، وإذ بحريات أمريكا، وإسقاطها (النظام الديكتاتوري) تسقط قنابل عنقودية تقتل، وتجرح، وتشوّه ذلك الحراك، وتزرع الخوف والرهبة من هكذا ديمقراطية، وإذ بذالك الحراك يتراجع ويحاصر، ويأخذ بالاختناق والغيبوبة، وإذ بنظم الاستبداد تنتعش وقد وجدت في الذي يحصل للعراق سندها القوي لتسويغ وجودها وما تفعل(والذي لا يمكن قياس شروره بما صار للعراق الذبيح المستباح، المهاجر والمهجّر)، وإذ بديمقراطية بوش سواداً يبعث السواد أحقاداً وافكاراً مذهبية وماضوية وثأرية تناقض ألف باءات التقدّم، ومفاهيم العصر، ومنجزات الحضارة الإنسانية، وإذ بالعراق يعود(تحت رايات ديمقراطية المحتل والعملاء) عقوداً، بله قروناً إلى زمن (اجتماع السقيفة) وحروب الاختلاف السياسي الراكب على الدين وأهل البيت، ومصالح الحاكم، والسنة والشيعة، والعرق والأنصاب والأزلام . وإذ بإيران تفصح عن وجه آخر غيره الذي تُظهره في إعلامها وخطابها الرسمي، وفي توابعها وملحقاتها، وإذ بالدنيا غير الدنيا والشعوب تدفع الضريبة، فتتراجع الحركة الديمقراطية وسيف تهم الخيانة والاستقواء بالأجنبي كسيوف الحجاج والحاخامات وخناجر الانتقام تجعلها خائفة، مبلبلة، تسارع إلى إعلان البراءة، وإلى كثير من بيانات ومواقف التوضيح غير الواضحة وغير المقنعة لدى النظم التي استعادت المبادرة وراحت تلاحق تلك القوى : حصاراً، واتهامات بالجملة، واعتقالات وأحكاماً.. وما زالت البوشية وأبناؤها تتحدث عن(الإنجاز التاريخي في العراق) ..!! ..
 
ـ شي رئيس تعلنه بغداد من تحت الأنقاض ونهر الدماء والأحزان : أنها تقاوم، وأنها ترفض الركوع والاستسلام.. فقد انطلقت أولى عمليات المقاومة بعد أيام قلائل، وإذ بها مقاومة واسعة، متشعبة، حسنة التدريب والتخطيط، وإذ بها تتسع فتتجاوز البعثيين إلى عموم القوميين والإسلاميين واليساريين والوطنيين العراقيين الذي وضعوا خلافاتهم جانباً، بما فيها كثير انتقاداتهم للعهد السابق وأخطائه، وقرروا الانخراط في صفوف المقاومة المسلحة والسياسية.. لترتفع منارة العراق التاريخ من قلب الخرائب والدماء.. معلنة بالصوت القوي : أن المشروع الأمريكي الصهيوني ـ الطوائفي يغرق في لجاج النهرين وفيضه الحامل للخصب والنماء، ورمي االقاذورات، وأن لا حياة له طال الزمن أم قصر، وان طريق التضحيات المتواصل لا بدّ أن يطهّر العراق من الرجس الوافد، فيعيده : موحّداً، تعددياً، ديمقراطياً، يقرر الشعب فيه مصيره بانتخابات حرة حقيقية وليست انتخابات المحاصصة، وانتخابات الافتعال ..
 
ـ مقاومة العراق الوطنية التي نجحت في فرز نفسها عن الإرهاب(رغم كل محاولات التشويه، والخلط، وزخم الدعاية المركّزة، ويتم تلك المقاومة التي لم تجد حضناً دافئاً يحتضنها، او وسيلة إعلام تتجرّأ على قول الحقيقة، بما فيها حجم خسائر الغزاة الحقيقية)، والأيدي الدموية الوافدة على أكثر من مشروع وخلفية(من المرتزقة وشركات الأمن العالمية الملغومة، والمليشيات المشبوهة، إلى الموساد المنتشر والمنتشي بما يفعل، إلى إيران، والقاعدة، وغيرهم كثير)، مطالبة أكثر بتفصيح بعدها الديمقراطي، ليس بما تعلنه عن إقرارها بالنظام التعددي القادم(عند الانتصار) وحسب، بل، بالتصريح عن رفض الموانع والضوابط والشروط التي تضعها للعملية السياسية ـ الديمقراطية المستقبلية، تاركة لشعب العراق أن يقرر وحده، وعبر صناديق الاقتراع القوى الجديرة بتمثيله، والحريصة على وحدة وعروبة وتقدّم العراق، وشعب العراق مؤهل للقيام بالفرز، ورمي أوساخ الاحتلال ولفظها، وها هو رغم كل الفظائع يقطع الطريق على الطوائفية والاقتتال الداخلي، وعمليات التقسيم والتفتيت .
 
ـ المقاومة الوطنية معنية بتوحيد صفوفها، وتجاوز خلافاتها، والمحورة حول قواسم مهمات المرحلة : تطهير العراق وتحريره وتوحيده، وتكريس التعددية والحريات الديمقراطية نهجاً وحيداً لعراق قادم عربي، واحد ..
 
الجزائر التاسع من نيسان 2010
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد