إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الإيمان بمرجعية القذافي ماذا يعني؟ (حقائق رقمية) بقلم: علي الصراف

qadhafi

ذهب الجدل في موريتانيا حول "منسقية العمل القومي الإسلامي" في الإتجاه الخطأ. فالذين أعلنوا مبايعتهم للزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قالوا انهم بايعوه على أنه "مرجعهم القومي والفكري وقائدهم الذي يأتمرون بأمره ويلتزمون بتوجيهاته". والذين عارضوا هذه المبايعة وصفوا نظراءهم بأنهم "عملاء" يوالون نظاما خارجيا على بلدهم.

وهو جدل أعادنا، من جديد، الى المربعات البدائية، عندما كان البشر ما يزالون يتلمسون أول طرقهم في الاجتماع الإنساني. فتظهر مجموعة تعلن إيمانها بإله جديد، من دون أن تقدم أدلة على وجوده، فيما تعلن الأخرى ان المجموعة الأولى كافرة، من دون أن تزعج نفسها بالبحث عن براهين تثبت انه إله مزيف.
والجدل بين "مؤمنين" و"كفرة"، بشأن مبايعة "زعيم قومي"، لا يتجاهل الواقعي والمادي في معنى هذه الزعامة، إلا بين طرفين يتعاملان مع المسألة تعاملهما مع إله مرفوع عن الحاجة الى دليل.
مع ذلك، فان الله كان يبدو أكثر تواضعا. فهو أرسل أنبياءه ورسله ولم ينس ان يزودهم بمعجزات لكي يثبت من خلالها وجوده وضرورة الإيمان به. أما المؤمنون بالعقيد القذافي، فانهم بايعوه، وأعلنوا إيمانهم به، من دون أن يقولوا أنهم "آمنوا" بماذا. وسلموا قيادتهم لـ"فكره" من دون أن يقولوا ما هي المعجزات التي حققها هذا الفكر.
وحيث أن موريتانيا بلد يبحث عن سبيل للتنمية ونموذج للنهضة، فان السؤال الذي غاب عن المتجادلين هو: هل تصلح ليبيا، بما انجزته خلال 40 عاما، أن تكون نموذجا لأي أحد؟
ويستطيع المرء أن يرى ان الزعيم الليبي ما يزال محاطا بالكثير من "المؤمنين" إلا انهم من نوع المؤمنين الذين لا يرون معجزة، ولا يطلبون برهانا. وهم "يؤمنون" ليس لانه أنزل عليهم مشروعا للتقدم والتنمية، بل لانه أنزل عليهم أفكارا وسياسات اضطر الى ان يتراجع عن ثلاثة أرباعها. وهي كلفت من الضحايا ما يعادل مجزرة، ومن المعذبين ما يعادل تراجيديا اغريقية.
فالاشتراكية التي أممت كل تجارة صغيرة لتجر الجميع الى العمل في القطاع العام، عادت لتطردهم من أعمالهم من دون أن توفر لهم بديلا، في آخر المطاف، إلا الفقر.
ولكنه قال لهم، آمنوا، فآمنوا.
هذه هي كل القصة. وها هنا انتهت كل آياته البينات.
مع ذلك، فان قيادة البلدان، تتطلب انجازا واقعيا، ومشروعا منتجا للثروة، وقاعدة مادية للنمو، وركائز (من العلم والمعرفة والانتاج المادي) لصنع الرفاهية، لا تحالفا مع أوكرانيا لزراعة القمح.
وبما أن زعماء "المنسقية" الجديدة يزمعون ان يقودوا بلدا، فمن الأولى بهم، بناء على "النجاحات" التنموية التي حققتها ليبيا، أن يعدوا العدة، لا للزراعة في بلدهم، بل للتعاقد مع باخرة.
فايمانهم هو الذي سيدلهم على الطريق. والطريق ليس بعيدا بين نواكشوط وكييف. وحيث أن "قلب المؤمن دليله"، فان دليلهم الوحيد على هذا "التوفيق" هو ان ليبيا ذهبت الى هناك من قبل. حتى إذا ما جاعوا، فأول الإيمان الصبر. والله يجزي المؤمنين بغير حساب.
أن تعيش في عالم آخر، هو السبيل الوحيد لتفسير الإيمان. ولكنك تحتاج أن تكون خارج الكون برمته لكي تقود بلدا بنزعات إيمانية كهذه.
والزعيم الليبي، عقيد قومي، ولكن في أي معركة؟
هذا سؤال لم يُطرح.
وهو قائد يثير الكثير من اللغط. ولكنه لغط "ايماني" من الطراز الأول.
وعندما تؤخذ النتائج الكارثية التي حققتها ليبيا في الاقتصاد والتنمية الاجتماعية، بالحسبان، فحتى الله كان سيعتذر عن طلب الإيمان به. ليس لانه أكثر تواضعا، بل لانه لن يجد أي متعة في أن يكون مسؤولا عن كارثة بهذا الحجم، في بلد كان بوسعه أن يكون واحدا من أغنى بلدان القارات الخمس واكثرها ازدهارا.
كيف حصلت الكارثة؟
ما يزال "الفكر" يفكر. وهو لم يعثر إلا على الطريق الى أوكرانيا. ومن تجربة الى تجربة أكثر فشلا، فان مجتمعه ما يزال يتقلب بين الرمضاء والنار دون أن يدري ما هو المخرج.
لقد تولى الزعيم الليبي قيادة بلده قبل أربعين عاما.
وتولى مهاتير محمد قيادة بلده ماليزيا في العام 1981، أي بعد مرور 12 عاما من "ثورة الفاتح".
رغم انه مسلم، إلا ان مهاتير محمد لم يطلب من أحد أن "يؤمن" به، ولم يزعم انه صاحب نظرية عالمية، ولا قدم نفسه بكتاب وردي او بنفسجي. ولكن نتائج قيادته كانت كافية لتحول بلدا فقيرا ممزقا مهترئا الى واحد من اكثر البلدان في العالم ازدهارا وتقدما ومناعة ورقيا، بل وصار يعرف ضمن "النمور الآسيوية" التي ظهرت الى الساحة الدولية كقوة إقتصادية مؤثرة.
ويوجز مقال للدكتور محمود عمارة (وكان من خير ما قرأت مؤخرا) شيئا من القصة (وهو قارن بمصر ليكتشف مهزلة، وسأقارن بليبيا لأكتشف مأساة): "فماليزيا بلد مساحته تعادل 320 ألف كم2 (ليبيا: 1,759,540 كم2) وعدد سكانه 27 مليون نسمة (ليبيا: 2.249.237 نسمة حسب احصاء عام 1973، واليوم نحو 6 مليون). وكان الماليزيون يعيشون فى الغابات، ويعملون فى زراعة المطاط، والموز، والأناناس، وصيد الأسماك. وكان متوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار سنوياً (وليبيا تنتج نفطا يوفر لها دخلا عاليا قياسا بعدد السكان). وكانت الصراعات الدينية (بين اتباع 18 ديانة) في ماليزيا هي الحاكم (وليبيا على مذهب واحد).
"ومهاتير هو الابن الأصغر لتسعة أشقاء. والدهم مدرس ابتدائى راتبه لا يكفى لتحقيق حلم ابنه «مهاتير» بشراء عجلة يذهب بها إلى المدرسة الثانوية.. فيعمل «مهاتير» بائع «موز» بالشارع حتى حقق حلمه، ودخل كلية الطب فى سنغافورة المجاورة.. ويصبح رئيساً لاتحاد الطلاب المسلمين بالجامعة قبل تخرجه عام 1953 ليعمل طبيبا فى الحكومة الإنجليزية المحتلة لبلاده حتى استقلت ماليزيا فى 1957 ويفتح عيادته الخاصة كـ«جراح» ويخصص نصف وقته للكشف المجانى على الفقراء.. ويفوز بعضوية مجلس الشعب عام 1964 ويخسر مقعده بعد 5 سنوات، فيتفرغ لتأليف كتاب عن «مستقبل ماليزيا الاقتصادى» فى 1970 ويعاد انتخابه «سيناتور» عام 1974 ويتم اختياره وزيراً للتعليم فى 1975، ثم مساعداً لرئيس الوزراء فى 1978، ثم رئيساً للوزراء عام 1981، لتبدأ النهضة الشاملة التى قال عنها فى كلمته بمكتبة الإسكندرية إنه استوحاها منأفكار النهضة المصرية على يد محمد علي".
فماذا فعل هذا الرجل في 21 عاما؟
"أولاً: رسم خريطة لمستقبل ماليزيا حدد فيها الأولويات والأهداف والنتائج، التى يجب الوصول إليها خلال 10 سنوات.. وبعد 20 سنة.. حتى 2020!
"ثانياً: قرر أن يكون التعليم والبحث العلمي هما الأولوية الأولى على رأس الأجندة، وبالتالي خصص أكبر قسم فى ميزانية الدولة ليضخ فى التدريب والتأهيل للحرفيين.. والتربية والتعليم.. ومحو الأمية.. وتعليم الإنجليزية.. وفي البحوث العلمية.. كما أرسل عشرات الآلاف كبعثات للدراسة فى أفضل الجامعات الأجنبية.
"ثالثاً: أعلن للشعب بكل شفافية خطته واستراتيجيته، وأطلعهم على النظام المحاسبى، الذى يحكمه مبدأ الثواب والعقاب للوصول إلى "النهضة الشاملة"، فصدقه الناس ومشوا خلفه ليبدأوا «بقطاع الزراعة».. فغرسوا مليون شتلة «نخيل زيت» فى أول عامين لتصبح ماليزيا أولى دول العالم فى إنتاج وتصدير "زيت النخيل".
"وفي السياحة: قرر أن يكون المستهدف فى عشر سنوات هو 20 مليار دولار بدلاً من 900 مليون دولار عام 81، لتصل الآن إلى 33 مليار دولار سنوياً.
"وفي قطاع الصناعة: حققوا فى عام 96 طفرة تجاوزت 46% عن العام السابق بفضل المنظومة الشاملة والقفزة الهائلة فى الأجهزة الكهربائية، والحاسبات الإلكترونية.
"وفي النشاط المالي: فتح الباب على مصراعيه بضوابط شفافة أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية لبناء أعلى برجين توأم فى العالم 65 مركزاً تجارياً فى العاصمة كوالالمبور وحدها.. وأنشأ البورصة التى وصل حجم تعاملها اليومى إلى ألفى مليون دولار يومياً.
"وأنشأ أكبر جامعة إسلامية على وجه الأرض، أصبحت ضمن أهم خمسمائة جامعة فى العالم يقف أمامها شباب الخليج بالطوابير، كما أنشأ عاصمة إدارية جديدة‏ بجانب العاصمة التجارية «كوالالمبور» التى يقطنها الآن أقل من 2 مليون نسمة، ولكنهم خططوا أن تستوعب 7 ملايين عام 2020، ولهذا بنوا مطارين وعشرات الطرق السريعة تسهيلاً للسائحين، والمقيمين، والمستثمرين، الذين أتوا من الصين، والهند والخليج ومن كل بقاع الأرض، يبنون آلاف الفنادق بدءًا من الخمس نجوم حتى الموتيلات بعشرين دولار فى الليلة!
"باختصار: استطاع الحاج مهاتير من 81 إلى 2003 أن يحلق ببلده من أسفل سافلين لتتربع على قمة الدول الناهضة، التي يشار إليها بالبنان، بعد أن زاد دخل الفرد من 100 دولار سنوياً فى 81 عندما تسلم الحكم إلى 16 ألف دولار سنوياً .. وأن يصل الاحتياطى النقدى من 3 مليارات إلى 98 ملياراً، وأن يصل حجم الصادرات إلى 200 مليار دولار، فلم يتعلل بأنه تسلم الحكم فى بلد به 18 ديانة، ولم يعاير شعبه بأنه عندما تسلم الكرسى فى 81 كان عددهم 14 مليوناً والآن أصبحوا 28 مليوناً، ولم يتمسك بالكرسى حتى آخر نفس أو يطمع فى توريثه.
"فى 2003 وبعد 21 سنة، قرر بإرادته المنفردة أن يترك الجمل بما حمل، رغم كل المناشدات، ليستريح تاركاً لمن يخلفه «خريطة» و«خطة عمل» اسمها «عشرين.. عشرين».. أى شكل ماليزيا عام 2020 والتى ستصبح رابع قوة اقتصادية فى آسيا بعد الصين، واليابان، والهند" (انتهى الاقتباس).
وما سأسجله الآن (ومعظمه مقتبس من مصادر حكومية ليبية) لا يحتاج الى مجادلات إيمانية. وهو مكتوب فقط لأولئك الذين لديهم ضمائر يلجأون اليها لتحاسبهم على أفعالهم وخياراتهم، أما من لا ضمائر لهم، فيستطيعون أن يواصلوا الإيمان بما شاءوا:
ـ  في تشرين الأول- اكتوبر 2009 (بعد كذا سنة من الثورة!) أشار رئيس الحكومة (البغدادي المحمودي) إلى وجود قرابة 180 ألف أسرة تعيش على 100 دينار ليبي (75 دولارا)، الأمر الذي يعني أن خمس سكان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر، إلى جانب بطالة بلغت 30%؛ أي ما لا يقل عن مليون ليبي عاطل عن العمل.
ـ رغيف خبز كل يوم يكلف 18 دينارًا ليبيًّا شهريا. والاسرة الليبية مؤلفة من 6 أفراد، كمعدل، وهم يحتاجون 108 دنانير!
ـ في برنامج بثته القناة الليبية الرسمية "الجماهيرية"، كشفت لأول مرة عن وجود عائلات ليبية تعيش داخل أكواخ من الصفيح والخشب، وفي وضع صعب للغاية بدون ماء ولا كهرباء، ولمدة تجاوزت بعض حالاتها 10 سنوات.
ـ وبعد سنوات من الاشتراكية التي نزعت من الناس ملكياتهم الصغيرة، جاء قرار حل معظم الشركات والمؤسسات العامة، والتي ظلت مصدر رزق لعشرات الآلاف من الموظفين، في وقت كانت الدولة تحظر فيه جميع أنواع النشاط الفردي، وتؤمم تجارتهم الخاصة، الأمر الذي ادى إلى تكدس المسرحين في طوابير طويلة من العاطلين، فضلا عن قطع مصدر رزقهم الوحيد. وبرر شكري غانم (خلال حكومته) اتخاذ مثل هذه السياسات بأن الخزانة العامة أصبحت عاجزة عن تسديد مرتبات ما لا يقل عن 800 ألف موظف، بينهم 400 ألف فقط في مجال التعليم، كما باتت عاجزة تماما عن توفير أي فرص عمل جديدة للأعداد الكبيرة من الخريجين والباحثين.
ـ مئات الآلاف من الليبيين يعيشون في احياء وشوارع بلا أسماء، ولا يمكن الوصول اليها بالبريد، الأمر الذي يحول (يقول شكري غانم) دون الوصول الى العاطلين عن العمل من الخريجين حتى عندما تتوفر وظائف.
ـ ليبيا تنتج ما يقرب من 2 مليون برميل من النفط يوميا، وأسعار النفط تشهد ارتفاعا غير مسبوق، توفر منه الخزينة العامة مليارات الدولارات سنويا (فائض النفط بلغ حسب قول العقيد القذافي 7 مليارات لعام 2005).
ـ  تقول مجلة الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية الصادرة في الكويت، في دراسة عن الثروات في العالم الإسلامي انها فوجئت بان وجدت «ليبيا كنموذج عربي عن انتشار الفقر بين مواطنيها على الرغم من ان دخلها يقدر بالمليارات»! وانتشر الفقر في ليبيا، كما يقول كاتب الدراسة، حتى «لم تعد ظاهرة التسول حكراً على الوافدين من بعض دول الجوار واصبح المواطن الليبى منافس قوى فى سوق التسول.. وباتت اليوم على وشك ان تمزق نسيجه الاجتماعي". وتضيف الدراسة ان «ظاهرة الفقر بلغت حداً لم يعد التكتم عليه يجدي السلطات الليبية التي وجدت نفسها مجبرة على الاعتراف رسمياً، وفي اكثر من مناسبة بوجود مليون ليبي فقير ـ مجموع السكان أقل من ستة ملايين.
ـ يقول تقرير نشر في "الاقتصاد والأعمال" 29/1/2010 : يعادل حجم القوى العاملة في القطاع العام 70% من القوى العاملة الكلية في الاقتصاد البالغ عددها 1.660 مليون، حسب التقارير الرسمية الصادرة عن هيئة التوثيق والمعلومات. ولا تتجاوز مرتبات الغالبية العظمى منها 400 دينار (321 دولارا) شهريا للفرد الذي يعول أسرة
ـ لا يزيد مرتب المعلم في المؤسسات التعليمية بما فيها المرحلة الثانوية عن 450 دينارا (361 دولارا) شهريا.
 ـ بما أن متوسط عدد أفراد الأسرة هو ستة وفقا لآخر إحصاء سكاني, فهذا يعني أن نصيب الفرد اليومي من الدخل الشهري للأسرة يقل عن دولارين (خط الفقر المدقع).
 ـ تتفق شرائح واسعة من المواطنين على "سوء" الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع تكاليف العلاج المرتفعة، وغلاء أسعار الأدوية والمواصلات والسلع الغذائية، ناهيك عن الدروس الخصوصية مقابل دخولهم المحدودة.
ـ وفقا لتقارير وزارة التخطيط والمصرف المركزي، تشكل إيرادات النفط أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وما يزيد على 98% من حجم الصادرات. لكن خبراء يؤكدون أن إيرادات النفط تؤول إلى الدولة.
ـ لا تتوفر بيانات "دقيقة" عن عائدات ليبيا من النفط في السنوات السابقة. وقد قدرت مراقبة الأعمال العالمية (bmi) في تقريرها عن توقعات النفط والغاز بليبيا عائدات 2008 بنحو 77 مليار دينار (61.8  مليار دولار) بمتوسط إنتاج يومي يصل إلى 1.85 مليون برميل.
 ـ كما لا تتوفر أرقام رسمية عن دخل ليبيا من النفط العام الماضي مع توقعات بانخفاض إيراداته هذا العام إلى 53.3 مليار دينار (42.8 مليار دولار) وفق مشروع قانون الميزانية العامة للسنة المالية 2010.
ـ يقول تقرير: "ليبيا 2025 رؤية استشرافية: ثقافة نهوض وتنمية مستدامة" (مسودة التقرير النهائي) الجزء الخامس، ان ليبيا تنفق 0.01% من ميزانيتها على البحث العلمي، مقابل معدل عالمي يصل الى 2%.
ـ هناك (حسب تقرير "الرؤية الاستشرافية") في المجال الاقتصادي تدهور واضح في ظروف الطلب في السوق الليبي، حيث تتدنى مستويات الجودة وحماية المستهلك والتنوع السلعي، الأمر الذي يستبان من حقيقة أن ترتيب ليبيا جاء ضمن الـ 20% الأدنى وفق مؤشرات ظروف الطلب في الأسواق العالمية. نلحظ أيضا تدني مؤشر جاذبية مناخ الاستثمار، حيث تحتل ليبيا المرتبة 172 من بين 184، فيما تحتل المرتبة 18 من بين مجموع الدول العربية (عام 2003)؛ كما يوضح مؤشر الحرية الاقتصادية أن ترتيب ليبيا هو 17 من بين الدول العربية و153 من بين 161 دولة على مستوى العالم (عام 2003)، ثم تحسن حتى أصبح 88 من بين 110 دولة (عام 2006)؛ ورغم هذا التحسن، فإن القطاع الاستثماري يظل ضعيفا.
ـ المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) وضع تصنيفا لمدى تأثير تقنية المعلومات على تطوير القدرة التنافسية للعام 2007- 2008. وقد استند هذا التصنيف إلى مدى تكامل واندماج التقنية في قطاع الأعمال والبنية التحتية والسياسات التي تنتهجها الحكومات لتطوير الابتكار واستخدام تقنية المعلومات. ويبين الجدول التالي تصنيف ليبيا وفقاً لهذه المعايير من بين 127 دولة.
ـ يشير مؤشر البيئة المستدامة 2005 إلى أن ليبيا تحتل الترتيب 36 من 40 دولة أفريقية حيث سجلت قيمة 42.3  وهي قيمة متدنية. لا يعتمد هذا المؤشر على معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أو على القدرة التنافسية  فقط، بل  يأخذ بعين الاعتبار أهدافا أخرى أهمها الأداء البيئي. ويستخدم 21 معيارا، مما يجعله أحد الأدوات الجيدة  لرسم السياسات الوطنية للتحكم  في الملوثات و إدارة  الموارد الطبيعية.
ـ تشير مؤشرات الشفافية العالمية إلى أن ترتيب ليبيا 131 من أصل 160 دولة، وذلك وفقا للتقرير الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية حول مستويات الفساد في العالم عام 2007، فيما تشير مؤشرات الإدارة الرشيدة لعام 2002 إلى أن ترتيب ليبيا في المشاركة السياسية 18 من أصل 19 دولة، وفي الاستقرار السياسي جاء ترتيبها 13، وفي فاعلية الحكومة 15، وتطور البيئة الإجرائية 18، وسيادة القانون 16، ومحاربة الفساد 17. أما مؤشر الاستدامة البيئية فيشير إلى أن ترتيب ليبيا بين الدول العربية هو 10 من أصل 16، وعلى المستوى العالمي 126 من أصل 193، وذلك وفقا لبيانات 2004.
ـ تشكل المرأة ما يقارب من 50% من حجم السكان، لكن مشاركتها في النشاط الاقتصادي لا تزال محدودة إذ بلغت حوالى 23% في عام 2003، في حين بلغت مشاركة المرأة في بعض الدول المتقدمة حوالى 45%.
ـ تشير تقديرات عام (2005) إلى أن معدل البطالة هو 30% من مجمل السكان العاملين اقتصاديا، وهذه النسب تعتبر مرتفعة جدا مقارنة مع معدلات البطالة المقبولة التي لا تتجاوز 5%.
ـ هناك ما يقرب من مليون ليبي يعانون من الفقر وهذا الرقم التقديري يعني أن نسبة الفقر في ليبيا تبلغ حوالى 20% من السكان، وهذه نسبة جد مرتفعة مقارنة بالموارد المتاحة.
ـ تدني معدل نصيب الفرد من المياه في ليبيا (500 متر مكعب) مقارنة بالمعدل العالمي.
ـ إجمالي ما يصرف على قطاع الخدمات الصحية عن كل فرد أكثر من 10% بقليل مقارنة بالدول المتقدمة. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية بشأن ليبيا إلى انخفاض نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو (3.7%) في عام 1998 إلى نحو (3.5%) في عام 1999 إلى (2.9%) في عام 2001. اقتصرت نسبة الإنفاق في الخدمات الصحية كنسبة من الإنفاق الإجمالي العام على (5%) في عام 2001 مقارنة بنسبة (15.1%) في تونس و(32.5%) في الإمارات. وبلغ متوسط نصيب الفرد من الإنفاق في الخدمات الصحية (143) دولار عام 2001 مقارنة بـ (843) دولار في الإمارات العربية.
ـ الاقتصاد الليبي اقتصاد مستورد صاف للخدمات، إذ يصل العجز إلى ما يقرب من 2.8 مليار دينار حسب إحصائيات 2005.
ـ تبلغ درجات الانفتاح أو الانكشاف في الاقتصاد الليبي إلى مستويات مرتفعة وصلت حوالى 70% عام 2005. وحيث إن الاندماج في الاقتصاد العالمي سوف يزيد من درجة الانفتاح، فإن هذا يضع الاقتصاد الليبي أمام تحد يتطلب القيام بإصلاحات جذرية في المجالات الاقتصادية كافة.
ـ  يشكل التنامي الكمي لمعدلات الجريمة تهديدا للأمن الوطني إذ يعد المعدل المحلي عالياً بالمقارنة بغيره من المعدلات الدولية والعربية، إذ بلغ العدد(865) جريمة لكل (100000) نسمة من السكان الليبيين. وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فإن معدل الجريمة سيصل عام 2025 إلى (1807) جريمة لكل (100000) نسمة من السكان. وهذا يعني ارتفاع نسبة الجريمة إلى 77% عما كانت عليه عام 2005.
ـ أحدث احصاء سكاني يقول بأن معدل البطالة في ليبيا يبلغ 20.74%. وبهذا يكون هو الاعلى بين دول منطقة المغرب العربي الخمس البالغ مجموع سكانها 80 مليون نسمة حيث تتراوح البطالة في الدول الاربع الاخرى من حوالي تسعة الى 15% وفقا للارقام الرسمية.
ـ تقول جريدة "أويا": "بلغ عدد الليبيين المشتغلين فعلا ما مجموعه 1.3 مليون يشكلون نسبة قدرها 79.26% من إجمالي السكان الليبيين العاملين اقتصاديا وبذلك فان معدل البطالة بين أفراد قوة العمل الليبية في الجماهيرية يقدر بحوالي 20.74%. وترتفع نسبة البطالة بين الذكور الى حوالي 21.55 في المئة وتنخفض بين الاناث الى حوالي 18.71%.
ـ مؤسسات التعليم التي سيطر عليها الثوريون تحولت الى معسكرات عقائدية وتعبئة أيديولوجية شعبوية، على حساب التحصيل العلمي والمعرفة الأكاديمية، مما أدى إلى إبعاد وابتعاد الكثير من الكفاءات العلمية والأكاديمية والتربوية.
ـ المؤسسات التعليمية تعاني من تفشي ظاهرة الفساد الإداري، وإهدار المال العام، كما تعاني من نقص في الموارد والإمكانيات، البنايات والمرافق والمعدات، الذي طال كذلك الكليات ذات التخصصات الدقيقة كالطب والهندسة وأصبحت المدارس تفتقر حتى للكراس والطباشير.
ـ الفساد ينهب المليارات من ثروات البلد التي تتحول الى استثمارات وهمية وسرية في الخارج. وبدلا من مكافحة الفساد، طالب عبد السلام التومي وكيل وزارة العدل الليبية (في تشرين الثاني- نوفمبر 2009) بمراجعة معايير تصنيف الدول في قوائم الفساد. ولم يتطرق المسؤول الليبي إلى ماهية المعايير التي يعترض عليها، كما لم يحدد ما هي المعايير التي يرغب بها.
ـ على الرغم من كل الثروة النفطية، فالخراب يعم البنية التحتية، والتلوث صار مصدرا لانتشار أوبئة من تلك التي كانت تظهر في القرون الوسطى.
وما هذا إلا غيض من فيض. فالخراب والفوضى اللذين آلت اليهما ليبيا بعد 40 عاما، تجعل من المستحيل تصور ان يشكل هذا البلد نموذجا لأي شيء.
ولا أعرف بأي معجزة آمن المؤمنون.
ولكنهم آمنوا!
الله يرسل، في العادة، بعض الكوارث، إلا انه لا يجعلها تشمل الاقتصاد والمجتمع والسياسة والتعليم والخدمات الأساسية والبنية التحتية والأمن دفعة واحدة.
فمبروك على موريتانيا. ومبروك على كل المؤمنين الذين لم يطلبوا دليلا ولا برهانا.
السؤال ليس ما إذا كان هذا النموذج يصلح للاقتفاء، فللإيمان معجزاته الخاصة. ولكن السؤال هو: من كان لا خير له في أهله، كيف يكون له خير في غيرهم؟
إتقوا الله، بأنفسكم. على الأقل، لكي لا تنتهوا بشراء القمح من أوكرانيا.
الذين يريدون الخير لأنفسهم ولليبيا، يجب أن يبحثوا عن نموذج للإزدهار والتقدم ويقتفوا أثره، لا أن يتخذوا من المأساة نموذجا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب وصحافي عراقي، صدرت له عدة كتب، ونشر على امتداد 30 عاما، المئات من الدراسات والمقالات، وعمل في عدد من أبرز المؤسسات الصحافية العربية، رئيس تحرير "المتوسط اونلاين". ويمكن الوصول اليه على العنوان التالي:
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد