إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

القذافي المرعوب مما حدث لصدام يوسع “بالوعة الفساد” مستبدلا “الثورجية” بالإحتواء الوقائي

Qathafe(25)

 في السبعينات كان القذافي ينادي بحرق المراحل للانتقال بالمجتمع الليبي من التخلف إلى التقدم، هكذا دفعة واحدة وبدون التوقف في أي محطة على الخط وصولا إلى المحطة الأخيرة، وهو شعار استعاره مثلما استعار معظم مقولاته في الكتاب الأخضر من الثورة البلشفية، حتى وهي تكتشف عقم الشعار، ولكنه الآن يبدو مغرما بشعار آخر، وهو حرق الخيارات، فكل من قد يصبح خيارا في يوم من الأيام لابد من حرقه الآن، سواء كان تيارا سياسيا أو فكريا، أو شخصا طبيعيا

 
  كما انتقل القذافي من سياسة الاستسلام الوقائي التي طبقها عام 2003، عندما شاهد صدام حسين يتدلى من حبل المشنقة، فسلم للأمريكيين البرنامج النووي، والمعلومات المتعلقة بشبكة العالم النووي الباكستاني، عبد القدير خان، ولكنه منذ بعض الوقت استهواه شعار جديد، وهو الاحتواء الوقائي.
ملفات معقدة
في معظم الأحيان انسحب القذافي من دائرة الضوء، وترك أبنه سيف الإسلام يطبق الشعارين الجديدين، من خلال جمعية القذافي للتنمية والجمعيات الخيرية، وأيضا من خلال شركة الغد الإعلامية. في الأولى جمع سيف الإسلام سجناء سياسيين سابقين، ومثقفين وأساتذة جامعات اكتووا بنيران الشعارات القديمة، ومن لم يسجن منهم اجبر على الصمت، ومعظمهم ينتمي إلى اليسار والوسط، فكلفهم بإدارة جمعية القذافي لحقوق الإنسان، التي أصبحت تزور السجون، وتتقصى عن أحوال السجناء، حيث لا يستطيع وزير العدل الدخول هناك، وبالفعل فقد تمكنت الجمعية من البث في عدد من الملفات المعقدة والحساسة، ومنذ ذلك الوقت أخذت رسائل المتظلمين تصل إلى سيف الإسلام وجمعيته أكثر مما تصل إلى والده.
دستور الكولاج
بل أنه طلب من مجموعة من الأساتذة اليساريين والليبراليين كتابة مسودة دستور، حيث لا يوجد دستور في البلاد منذ أربعين عاما، كما كلف جهات أخرى من بينها بعض عناصر اللجان الثورية بكتابة مسودة أخرى للدستور، وفي النسخة التي سربت من هذه المسودة العام الماضي، اتضح أن ما كتبه الأساتذة اليساريون والليبراليون لم يبق منه سوى جمل موزعة هنا وهناك، أما ما كتبه الثوريون أو من صاروا يعرفون بالحرس القديم، فقد طغى على ما عداه، وفي هذه المسودة ينص البند الرابع على أن معمر القذافي هو رجل تاريخي له وضع خاص، بحيث لا يمكن محاسبته أو الطعن فيه بأي شكل من الأشكال، مما جعله أغرب دستور في العالم، وفجأة قرر سيف الإسلام التخلي عن العمل السياسي، وترك جميع الذين استظلوا بمظلته في العراء، وتحت رحمة الحرس القديم، والأجهزة الأمنية.
قاع بلا قرار
في شركة الغد، وهي شركة غامضة لا يعرف أحد مصادر تمويلها، حتى نقيب الصحافيين الذي يدعي أن نقابته تمتلك 15 % من رأس مال الشركة، جمع سيف الإسلام صحافيين وإعلاميين وكتاب من كل التيارات، وطالبهم برفع العيار ونقد كل شيء في جماهيرية أبيه، من خلال صحيفتي أويا وقورينا، وأيضا من خلال قناة الليبية الفضائية، ومحطة أف أم، وأغدق عليهم الأموال بشكل لم يحدث في تاريخ البلاد، وهكذا أصبح رئيس التحرير يتقاضى خمسة آلاف دينار، بدلا من خمسمائة دينار، أما المحررون العاديون الذين يكتبون كلما جاءهم الإلهام فتجاوز دخلهم الألف دينار شهريا، في الوقت الذي بقت فيه رواتب صحفيي المؤسسة العامة للصحافة كما كانت عليه منذ ثلاثين عاما، وفجأة أممت قناة الليبية بأمر من الوالد، وأفلست شركة الغد التي لا يعرف لها قاع، ولا تزال التحقيقات جارية لمعرفة حجم الفساد والأموال المنهوبة من الشركة، وغالبا سيتم تجهيز ملفات لكل المسئولين السابقين لتقديمها إلى المحاكم كلما كان ذلك ضروريا. النتيجة المباشرة لهذه المغامرة الليبرالية هو حرق كل من مر بها.
من اليوم إلى الغد
في الإدارة الجديدة احتار سيف الإسلام تيارا جديدا كان خارج اللعبة طوال العقود السابقة، وهو تيار الإخوان المسلمين، الذي تأسس في أواخر أربعينات القرن الماضي، عندما أجار الملك إدريس ثلاثة مصريين، كانوا قد فروا إلى ليبيا بعيد اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، ثم اتسع بعد الاستقلال وقدوم عدد كبير من المدرسين المصريين.
 
هذه المرة كلف سيف الإسلام سليمان دوغة، رئيس تحرير موقع "ليبيا اليوم" المحسوب على الإخوان، ليترأس شركة الغد بعد إفلاسها، وبمرتب شهري يصل إلى عشرة آلاف دينار، وهو ما يعني التمهيد لحرق خيار الإخوان من خلال هذه البالوعة التي تقود إلى غد غامض.
لا خيار ولا كوسا
وكان سيف الإسلام قد استعان بالإخوان لإقناع الجماعة الإسلامية المقاتلة بمراجعة منهجهم وهم في السجون، تلك المراجعة التي لخصت في كتاب من 420 صفحة، والتي بموجبها أطلق سراح سجناء المقاتلة، حيث يتولى زعمائهم اليوم إقناع سجناء القاعدة، والتيارات الجهادية الأخرى بالقيام بنفس المراجعة.
 
كما أن سياسة حرق الخيارات، والاحتواء الوقائي تطبق أيضا على الذين خدموا النظام طوال الثلاثين عاما الماضية، وذلك بركلهم إلى أعلى، ومن أهمهم وزير الخارجية الحالي، موسى كوسا، الذي تولى قيادة جهاز الأمن الخارجي منذ الثمانينات، والذي استهلكته الأزمة مع سويسرا حتى أن المعتصم القذافي كاد أن يصفعه في مؤتمر الشعب العام
 
 
عمر الكدي
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد